التقرير الأول للتنمية الإنسانية العربية لعام 2002

الحزب الشيوعي السوري

2002 / 8 / 19

إضـاءة

 

نشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أول تقرير حول التنمية الإنسانية العربية ضمن سياق عام يقول إن «التنمية الإنسانية في هذه المنطقة لا ترقى لمستوى غناها».

لقد أثار هذا التقرير اهتماماً واسعاً لدى الهيئات والمؤسسات الرسمية, ولدى المهتمين والباحثين على السواء. وأفرد له العديد من وسائل الإعلام حيّزاً كبيراً لمناقشة معطياته, والتحليلات والاستنتاجات التي بناها استناداً إلى هذه المعطيات.

   ينسج هذا التقرير التنمية في أبعادها, الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية, حول الناس.فهم أسس بنائها وقواعد قيامها ومصبات روافدها, واليهم ينبغي أن تنسال منافعها.ويتيح هذا التقرير منتدىً موضوعياً يقيس درجات التقدم ويتقصّى مواطن النقص.ويبسط أمام أنظار صانعي القرار استراتيجيات لتحقيق التنمية الإنسانية, ويشدّ الانتباه إلى المشاكل التي يمكن أن تجد علاجاً لها في إطار العمل العربي الجماعي. وقد أرشد التقرير في مقاربته القناعة بأن التشخيص الدقيق للمشكلة جزء من حلها.

   لقد غطّى هذا التقرير 280 مليون عربي يقطنون 22 دولة عربية في عام 2000, ويشكلون 5 % من سكان العالم. ومازالت نسبة النمو السكاني التي لحظها عالية حيث من المتوقع أن يصل عدد السكان إلى ما بين 410 و 459 مليوناً في عام 2020, ضمن هيكل جديد للأعمار تزداد فيه نسبة المسنّين وتقلّ فيه نسبة الأطفال.

   وبعيداً عن جوانب التقدم في قطاعات الصحة والسكن والتعليم التي يلحظها التقرير, فهو يؤكد أن إمارات النذر  واضحة. فقد كان معدل نمو الدخل للفرد العربي الأقل في العالم ما عدا أفريقيا جنوب الصحراء.

   فقد انخفض الدخل الحقيقي للمواطن العربي مقاساً بمعدل القوة الشرائية إلى 13.9% فقط من الدخل للمواطن في منطقة منظمة التعاون والتنمية في أواخر التسعينات.

   ويشير التقرير إلى أن الناتج الإجمالي المحلي لكل البلدان العربية يبلغ ما مقداره 531.2 بليون دولار أمريكي أي أقل من دخل دولة أوربية واحدة كاسبانيا والبالغ ناتجها الإجمالي المحلي 595.5 بليون دولار أمريكي.

وإذا استمر نهج النمو على حاله من التدني, فسيحتاج المواطن العربي إلى 140 عاماً ليضاعف دخله, بينما يستطيع المواطن في مناطق أخرى من العالم من مضاعفة دخله مرة كل عشر سنوات. فما زال الوطن العربي مكبلاً بأغلال من الفقر تنجم عن ثلاث نواقص: نقص في الحرية, نقص في تمكين المرأة, ونقص في حقول المعرفة.

لقد قام فريق العمل في التقرير بمقابلات مع شريحة عريضة من الشباب العرب, ووجد أن فرص العمل والتعلم هي جل ما يشغل هذه الشريحة. ومما يثير القلق أن 51 % من المراهقين و 45 % من المراهقين الأصغر سناً صرحوا عن رغبتهم بالهجرة معبرين بشكل واضح عن عدم رضاهم عن الأوضاع القائمة وعن الفرص المستقبلية في بلدهم الأم.

وفي حديثه عن النواقص الثلاث الأساسية, المشار إليها أعلاه, يؤكد التقرير أن استخدام مقياس نقص الحرية يشير إلى أن الناس في المنطقة العربية كانوا الأقل استمتاعاً بالحرية على الصعيد العالمي في تسعينات الألفية الأخيرة. وتشير مجموعة المؤشرات التي تقيس مظاهر متنوعة للعملية السياسية والحريات المدنية والحقوق السياسية واستقلال الإعلام إلى أن المنطقة العربية تأتي في المرتبة الأخيرة وفق ترتيب لجميع مناطق العالم على أساس حرية التمثيل والمساءلة.

وفي مجال نقص تمكين المرأة, يورد التقرير أن نسبة استخدام طاقات المرأة العربية من خلال المشاركة السياسية والاقتصادية, هي الأكثر تدنياً في العالم.

أما في مجال نقص المعرفة, يلفت التقرير إلى أن النفقات العلمية عام 1996 بلغت نسبة 0.14 % فقط من الناتج الإجمالي العربي, وأن الاستثمار في البحث والتطوير أقل من سبع المعدل العالمي. ويكفي أن نشير هنا إلى معلومة مهمة أوردها التقرير تقول إن إسبانيا تقوم كل سنة بترجمة عدد من الكتب يعادل ما ترجم إلى اللغة العربية خلال الألف سنة الماضية, لندرك مقدار النقص في هذا المجال.

*   *   *

 

من أجل امتلاك ناصية التقدم, أو الطريق إلى الأمام حسب التعبير المستخدم, يخلص التقرير إلى أن المجالات التالية تتصدر سلم الأولويات الاستثمارية التي يجب الاستثمار بها فوراً في الوطن العربي: الحكم الصالح, تحرير الصوت العربي, وبناء القدرات المعرفية العربية وخفض نسبة الفقر.

في ميدان تعزيز الحكم الصالح, يشير التقرير إلى أن النهوض بالحقوق السياسية كوسيلة لتعزيز التلاحم الاجتماعي والسلم الأهلي في العالم العربي, يمثل ميداناً للسياسة العامة يمكن أن يثمر عن عائد مرتفع للتنمية الاقتصادية والسياسية. كما لا يمكن إدراك درجات التنمية الإنسانية في الأقطار العربية ما لم تُوفرّ أسبابها وتُؤسَّس شروطها في أطر من أنساق الحكم الصالح, يتطلب إصلاح جوهر الحكم من خلال إصلاح مؤسسات الدولة وإعلاء صوت الناس. ومن أهم المؤسسات التي يجب أن يتصدى لها الإصلاح مؤسسة التمثيل و التشريع التي تعتبر حلقة الوصل الأساسية بين نظام الحكم والشعب, لتتحول إلى مؤسسة فاعلة تقوم على انتخابات حرة وأمينة وكفؤة ومنتظمة.ويشكل التطوير القانوني, بحسب التقرير, صلب عملية التطوير المؤسسي في الدولة العربية لأن سيادة القانون هي حجر الأساس الذي تبنى عليه مؤسسات الحكم الأخرى.

وينبغي أن يركز إصلاح النظام القضائي في البلدان العربية على أن يكفل القانون حقوق المواطنين وأن يكون متسقاً مع حقوق الإنسان الأساسية, ولا سيّما الحقوق المتصلة بحرية التعبير والتنظيم, يكفلها ويحميها قضاء مستقل ينفذ حكم القانون بنزاهة. أما تنمية العمل الأهلي فتتحقق من خلال أمرين: أولهما إزالة العقبات الإدارية القانونية التي تعيق إنشاء منظمات المجتمع المدني وعملها بفعالية, وثانيهما, أن تعمل منظمات المجتمع المدني نفسها للوصول إلى حركة جماهيرية واسعة الانتشار, تقوم على العمل الاجتماعي الجماعي والقابل للاستمرار بالموارد الذاتية.

ويبقى الاحترام الكامل للحريات وحقوق الإنسان حجر الزاوية لحكم صالح يستطيع فتح المجال أمام الإبداع, ويساعد على تقوية وتفعيل المشاركة الشعبية, ويؤدي إلى تنمية إنسانية متكاملة.

ويلاحظ التقرير أن الأقطار العربية تقف عند مفترق طرق. والخيار الأساسي هو: هل تستمر حركة المنطقة في التاريخ محكومة بالقصور الذاتي, بما فيه دوام البنى المؤسسية وأنماط الفعل التي أنتجت الأزمة الراهنة في التنمية, أم سيقوم في المنطقة مشروع للنهضة غايته مستقبل زاهر لأبناء الوطن العربي لا سيّما أجياله القادمة.

وفي ميدان تحرير الصوت العربي وتوظيف القدرات الإنسانية, يشير التقرير إلى أن إنعاش الاقتصادات العربية يتطلب منهجاً متعدد الأبعاد, ويعتمد بشكل كبير على ترسيخ التنمية الإنسانية, والى أن شرعية الدول ومؤسساتها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرتها على حشد الموارد في الحرب ضد الفقر. ويقتضي ذلك اعتماد نهج التنمية الإنسانية وتخفيض نسب الفقر كمحور أساسي من محاور خطط التنمية الاقتصادية. فالتنمية الإنسانية هي عنصر حيوي لنجاح المنطقة في تحقيق الانتعاش الاقتصادي وأن أولوية هذه السياسة في الأقطار العربية يتجسد في خلق حلقة حميدة بين النمو والتنمية حيث يؤول النمو الاقتصادي إلى تقوية التنمية الإنسانية وتؤول هي بدورها إلى تعزيز النمو الاقتصادي.

وهناك حاجة ماسة للتصدي لظاهرة تأنيث البطالة من خلال إزالة التمييز ضد المرأة في سوق العمل بما في ذلك فروقات الأجور وتوزيع الوظائف بينها وبين الرجل.

أما في ميدان بناء القدرات المعرفية, يبين التقرير أن المسألة هنا تبدأ بوضع برنامج واضح للاستثمار في مجال العلوم والثقافة والبحث والتطوير. ويؤكد أنه لا بد من زيادة حصة البحث والتطوير من الناتج المحلي الإجمالي من مستواها المتواضع والذي يقل عن 0.5 % لتصبح 2 % في نهاية العقد الحالي. كما يجب على الحكومات والمؤسسات أن تستقطب خبرات مليون عربي مؤهل يعملون في الدول الصناعية.

*   *   *

 

لقد أعد هذا التقرير, الذي أوردنا إضاءة له أعلاه, فريق مستقل من الباحثين العرب بمشورة لجنة رفيعة المستوى من المستشارين, حيث قام هؤلاء بدراسة مجتمعاتهم بشكل يعبر عن انتمائهم لها, ولكن بنظرة ناقدة, وكشفوا عن نقاط ضعفها بإخلاص. إذاً هذا التقرير ليس وجهة نظر دخيلة, بل هو نظرة صادقة تعكس الواقع وتتطلع إلى مستقبل أفضل لعموم الناس في المنطقة.

ونُقدّر أن المعطيات التي أوردها هذا التقرير, وكذلك التحليلات والاستنتاجات التي بناها على أساس من هذه المعطيات, سوف تتيح لأصحاب القرار في الوطن العربي وللمؤسسات العربية الرسمية, وكذلك للمهتمين والباحثين والدارسين, أن يشتغلوا عيها لعشر سنوات قادمة, نظراً للغنى الذي يتوفر عليه التقرير 00 ولكفاءة وجدية الفريق الذي عمل على إنجازه.

 

إعداد: هيئة التحرير

الرأي

  نشرة سياسية  يصدرها الحزب الشيوعي السوري

العدد12/تموز/ 2002

 



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن