باطن الجحيم رواية سلام إبراهيم الجديدة

نصير عواد
nassarawad_288@hotmail.com

2011 / 6 / 19

باطن الجحيم رواية سلام إبراهيم الجديدة


تقنيا لا أميل إلى رواية الضحية للحادثة بقدر ميلي إلى رواية الجلاد لها وذلك بسبب انشغال الضحية بمعاناتها وأحزانها وحقوقها، في حين رواية الجلاد غالبا ما تكون غنية بتفاصيل الحادثة، هذا في حال صحوة ضمير الجلاد ورواية حقيقة ما حدث. بمعنى أن رواية الجلاد تتضمن مكان وقوع الأمر وساعة وقوعه وأداة الجريمة واللحظات والكلمات الأخيرة للضحية.. وغيرها من الأدلة الجرمية التي تفيد توثيق الحادثة والتي هي غائبة عن انشغالات الضحية. ولكني بعد انتهائي من قراءة رواية " في باطن الجحيم" للكاتب سلام إبراهيم وما فيها من ألم ومعاناة وأجساد تختنق وتحترق وجدت أن قسوة التجربة ونضج الأداة وتهيئ الظروف قد أفسحت المجال للضحية رواية حقيقة ما حدث، موثقة بالزمان والمكان والأدلة، التي من بينها تشوهات جسد الراوي وعيشه حالة رعب لم تنته رغم مرور ربع قرن على وقوع الحادثة. رواية أعادت الاعتبار لمعلومة أن شاهدا حيا واحدا على حقيقة ما وقع يعادل عشرات الدراسات والبيانات السياسية التي رتبت عن بُعد، من خارج حدود الحادثة.
صحيح أن قسما كبيرا من الحوادث التي رواها الكاتب في "باطن الجحيم" قد جرى التطرق إليها في رواياته الأربع بشكل أو بآخر ولكننا هنا أمام لغة وأسلوب لم نعتد عليهما في تلك الروايات. فالحادثة عندما تتأرجح بين المخيلة وبين الذاكرة سينعكس ذلك على عناصر الحادثة في الزمان والمكان والأبطال تدفعنا فيها التفاصيل إلى وضع خطا لا مرئيا بين الصدق الفني المتكدس في لغة وأسلوب وشخوص ومناخات الكاتب، وبين حقيقة وقوع الأمر التي قد لا تحتاج إلى المساحيق والألوان للوصول إلى قلب القارئ. بمعنى أن الأحداث التي رواها المؤلف في" باطن الجحيم" وقعت بالفعل وأن أبطالها حقيقيون وما زال قسما كبيرا منهم يعيش بيننا ويعاني صحيا ونفسيا من تأثير السلاح الكيمياوي الذي ضرب به صدام حسين فقراء الشعب الكردي وأحزابه السياسية. أحيانا وبتأثير من مهنة الروائي نجد المؤلف يسرح في مخيلته بين الألوان بين الألوان والوجوه بين محطة قطار وأخرى ولكنه بسبب طبيعة الحادثة التي يرويها وجنس الكتابة التوثيقية فإنه سرعان ما يعود إلى ما انقطع من الحكاية، يلتقطها القارئ المشدود بأكثر من خيط إلى قلب الحادثة معاناة الضحايا. فعندما تتزاحم الأحداث وتنتقل بين الأزمنة يتمسك القارئ بخيط الرعب والخوف وامتهان كرامة الإنسان، ينعش ذاكرته جلوس الضحية المتكرر أمام شاشة التلفاز في نشوة وطرب والجلاد بين القضبان في دهشة وامتعاض.
إن رواية "في باطن الجحيم" شهادة تنتصر للإنسان ولا تمجد حزبا أو قائدا، ولذلك ليس مفاجئا إهمال المعنيين لها على الرغم من أنهم تباكوا وتاجروا طويلا بضحايا السلاح الكيمياوي والأنفال والمقابر الجماعية، فعلى ما يبدو أن الوقت لم يحن بعد كي تشهر أحزابنا السياسية هذه الورقة وتزايد على بعضها البعض. لكننا كقراء ومواطنين وضحايا للديكتاتور نشعر إنها وثيقة من لحم ودم ستبقى طويلا في الذاكرة الإنسانية وسيعود إليها المؤرخ والسينمائي والسياسي للوقوف عند حقيقة ما وقع في جبال كردستان العراق في ثمانينيات القرن الماضي.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن