أول الغيث " بامرني " : تركيا الأطلسية تريد مياه الرافدين ونفط كركوك ودماء الكرد !

علاء اللامي
allamialaa@hotmail.com

2002 / 8 / 24

                                                                            

 

  قبل عدة أيام تناقلت وسائل الإعلام تصريح لمسؤول كردي كبير  هو السيد جلال الطالباني أعلن فيه أن قوات تركية  اجتاحت الحدود الدولية مع العراق وسيطرت على قاعدة جوية عراقية "مهجورة " في منطقة "بامرني " في إقليم كردستان العراق . والمنطقة المذكورة تقع تحت سيطرة حزب السيد الطالباني ( الاتحاد الوطني الكردستاني ) . ثم جاءت " رحلة الشتاء والصيف " الى عاصمة الإمبراطورية  روما الجديدة "واشنطن" التي قام بها وفد على مستوىً عال !من رموز المعارضة العراقية المتعاملة مع الولايات المتحدة . وكان السيد الطالباني أحد أعضاء الوفد حيث صرح هناك بأنه سيضع المناطق التي يسيطر عليها تحت تصرف الغزاة الأمريكان ثم تراجع وسحب تصريحه  من " هنا " وأعلن  بأنه لم يقل ذلك . وبالمناسبة فإن الأخ مسعود البرزاني كان قد أوفد  أحد المسؤولين في حزبه ولم يشارك هو بنفسه في وفد الحجيج  الى  واشنطن ، مع أن أقوالا ترددت مفادها أن خلافا بين السيد البرزاني والحكومة التركية هو الذي حال  دون مشاركة  هذا الأخير  . وقيل أيضا -ضمن هذا السياق - أن الإدارة الأمريكية قد تدخلت لحل الإشكال ، وأبدت استعدادها لإرسال طائرة أمريكية خاصة ليسافر عليها السيد البرزاني ، ولكن وعلى الرغم  من كل ذلك ظل  في كردستان العراق وذهب الوفد " السداسي "  والمشفوع بمشاركة أحد " المقدسين " من حزب  المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ، ثم عاد  - الحجاج -  بخفي حنين      لتشتعل بعدها حرب تحريض شرسة قامت بها الحكومة التركية ضد السيد البرزاني وضد الشعب الكردي  عموما .

  لقد تلاشى خبر احتلال القوات التركية للقاعدة الجوية العراقية في " بامرني " في خضم هذه التطورات  ، وضمن أجواء تهديد الزعران الصهاينة  بمسح العراق من خريطة الوجود بقنابل " ديغول " النووية  ، ولم يعد أحد يتحدث عن الموضوع   ،لا من الكرد ولا من غيرهم : شيعة وسنة وقوميين وشيوعيين ولبراليين ومحررين لبرلين !!  ولم نعد نعلم إن كانت القوات التركية قد انسحبت أم تمترست وأقامت  هناك ،أما النظام الدكتاتوري فلم يعلق على الخبر ببنت شفة وكأن منطقة " بامرني " تقع جنوب الصين وليست أرض عراقية وموقع  عسكري . إنها سياسة النعامة العبقرية التي يتقنها النظام  في جميع المناسبات  !

   إن  سياسية تقديم الرِشى المليارية والنفط المجاني  الى النظام التركي التي يأخذ بها النظام الشمولي في بغداد سوف تتسبب قريبا جدا  في كارثة وطنية جديدة ستسجل حتما في سجل "إنجازات" نظام الكوارث والقمع  ، فها هو نهر الفرات قد تحول الى ساقية بائسة بعد أن كان منبعا ورحما طيبا لحضارات راقية  وإنسانية  وها قد جاء الدور على  نهر دجلة الذي سيتحول قريبا جدا أيضا ، كما ينقل القادمون حديثا من "بلاد السواد" ،  الى قبر طويل يشطر قلب بغداد الرشيد  وكل ذلك بسبب برامج تركيا الأطلسية المائية كبرنامج "غات " وغيره لإنشاء السدود والبحيرات الاصطناعية بالتكنولوجيا الأمريكية والمحمية بالطيران الإسرائيلي  والممولة بالمال " الخليجي " والياباني، تلك المشاريع التي حولت تركيا الى خزان هائل للمياه المسروقة من العراق وسوريا . في الحين  ذاته يواصل النظام الحاكم  ضخ النفط العراقي وبنسبة عالية عبر ميناء "جيهان "التركي بما يعود على الاقتصاد التركي بعواد مالية هائلة تشكل نسبة كبيرة من الدخل القومي و معروف أن قسما من هذا النفط يذهب  عادة الى قاعدة " إنجرليك التركية " الموضوعة تحت تصرف سلاح الجو الأمريكي التي تقتل الفلاحين البسطاء  في جنوب العراق .   وهكذا ُيترك ميناء "طرطوس" السوري مهملا على الرغم من حفلات قصِّ الأشرطة والاحتفالات الصاخبة التي يتناوب عليها المسؤولون البعثيون من " القطرين  الشقيقين  " لبدء تصدير النفط منه دون جدوى !  أ حلال  نفط العراق على تركيا الأطلسية وحرام على الشقيقة سوريا ؟

 وقد نشرت صحيفة يومية تركية مقربة من الأوساط الحاكمة  قبل أيام  نقدا عنيفا ضد البرزاني تتهمه فيه بأن لديه طموحات انفصالية وإقامة دولة كردية . وعددت بعض الأدلة على ذلك منها أن حكومة البرزاني بدأت بإصدار جوازات سفر عليها ختم "كردستان" وهي الكلمة التي لا تطيقها العسكرتاريا التركية في حين تتمزمز بمتعة كلمة مثل " إسرائيل "  إضافة الى مجموعة من الافتراءات والاستفزازات للقائد الكردي الراحل مصطفي البرزاني والد السيد مسعود والذي قاد حركة التحرر الكردية طوال أكثر من نصف نقرن  والذي يوقره العراقيون في غالبيتهم رغم كل التحفظات .

  واليوم  ، الحادي والعشرون من آب ، خرج النظام التركي الأطلسي المعادي لشعبه ،والزاحف بخسة يندر مثيلها خلف فتات الاتحاد الأوروبي  مقابل تخليه عن أصالته الشرقية الإسلامية وعن أمجاد الأمة التركية   ليكشر عن أنيابه ويلمع ألوان ذئابه الرمادية ويعلن بكل صلف وغرور على لسان وزير دفاعه "جقماق أوغلو " عن أن شمال العراق أمانة في عنقه هو ! فياله من عنق ! وأنه لن يسمح لأحد بأن يسيطر على محافظة  الموصل والتي  كما تقول جميع المعاجم والأطالس  مدينة عربية عريقة و مهد الدولة الحمدانية و هي قبل ذلك  المدينة السامية القديمة التي احتفظت باسمها العريق " موصلا "  إضافة الى محافظة كركوك العراقية متعددة القوميات التي شوشت  رائحة نفطها العقل التركي الأطلسي ذا النزعة العنصرية  المستقوية بحراب الغربي الإمبريالي عدو الشعوب بما فيها شعب تركيا الجار  .

    إنه استفزاز ما  بعده استفزاز لمشاعر جميع العراقيين عربا وكردا وآشوريين وتركمان . إنه استفزاز أن يقول الوزير التركي المتعجرف أن شمال العراق أرض تركية انتزعت من تركيا خلال ما يسميه "حرب التحرير" بعد الحرب العالمية " الغربية " الأولى ! إنه  هذر  واستفزاز  ينبغي أن يدان من قبل الوطنيين والثوريين  العراقيين الممارسين للنشاط السياسي  والثوري ومن قبل المواطنين العادين أيضا .

  إن برنامجا طارئا واستثنائيا ينبغي على العراقيين الشرفاء في المعارضة التي لم تبع شرفها الوطني في ردهات " الكونغرس " التصدي لرسمه ووضع أسسه  وركائزه  ، يقوم على قصد بناء تحالف قوي بين جميع ممثلي الإثنيات والفئات والطوائف والأديان والأحزاب العراقية هدفه إنقاذ مياه الرافدين من مشاريع تركيا المائية ، وحماية دماء أشقائنا الكرد من حملة الانتقام الطورانية  الجديدة ، والدفاع عن عراقية كركوك متعددة القوميات وعن عروبة الموصل التي نسميها نحن العراقيين " أم الربيعين " من الأطماع الأطلسية التركية  المسعورة والمشار بها أمريكيا  وصهيونيا  .

ثمة أيضا  مسؤولية خاصة ومهمة لأشقائنا العراقيين التركمان الذين تعرضوا على امتداد تاريخهم ( مع أن وجودهم في العراق أقدم من وجود الأتراك  الأطالسة في آسيا الوسطى بعدة قرون )  لحملات ابتزاز ضارية وظالمة من الدولة التركية المتغربنة  وظلوا على ولائهم لوطنهم العراق ما عدا بعض الاستثناءات القليلة العميلة . إن على الأخوة العراقيين التركمان أن يصدحوا بصوتهم الرافض والمستنكر لهذه الهجمة للدولة التركية التي يقودها العسكر الفاشيون  وأن يتصرفوا  كما عهدناهم دائما كعراقيين ويتصدوا للعدوان القادم فيؤكدوا مواطنيتهم العراقية .

  وختاما ، وبإهمال ضرورة التعليق على موقف عربي " رحمه الله " من هذه الأحداث سواء جاءت من دولة عربية أو من جثة الجامعة العربية "العتيدة" ، يمكن استشراف آفاق العملية الجيوسياسية الدائرة حاليا حول العراق  في مصائر محددة يقع في رأس قائمتها أن الضعف العراقي الراهن بسبب الحصار والدكتاتورية والتهديد بالإفناء النووي سيكون مغريا جدا لجنرالات تركيا ضيقي الأفق  ولكن على هؤلاء أن يدركوا بأن " بقية السيف أنمى عددا وأبقى ذكرا " وإذا كان هؤلاء الجنرالات   المأجورون  قد قرروا قضم جزء من العراق الضعيف اليوم وسفك دماء الكرد فإن بقية السيف العراقي ستضع الكيان التركي المفبرك والمصطنع على بساط التفكيك والتلاشي الحتمي بما يحقق تحرير الكرد والعرب وجميع الإثنيات التي تضطهدها تركيا الأطلسية  .     

 



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن