الحق القديم : وثائق حقوق الإنسان في الثقافة الإسلامية

جواد بشارة
jawadbashara@yahoo.fr

2002 / 8 / 22

إسم الكتاب : الحق القديم : وثائق حقوق الإنسان في الثقافة الإسلامية

المؤلف : غانم جواد

الناشر : مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

عرض: د. جواد بشارة    Dr. JAWAD BASHARA  

 

 

هذه محاولة علمية جادة ورصينة وعلمية موثّقة قدمها وحللها الأستاذ غانم جواد بأعلى قدر من الموضوعية والتجرد  وعقّب عليها الدكتور نصر حامد أبو زيد والأستاذ صلاح الدين الجورشي و الأستاذ الباقر العفيف . ، الغرض منها  إثبات موقف الإسلام من حقوق الإنسان من خلال دراسة خمسة عشرة وثيقة تأسيسية أصلية  تحث المسلمين وتدعوهم إلى التسامح وإقامة العدل وتقبل أدب الإختلاف ونبذ التعصب والإنغلاق ومنع التعذيب والتمثيل بالجثث .

فالدراسة والتعقيبات عليها هي تجسيد لوعي متألق من قضايا حقوق الإنسان ذات الطبيعة الإشكالية يجري تناولها من زوايا جديدة ورؤى متعددة وربطها  بالبعد العالمي  بعد تقصي جذورها في التاريخ الإسلامي .

هناك بالتأكيد فهم إسلامي  للحقوق والحريات بدا واضحاً في المدونات الخمسة عشر التي درسها المؤلف وهي وثائق كتبت في ظروف تاريخية مختلفة كانت تهدف إلى تشخيص ومعالجة الأوضاع السائدة آنذاك ولكن للأسف لم تعمل هذه النصوص على تغيير الواقع المعاصر من ناحية حقوق الإنسان ولم تعمل على إصلاح الأوضاع العامة رغم كونها تعبر عن رؤية إسلامية واعية لهذه المسألة الحساسة التي يبتزنا بها الغرب دائماً .

وقد غاص المؤلف في كتب التراث الإسلامي الثري يبحن عن هذه الوثائق واستغرق وقتاً طويلاً في التنقيب عنها وجمعها ودراستها وتحليلها ومحاولة معرفة ما تولد من إفرازات  نجمت عن إتصال  الحارة الإسلامية بالحضارات الأخرى القديمة والمعاصرة له والتي تلته . والكتاب في الأصل عبارة عن محاضرة قدمها المؤلف لندوة دولية حول " إسهامات  الحضارات الإنسانية في الإرتقاء بقيم ومباديء حقوق الإنسان " نظمتها " منظمة العفو الدولية " بالتعاون مع كلية العلوم والتربية في جامعة محمد الخامس  في الرباط في فبراية / شباط عام 2000  ثم جهد المؤلف لإجراء تعديلات وإضافات وتدقيقات علمية عليها لتصبح مادة هذا الكتاب .

يتكون الكتاب من 180 صفحة من القطع الكبير ويتألف من تقديم  للناشر  وتمهيد توضيحي من قبل المؤلف  ثم نص الدراسة تحت عنوان " تطور وثائق حقوق الإنسان في الثقافة الإسلامية " ثم التعقيبات  . التعقيب الأول بقلم الأستاذ صلاح الدين الجورشي تحت عنوان " التوثيق في مجال حقوق الإنسان : نحو إكتساب  الوعي التاريخي " . والتعقيب الثاني بقلم الأستاذ باقر العفيف  بعنوان " وثائق حقوق الإنسان الإسلامية في السياق التاريخي والإجتماعي " . والتعقيب الثالث بقلم الدكتور نصر حامد أبو زيد تحت عنوان " حقوق الإنسان بين العالمية والنسبية الثقافية : البحث عن حقوق الإنسان في الإسلام " ....

يقول المؤلف الأستاذ غانم جواد أن المدونات والوثائق التي جمعها ودرسها كتبت بلغة راعت البنية الثقافية للمجتمعات الإسلامية آنذاك وكانت تتلائم  في مفرداتها وأسلوبها مع البيئة الإجتماعية  ومستوى اللغة المتداولة في ذلك الوقت . ويضيف في فقرة أخرى  انه لم يحاول أن يولي عنق  النصوص الإسلامية  المتعلقة بحقوق الإنسان ومعاييرها للتوافق بصورة قسرية مع المواثيق الدولية المعاصرة  المستمدة من التشريعات الغربية الوضعية  ، بالرغم من أسبقيتها التاريخية من حيث التشريع  والتطبيق . ورغم عدم التعارض الجوهري مع الشرعية الدولية لحقوق الإنسان إلاّ أنه من حقنا إبداء رؤيتنا المختلفة فيما يتعلق بأسس المفاهيم  التي انطلقت منها التشريعات الغربية وتطبيقات  الشرعية الدولية لحقوق الإنسان للمعايير المنصوص عليها والتي تؤدي في كثير من الأحيان إلى إنتهاج سياسة ذات معايير مزدوجة .

يستعرض المؤلف في بداية بحثه مفاهيم حقوق الإنسان المعاصرة لما تحتله من مساحة واسعة من الإهتمام الدولي في الوقت الحاضر حتى أصبحت من أهم دعائم النظام الدولي الجديد وأحد أهم سمات  " ثقافة العولمة " . وبعد ذلك يتعرض للمرجعية الغربية لحقوق الإنسان وما عاشته من مراحل  وتطورات دونت في وثائق تاريخية صدرت إبان عصر النهضة  وقبله وبعده التي كانت المرجع الأساسي  للوثائق العصرية  وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر  عام 1948 ، ومن تلك الوثائق الشرعة الكبرى المعروفة بغسم الماكناكارتا 1215 ، عريضة الحقوق في المملكة المتحدة 1628 ، إعلان الحقوق في الولايات المتحدة الأميركي  1776 ،  إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا 1789 ، نظرية العقد الإجتماعي عند علماء ومفكري الغرب كهويس وجون لوك وجان جاك روسو بين 1679 و 1778 ، تطور نظرية إنشاء الدولة  التي جاء بها مونتسكيو 1755 ، مباديء حقوق الإنسان في عصبة الأمم 1919  ، الخ ...

وبعذ ذلك يباشر الباحث في تقديم المرجعية الإسلامية لحقوق الإنسان من خلال كتب التراث  وسرو وآيات القرآن والحديث والسنة النبوية الشريفة ويتابع كافة مراحل تطور هذه الوثائق النفيسة والهامة حسب تسلسلها التاريخي والتي ترسم حركة الإسلام في الواقع من مرحلة التشريع  النبوية إلى مرحلة التدوين الإسلامية مروراً بمراحل التفسير والتعليق التي اتسمت بكثرتها وتنوعها وحداثتها على المجتمع البدوي . وبالطبع أول وثيقة من وثائق حقوق الإنسان في الإسلام هي القرآن  الكريم بلا شك  وتليه  الصحيفة النبوية الموجودة في السنة النبوية كما تبين ذلك من خلال دراسة حيثيات حلف الفضول الوثيقة الثالثة تعود لأبو بكر الصديق والرابعة لعمر بن الخطاب والخامسة لعلي ابن أبي طالب ووصيته لمالك الأشتر ثم تأتي الوثيقة السادسة وهي رسالة الحقوق لعلي بن الحسين والوثيقة السابعة هي حقوق الآدميين للماوردي والوثيقة الثامنة رسالة الإمام النائيني  والوثيقة التاسعة لكواكبي من كتابه كبائع الاستبداد  الخ ...   صحيح أن النصوص تعود إلى الماضي  وبعضها إلى الماضي البعيد لكنها تظل معاصرة في جوهرها ومحتواها وأفكارها رغم قدم لغتها ومفرداتها ومصطلحاتها وقد أيد المعلق الجورشي صلاحية تلك النصوص والوثائق في التعامل مع قضية حقوق الإنسان في الوقت الحاضر شرط وضعها في سياقها التاريخي . فما كان فرعياً في وقت ما أصبح رئيسياً في وقت لاحق على سبيل المثال لا الحصر . لذلك تبقى أهمية هذه الوثائق تاريخية أكثر منها آنية حسب تعبير الأستاذ الجورشي بينما ينحو الأستاذ الباقر العفيف منحى نقدي حر في التعامل مع هذه الوثائق من خلال تطويرها وتوسيعها لكي تستوعب المستجدات  الحديثة الآنية والقادمة . ينما قدم الدكتور نصر حامد أبو زيد نقداً لكل من اعتبر حقوق الإنسان ذات مرجعية غربية بحتة وحاول العثور على البعد الثقافي في تلك النصوص والوثائق التي قدمها الأستاذ غانم جواد .

من البديهي القول أن الكتاب لايضم كافة الوثائق الإسلامية خاصة تلك التي تتعلق بالأسرى والمساجين  ومستلزمات معاملة السجين وقضية التعامل مع أهل الذمة  الخ ..

أنه كتاب مهم جداً يمكن إعتماده كمرجع في الكثير من المناظرات والمناقشات الجارية في هذا المجال لأهميته العلمية والوثائقية .

 



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن