مطاعم القلب، الصدقة الجارية..

حميد طولست
hamidost@hotmail.com

2011 / 4 / 21

مطاعم القلب... الصدقة الجارية
الفدية والكفارة "من أوسط ما تطعمون أهليكم".
من يزور المدن الفرنسية، الكبيرة منها والصغيرة، لا شك سيلفت نظره مشاهد الطوابير الطويلة اللامتناهية، من الرجال والنساء والأطفال، ويثير انتباهه، ويلهب دهشته، ويذكي فضوله ورغبته في معرفة سبب تجمهر تلك الأعداد الكبيرة من الناس بمجرد حلول المساء، كل مساء؛ لكن سرعان ما يزول العجب، حين يعلم الزائر أن المتجمهرين، وجلهم من المعوزين، اعتادوا الحضور كل مساء لذات الأمكنة لإشباع جوعهم، وتطير الدهشة حينما يشاهد توافد الشاحنات المحملة بقدور الحساء والأرغفة والفاكهة، ويندثر الاستغراب، بل يتحول إلى إعجاب وتقدير شديدين، حينما يعاين نزول عشرات المتطوعين في عزم وهمة ونشاط، مضحين بعطلهم وحياتهم الشخصية، وكأنهم فيلق عسكري هب لتوزيع الحساء الساخن والخبز والبرتقال على بؤساء فيكتور هيجو الجدد، الذين يتشكل معظمهم من المعزولين عن المجتمع بسبب التفكك الأسري أو طلاق أو التسريح من العمل، ومن العائلات الكثيرة الأبناء والتي لم تعد قادرة على مواجهة أعباء الحياة اليومية بسبب مداخيلها المحدودة، وارتفاع مستوى المعيشة وتزايد الديون تحت ضغط الأزمة الاقتصادية.
مشهد يشرح القلب ويقبضه في نفس الآن. يفرح القلب و يبعث على الاحترام عندما يرى هذا التكافل والتآزر والرفق بالمحتاجين الذي تمثله هذا التطوع لخدمة المحتاجين والهامشيين من كل الجناس والديانات والجنسيات والألوان. ويقبض القلب لأن المنظر لا يتناسب مع فرنسا، الدولة الثرية التي تحتل الموقع الخامس بين أكثر دول العالم تطورا، ولا مع بهرجة الكثير من مدنها الغنية المتوهجة وباريس على رأسها. منظر يعصر القلب حزنا لأن نسبة كبيرة من المتجمهرين أمام
هذه المطاعم من النساء والأمهات بلا أزواج ويعلن أطفالا وحيدات دون رعاية، ومن العاطلين والمهاجرين غير الشرعيين. إنها مطاعم القلب، التي تشبه، إلى حد ما، الموائد التي تقام في الكنائس ودوائر العمل الاجتماعي و"موائد الرحمن" في التقليد الإسلامي القديم والذي تزدهر في شهر رمضان الكريم لتقديم الإفطار للفقراء الصائمين.
لكن ما يميز "مطاعم القلب" عن غيرها هو أنها مفتوحة طيلة السنة، وتقدم وجباتها إلى المحتاجين والمشردين والفقراء من مختلف الجنسيات والمستويات، وحتى مستوري الحال والذين يشتغلون في مهن صغيرة لا تسمح لهم بإشباع أطفالهم، وأنها مطاعم توزع أكلاتها في جو من التضامن والفرح الإنساني المضمخ ببشاشة الطهاة والموسيقى الصادحة المصاحبة للأغنية الشهيرة والمضادة للمبادئ الفرنسية المعروفة والتي تبدأ بهذه العبارة: "ليس من حق أحد اليوم أن يشعر بالجوع ولا بالبرد" والتي أطلقها الكوميدي السليط اللسان والساخر من السياسيين، كولوش صاحب مطاعم الجياع والفقراء التي سماها قبل 25 عاما "مطاعم القلب" وذلك في الأول من شهر ديسمبر من سنة 1985 ـ اليوم الذي فتحت "مطاعم القلب" فيه أبواب فروعها الـ1950 لتستقبل آلاف المحتاجين في جميع أنحاء فرنسا والتي أصبحت تغطي مواقعها الثابتة كل التراب الفرنسي، إلى جانب المواقع المتحركة الممثلة في أساطيل ضخمة من الشاحنات الصغيرة، التي تجوب البلاد طولا وعرضا، ويعمل فيها 52 ألف متطوع. ولإدراك حجم العمل الذي تقوم به هذه المؤسسة الخيرية، لا بد من الإشارة إلى أنها قدمت في السنة الأولى لتأسيسها 8.5 مليون وجبة، وتتعامل بملايين اليوروات، والتي تأتي معظمها من تبرعات الفرنسيين ومن عوائد بيع أسطوانات الفكاهي كولوش الذي كان يقول دائما "لديّ حلم، أن أوزّع 2000 وجبة مجانية يومية على الفقراء والمحتاجين".
ورغم رحيل كولوش المفاجئ عام 1987 بعد أن دهسته شاحنة وهو على متن دراجته النارية، وذلك بعد إعلانه المفاجئ للترشح للانتخابات الرئاسية ضد فرانسوا ميتران، وتقول شائعات أنه اغتيل بسبب تهديده للمرشح الاشتراكي، فما يزال يتمتع بشهرة منقطعة النظير في فرنسا وفي أوروبا، رغم ما عرف عنه طيلة حياته الفنية بنقده اللاذع لكل السياسيين بغض النظر عن انتماءاتهم. ولازال يذكر الفرنسيون عن كولوش أنه كان فالت اللسان، يسخر من السياسيين، ويستخف بالتقاليد الراسخة. لكن ما بقي فعلا في ذاكرة كل فرنسي هو أن ذلك الفنان صاحب القلب الكبير ترك وراءه ذكرى تتجدد كل يوم، ويستحق عليها الترحم عليه، أليست هذه صدقة جالاية؟؟؟؟
حميد طولست Hamidost@hotmail.com



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن