هل سيعيد التاريخ نفسه في حرب تحرير العراق؟

عبدالخالق حسين
Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com

2002 / 8 / 17

 

 

 

يعيش العراق الآن، تحت حكم صدام حسين، تماماً كما كان يعيش في مرحلة الحكم العثماني المتخلف لأن حروب صدام العبثية أعادته إلى ما قبل الثورة الصناعية وفق ما يؤكده خبراء السياسة الغربيون. وملثما كان من الصعوبة أن يقوم الشعب العراقي بتحرير نفسه من الإستعمار التركي آنذاك، لأسباب تتعلق بالمرحلة التاريخية المتخلفة، كذلك من الصعوبة على الشعب العراقي الآن تحرير نفسه من نظام الطغيان البعثي القمعي المتجبر بسبب شراسة القمع إلى حد الإبادة. وقد جرب الشعب حظه في إنتفاضة آذار 1991 وفشل لأسباب دولية وداخلية باتت معروفة وعلى رأسها عدم كسب الدعم الخارجي.

وكما الآن، فرغم أن الظلم العثماني كان شاملاً جميع مكونات الشعب، إلا إنه كان بشكل مضاعف على الشيعة حيث لم يعترف الحكم بمذهبهم وحرَّمهم من المشاركة في الإدارة ولم يعاملهم بالتساوي مع إخوانهم من أهل المذاهب الأخرى من العراقيين، ولكن ويا للمفارقة، وقف الشيعة، وبتأثير من قادتهم من رجال الدين آنذاك إبان الحرب العالمية الأولى، إلى جانب جلاديهم الأتراك في مقاومة الإحتلال الإنكليزي بحرب الجهاد، دفاعاً عن الحكم العثماني، "دولة الإسلام" ضد الإنكليز "دولة الكفر". وكان هذا أول عمل منهم أدى إلى حرمانهم من المشاركة في حكم بلادهم فيما بعد وترك مردوداً مدمراً عليهم وعلى الأجيال اللاحقة بقيت آثاره السلبية حتى الآن وبشكل مضخم في عهد صدام.

وبعد ثورة العشرين الوطنية الكبرى التي كانت السبب المباشر في إرغام الإنكليز على تأسيس الحكم الوطني، أصرت القيادات الشيعية على تحقيق مطالب غير عملية وعدم القبول بالممكن وفق ظروف المرحلة، مما أدى إلى إتخاذ الإنكليز نفس مواقف الأتراك من الشيعة والإمعان في حرمانهم في المشاركة في حكم بلادهم بما يتناسب وحجمهم وتضحياتهم.

 

والآن نحن مهددون بأن يعيد التاريخ نفسه وعلى شكل كارثة.

فما زالت بعض القيادات الشيعية ينظر إلى الدعم الخارجي كنظرة أسلافهم إلى الإنكليز وهي مترددة في قبول هذا الدعم لتحرير العراق من الحكم الجائر، فيضعون قدماً هنا وقدماً هناك، ولنفس الأسباب والمعاذير إبان الإحتلال الإنكليزي ورفض هذا الدعم واعتباره من الكفار ضد حاكم مسلم مثل صدام حسين الذي ظلمهم بشكل مضاعف وقصف عتبات أئمتهم المقدسة ومنعهم من ممارسة شعائرهم الدينية وقنن التمايز الطائفي والعنصري كدستور غير مدون في حكم البلاد وقتل فقهائهم وأباد رجالهم وسبا نساؤهم وهجَّر مئات الألوف منهم بتهمة التبعية الإيرانية.. وإلى غير ذلك من الفظائع.

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يُعتبر نظام صدام حسين نظاماً مسلم أو إسلامي يستحق الدفاع عنه؟ وهل الدفاع عن هكذا سلطة جائرة يعتبر من الواجبات الدينية الإسلامية؟ وهل من الممكن أن يكون البديل في العراق أسوأ من النظام الصدامي الذي لا مثيل له في الجور؟ وإذا كان النظام الحالي هو أسوأ نظام جائر في التاريخ وعلى أرض الواقع، فلماذا نتخوف من إقامة نظام آخر خوفاً من أن يكون  أسوأ في أخيلة المتخيلين؟

ومن المؤسف حقاً أن وقع البعض من العراقيين وغير العراقيين، سواء من الشيعة أو من المذاهب الأخرى، تحت تأثير الدعايات المغرضة التي تتباكى كذباً وزوراً على أطفال العراق وشعبه، مروجين أن الضربة الأمريكية الآتية هي موجهة إلى الشعب العراقي ولتدمير العراق ومرتكزاته الإقتصادية التحتية ولذلك فهم ضد هذه الضربة.

والمؤلم أن تصدر فتوى من شخصيات دينية شيعية مثل سماحة السيد محمد حسين فضل الله الذي نكن له الاحترام، أن ينساق وراء هذا التيار ولا شك انه يعرف، أن المستفيد الوحيد من فتواه هو النظام الجائر. ففي الوقت الذي نؤيد سماحته في القسم الأول من فتواه القائل: " لا يجوز مساعدة أمريكا وحلفائها على ضرب الشعب العراقي أو تمكينها من السيطرة على مقدراته الاقتصادية وثرواته الطبيعية وسياسته العامة…الخ" نؤكد لسماحته أن ليس هناك إنسان عراقي أو غير عراقي شريف يؤيد ضرب الشعب العراقي، ولكننا في الوقت نفسه، نطمئنه أن الضربة هي ليست على الشعب العراقي بل على صدام حسين ونظامه الجائر. ونختلف مع سماحته في قوله: "… وعلى المسلمين أن يتدبروا أمورهم بأنفسهم في تغيير الواقع الفاسد الداخلي، ورفع الظلم عنهم …). وهل هذا يعني أننا يجب ترك الشعب الفلسطيني لحاله أن يتدبر أمره مع شارون؟ وإذا كان الجواب (كلا) فلماذا فقط في الحالة العراقية يجب ترك الشعب العراقي بدون أي دعم وهو يواجه أشرس طاغية في التاريخ؟ لقد حاول المسلمون وغير المسلمين من الشعب العراقي في انتفاضتهم الجبارة عام 1991 ولم يفلحوا في رفع الظلم عنهم.. لقد تأكد العراقيون منذ وأد انتفاضتهم أن أية انتفاضة قادمة سوف لن يكتب لها النجاح ما لم تكسب الدعم الخارجي أولاً، وإلا فهي عملية إنتحارية ودعوة لمجزرة جديدة. لذلك، نعيد القول ونؤكد عليه أن المستفيد الوحيد من هذه الفتوى هو النظام الجائر والخاسر الوحيد هو الشعب العراقي. كما إن الذين يتباكون على الشعب العراقي الآن رفضوا الوقوف معه عند إنتفاضته الأولى عام 1991. ولم تصدر أي فتوى ومن أي جهة دينية ولا من سماحته لإدانة جرائم النظام بحق الشعب العراقي. فأين كان سماحة السيد فضل الله عندما كانت دبابات النظام تهرس المسلمين العراقيين المنتفضين في آذار 1991، ولم يسلم من القصف حتى العتبات المقدسة في كربلاء التي رفع النظام أمامها شعارات تقول (لا شيعة بعد اليوم) فلماذا لم يصدر فتواه ضد النظام للدفاع عن المسلمين الذين حاولوا تدبير أمورهم بأنفسهم في تغيير الواقع الفاسد… كما يقول.

ونؤكد لهؤلاء، حقيقتين واضحتين: أولاً، الضربة، إن حصلت، فهي موجهة ضد صدام حسين ونظامه وليس ضد العراق وشعبه. ثانياً، تؤكد إستطلاعات الرأي التي قامت بها بعض مواقع الإنترنت أن أغلبية العراقيين تؤيد الدعم الخارجي، والأمريكي تحديداً، في تغيير النظام، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر الإستطلاع الذي قام به موقع (عراق نت iraq.net) فكان المؤيدون بنسبة 58% والرافضون 34% والمتحفظون واللا أدريون 5%. وهذا يعني أن الأكثرية مع الضربة. أما الأنباء الواردة من الداخل فتؤكد أن أبناء شعبنا مستبشرون بهذه الضربة المنتظرة ويتوقعون منها الخير إلى حد أنهم غير قلقين وأنهم لم يقوموا بخزن المواد الغذائية تحسباً لشحتها خلال الضربة كما كان يحصل في الماضي. وهذا السلوك الجماهيري العفوي يعطينا انطباعاً واضحاً عن موقف الشعب المرحب بالضربة لأنه واثق من أنه سوف لن يخسر في هذه الحرب سوى أغلاله.

كما تؤكد تصريحات المسئولين الأمريكان، رامسفيلد، وتشيني وغيرهما في مقابلاتهما مع ممثلي المعارضة الوطنية، أنهم مصممون على إقامة نظام ديمقراطي في العراق بعد سقوط صدام ولن يقبلوا بغير ذلك أو تبديل دكتاتور بدكتاتور آخر. إذاً، فلماذا نفوِّت هذه الفرصة؟ وإلى متى يبقى هذا الشعب مهدداً بالإبادة وهل يمكن أن يسقط النظام الجائر بالأدعية وحدها؟

لذلك نهيب بكافة المخلصين من أبناء الوطن، أن لا يقعوا ضحية دعايات النظام ومرتزقته المنتفعين من بقائه بما يمنحهم من السحت الحرام، والذين أثروا على حساب شعبنا المحروم من ثرواته وحريته. نهيب بهم، وخاصة الشخصيات القيادية في التنظيمات السياسية، أن يتحلوا بالحكمة والشجاعة وأن يحسبوا حسابات الربح والخسارة في أخذ قراراتهم السياسية في هذه الفترة الحرجة. ولما وافقوا أن يحتلوا المواقع القيادية، أنهم قبلوا بتحمل المسئولية وهذا يعني أنهم يجب أن يتحلوا بالجرأة في أخذ القرارات الشجاعة لصالح شعبهم ومهما كانت الإنتقادات ضدهم من الجهات المصابة بقصر النظر، وأن يتجنبوا المواقف المتذبذبة والإنتهازية في التلاعب بعواطف الجماهير. نعم من حق الفرد أن يضحي بنفسه في سبيل مبادئه أو آيديولوجيته المثالية ومواقفه الطوباوية غير القابلة للتطبيق إذا أراد ذلك، ولكن ليس من حقه أن يضحي بالشعب وبمصلحة الشعب في سبيل تلك المبادئ التي لا نصيب لها في التطبيق إلا في مخيلة الديماغوجيين الذين ما انفكوا يلوكون مصطلحات الحرب الباردة لأنهم لا يعرفون غيرها. فالسياسة فن الممكن ودون أن ننسى الطموح. والذي يصر على مبدأ ( كل شيء أو لاشيء) ينتهي دائماً بلا شيء.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن