القيادات النقابية تضيع ثمار قوة الضغط التي خلقتها حركة 20 فبراير

مصطفى البحري
mounadil_new@yahoo.fr

2011 / 5 / 3

تعرضت الدولة لضغط متنام، نابع بالدرجة الأولى من حركة 20 فبراير و ما خلقت من مناخ اجتماعي مشحون بالاستياء و الاحتجاج الشامل لكل فئات الشعب الكادح.

وضمن هذه الأجواء تصاعد ضغط الشغيلة، مع انه ظل معاقا بالطابع الفئوي و المجزأ، بعد أن أصرت القيادات النقابية على ترك طاقة العمال مفككة بدل تجميعها في نهوض موحد.

فرض هذا الضغط التنامي على الدولة الإسراع الى دعوة القيادات النقابية الى "الحوار". وبدورها هرولت تلك القيادات إلى مائدة الحكومة، و تظاهرت قيادة الكونفدرالية بموقف مقاطعة جلسات الحوار، لكن سرعان ما اتضح الطابع الأجوف لذلك السلوك.

استغلت الحكومة انقسام الجبهة النقابية لتناور مع كل طرف. قامت أولا باستجابة جزئية لمطالب فئات التعليم التي انخرطت في اضرابات و اعتصام بالعاصمة، ملتزمة علاوة على ذلك بوقف جميع الإجراءات الإدارية المتخذة ضد الدكاترة خلال فترة الاعتصام. أفضى ذلك الى وقف تلك الفئات لنضالاتها، لا سيما مع اقتراب امتحانات الباكالوريا.

شراء الهدنة بأقل ثمن من بيروقراطية لا دور لها في تحسين ميزان القوى

بعد ابداء تشدد أجوف بمقاطعة جلسات الحوار الأولى ، سارعت قيادة كدش الى قبول ما اعطت الحكومة بمعزل عن النقابات الاخرى، ودون أي سعي الى التنسيق معها. و بكل استعجال اصدر المكتب التنفيذي بلاغا يزف فيه الى العمال ما يعتبر انه فاز به في "حواره" مع الحكومة، مخبرا أن بلاغا مشتركا مع الحكومة سيصدر ليرسم الاتفاق. لما كل هذا التسرع؟ هل تريد قيادة ك.د.ش ان تحقق سبقا و تظهر بمظهر من حقق مكاسب؟ العكس تماما هو ما فعلت، فقد اصرت على شق الجبهة العمالية، وفاوضت وحدها، بلا أي تعبئة حقيقية. لم ينفذ المكتب التنفيذي قط تلويحاته الخاوية بالإضراب العام، و لا قام بأي مبادرة في ذلك الاتجاه.

انفردت قيادة ك.د.ش بهذا الموقف المتخبط دون أدنى اعتبار لمصلحة الأجراء، وستوقع مع الحكومة لتمنحها هدنة بأقل ثمن. نعم أقل ثمن لأنه لم يسبق للدولة أن كانت في وضع ضعف بوجه النقابات كما هي اليوم. ليس طبعا لأن القيادات بذلت جهدا ما لتحسين ميزان القوى لصالح الشغيلة بتوحيد فعلهم، بل لأن 20 فبراير أعطى دفعة قوية لاستعداد الكادحين الى النضال، وبرز هذا في انتعاش الاضرابات في القطاع العام و القطاع الخاص على السواء.

تخشى الدولة ان يتقدم النضال العمالي خطوة نوعية تخرج الحركة النقابية من حالة التشتت و السير على غير هدى، ومن ثمة اضطلاعها بقيادة فعلية لكفاحات مجمل الفئات الشعبية التي هبت الى الشارع بكل ربوع المغرب مطالبة بحقوقها.

ماذا يعني عدم اكتراث القيادة الكونفدرالية بالنقابات الأخرى؟ الا تضم قسما من الطبقة العاملة؟ ألم يسبق لتلك القيادة ان كانت تدعو قيادة إ.م.ش الى العمل المشترك؟ فهل تضاءلت دواعي هذا العمل المشترك ام تضاعفت؟

لم يبق تفسير لموقف القيادة الكونفدرالية غير انها تفضل علاقاتها مع الدولة على علاقتها بباقي النقابات وبالتالي بقسم من الطبقة العاملة.

فعلتها قيادة ك.د.ش. ومع ذلك لا تقل مسؤولية القيادات الأخرى في تبديد القوة العمالية المنتعشة بحركة 20 فبراير.

حسب بلاغ المكتب التنفيذي وافقت الحكومة يوم 25 أبريل 2011 على الزيادة في أجور جميع موظفي الدولة والجماعات المحلية بمبلغ 600 درهم ابتداء من فاتح مايو 2011. و رفع الحد الأدنى للأجر بنسبة 15 في المائة، 10 في المائة منها ابتداء من يوليوز 2011 و5 في المائة ابتداء من يناير 2012. و توحيد الحد الادنى للاجر الصناعي و الفلاحي على مدى 3 سنوات المقبلة. ورفع حصيص الترقية الداخلية إلى 30 في المائة ابتداء من يوليوز 2011 و33 في المائة ابتداء من يناير 2012. وبخصوص سقف سنوات انتظار الترقية فقد أعلنت الحكومة أنها لن تتجاوز 5 سنوات كحد أقصى بعد توفر الشروط المعمول بها، وبالنسبة لموظفي الجماعات المحلية فقد تقرر اعتماد الترقية بعد أقدمية 5 سنوات بدل 10 سنوات المعمول بها، كما تم الاتفاق على إحداث سلم جديد للترقي.

والتزمت الحكومة في الاجتماعات ذاتها بالرفع من الحد الأدنى للمعاش ليصل إلى 1000 درهم لمتقاعدي القطاعين العام والخاص، والمصادقة على الاتفاقية الدولية رقم 87 المتعلقة بالحريات النقابية والاتفاقية 102 المتعلقة بالضمان الاجتماعي، والاتفاقية 141 المتعلقة بتنظيمات العمال الزراعيين.

ومن جانب آخر وعدت بخفض تسعيرة الكهرباء بدءا من يوليوز 2011 لذوي الاستهلاك المحدود.

هذا فتات. علما أن تطبيقه سيخضع لحيل كما جرت عادة الحكومة. و ماذا تزن تلك الزيادة في الحد الأدنى الأجر بوجه التدهور المريع لقدرة العمال الشرائية؟ هذا علما ان الحد الادنى القانوني لا يطبق الا على نطاق ضيق.

الدولة في موقف ضعف غير مسبوق. و إلا لماذا كفت عن التلويح بقانون الاضراب، وقانون النقابات، و الاجهاز على مكاسب التقاعد؟ كلها مواضيع اختفت من الاعلام التابع للدولة و الآخر المساعد لها. ظرف ما بعد 20 فبراير غير ملائم لتصعيد الهجوم. الدولة تطلب السلامة. و إنه بوسع الحركة النقابية ان تغير ميزان القوى على نحو أعظم لولا أواصر التعاون التي تشد قياداتها الى ارباب العمل و الدولة.

لا سبيل لتحسين أوضاع العمال غير النضال، ومواصلة النضال بكل أشكاله بما في ذلك الإضراب العام المرفق باحتجاج جماهيري في الشارع؛ مهرجانات ومسيرات، واعتصامات...الخ،

يجب توحيد النضال العمالي، و ربطه بالمقاومة الاجتماعية، أي بحركة المعطلين و بكفاح كادحي القرى، بقصد تحقيق وحدة كل ضحايا الاستغلال والاضطهاد؛ عمال وعاطلين وفقراء ومهمشين وتجار وحرفيين وفلاحين. و اول الخطوات تجسيد وحدة نقابية تترجم حقيقة في ساحة النضال، وليس في جمع" القمم البيروقراطية" التي أفقدت العمل النقابي مصداقيته وكفاحيته. وبالتالي فشعار الوحدة النقابية الذي يرفعه اليسار النقابي الديمقراطي المكافح بات براهنية ملحة من أجل البناء الكفاحي الديمقراطي للنقابة التي يحتاجها الوضع باستعجال أمام هول الهجوم البرجوازي الذي قادته الدولة ضد الطبقة العاملة طيلة عقود.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن