ماذا ينقص - ديمقراطيتنا - ؟

امين يونس

2011 / 4 / 21

كما يبدو ، فأن ( الديمقراطية ) ليستْ مثل الأطعمة الجاهزة أو السريعة ، بحيث يُمكن إستيرادها فوراً، أو تقليد صناعتها محلِياً خلالَ فترةٍ قصيرة... بل انها عملية تراكمية ، متعددة الأوجه ، وبحاجة الى رِعاية وتطوير وإنماء طويل الأمَد .. والتخَلي التدريجي عن ثقافات تَعّوَدَ عليها المجتمع لفترات طويلة ، والإبتعاد عن عادات وتقاليد بالية مُكتَسبَة ... وتَعّلُم التَقّيد بالقانون وتطبيقهِ على المسؤول قبلَ المواطن . فلقد أثبتتْ أحداث المئة يوم الأخيرة في المنطقة العربية ، وسقوط نِظامَين وإحتمال السقوط المُتوَقَع لأنظمة اُخرى قريباً .. وقبلَ ذلك سقوط نظام صدام قبل ثمانية سنين ... أثبتتْ هذه الأحداث الكبيرة .. بأن " الديمقراطية " ليستْ صفحة في كتاب ، تُفْتَح بِمُجّرد قيام ثورة أو إندلاع إنتفاضة وسقوط نظامٍ إستبدادي ..
ولو رَكَزنا على تجربة أقليم كردستان العراق بالذات.. ستتوضح الفكرة التي اُريد التطرق اليها أكثر ... فلقد مّرتْ عشرين سنة ، على الخروج من تحت هيمنة صدام وحكومة بغداد في 91 وثماني سنوات منذ تغيير النظام في 2003.. وتلك فترة ليستْ بالقصيرة ، بل ان الذي وُلِدَ في بداية التجربة ، يكاد اليوم يتخرج من الجامعة .. وفي المُقدِمة ، أوُد التأكيد على نقطتين هامَتَين : الأولى هي ان ولادة تجربة أقليم كردستان ، جاءتْ بعد مخاضٍ عسير وصعب ، وتضحيات جّمَة دفعها الشعب العراقي عموماً والشعب الكردي خصوصاً ، ولا تنحصر التضحيات والنضال ، في حزبٍ واحد أو إتجاهٍ مُحّدَد .. والثانية هي المعارك الداخلية المريرة بين القوى السياسية الرئيسية والتي إستمرت على نحو مُتقطع لعدة سنوات كصراعٍ على السُلطة والنفوذ ، والتحديات الصعبة الناتجة عن ضغوطات دول الأقليم .. عِلماً انه لاتوجد تجربة في العالم ، يكون طريقها مفروشاً بالورود على طول الخَط ، بل ان جميعها تَمُر في بداياتها بظروف صعبة وتُواجه مُقاومة شرسة من القوى المُضادة للتغيير .
فماذا نتجَ عن تجربة الأقليم لحَد الآن ؟ طبعاً لاأعني الإستقرار والوضع الأمني والخدمات ... بِقدر ما أعني واقع " الديمقراطية " في الأقليم .. إذا كانتْ الإنتخابات هي أحد مظاهر الديمقراطية ، فلقد جرتْ عدة إنتخابات ... إذا كانتْ تعني تعدد الأحزاب ، فهي موجودة .. لو تحدثنا عن حرية الصحافة والإعلام ، نستطيع القول بانها متوفرة الى حدٍ ما .. ولكن هل ان " الديمقراطية " المطلوبة ، هي هذه الاشياء فقط ؟ بالتأكيد الجواب هو : كلا !. فالديمقراطية الحقيقية ، تتطلب [ تكافؤ الفُرَص ] بين مُختلف الأطراف السياسية المتنافسة ، حيث ينعكس ذلك فيما بعد ، على تكافؤ الفرص بين المواطنين بصورةٍ عامة ... وهذا الشيء مفقود ٌ في الواقع .. لأن هذهِ المسألة مُرتبطة مُباشرةٌ بكون [ القانون ] يسري على الجميع بشكلٍ متساوٍ .. وهذا ايضاً غير متواجد في الأقليم . فمنذ بدايات التسعينيات سيطرَتْ مجموعة صغيرة من قيادات الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني .. على مقاليد الأمور بصورةٍ مُحكَمة ، " وفّصَلتْ " القوانين والتشريعات حسب مقاسِها الذي يُناسبها ، وقامتْ هي نفسها بخرق هذه القوانين تحت حجة " الظروف الاستثنائية " التي ساهَمَتْ هي بخلقِها !. فبدأتْ بالتَحّكُم والتصرف بواردات الأقليم لمصالحها الحزبية أكثر من صرفها على المصالح العامة للشعب الكردستاني ... وطيلة سنين .. وسط غياب الشفافية ، وتواطؤ الحزبَين في التَسّتُر على إنتهاكات بعضهما البعض .. فتكونتْ طبقة طفيلية ، تضخمتْ ثرواتها بصورةٍ كبيرة عن طريق الكسب غير المشروع .. عن طريق " الإحتكارات " و ما يُسمى " الإستثمارات " والإستيلاء على الأراضي وحتى التصرف بموارد الاقليم المختلفة بصورةٍ مباشرة ... الخ . هذه السياسات الخاطئة ، أدتْ الى بروز ظاهرة التفاوت الطبقي الصارخ ، في الاقليم .. والفساد بجميع أنواعهِ ولا عدالة توزيع الثروة .. وما يتبع ذلك من إنتشار البطالة والبطالة المُقّنَعة .. وقلة كفاءة الخدمات بصورةٍ عامة ... وبالتأكيد فأن طبقة المستفيدين من الوضع الراهن .. يميلون الى " المُحافَظة " عادةً ، والتضييق على الحُريات العامة ويلجئون الى التعنُت ومقاومة أي " تغيير " دفاعاً عن مصالحهم وإمتيازاتهم . نستطيع القول .. ان " ديمقراطيتنا " عرجاء ، وتُعاني الكثير من الترهل والركود ...
معظم ما ذكرته يتعلق بالسلطة وأحزابها وأحزاب المعارضة كذلك .. لكن ما ينقصنا أيضاً كشعبٍ ومجتمع وأفراد .. هو الشعور الحقيقي ب " المُواطَنة " .. فلا زُلنا في إعتقادي ، نفتقدُ الى حس المُشاركة والمسؤولية ، ونميل الى السلبية ، ونتجه الى الإنتماءات والولاءات الفرعية الصغيرة .. بينما " الديمقراطية " تتطلب لممارستها [ مواطنين ] وليسَ أفراداً متعصبين لعشيرة او مَذهب او مدينة !.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن