حول الرسالة الكوميديةالأخيرة لعزت الدوري إلى القذافي

جعفر المظفر
jafaralmudhafar@yahoo.com

2011 / 3 / 30

الرسالة الأخيرة التي وجهها عزت الدوري إلى القذافي وهو يعده بعشرات الألوف من المقاتلين المنضوين تحت رايته سوف لن يصدق بها القذافي نفسه فكيف هي الحال إذا ما أراد منا عزت ان نصدقها.
ومن حين لآخر كانت التصريحات النارية الدورية تثير فينا الضحك, لكن ضحكا من النوع الذي أثارته الرسالة الأخيرة كان تسبب بالمغص لشدته, لذلك يأتي التعليق على أسبابه من باب محاولة التعامل مع ذلك المغص ولأجل تخفيف تداعياته لا من باب التعامل مع أسباب الضحك ذاتها, وهو ضحك أرى ضرورة استمراره لأنه يخفف عنا هول المصائب التي نعيشها, تماما كما كان يخفف "إبراهيم عرب" الشخصية البغدادية في بدايات القرن الماضي عن أهل بغداد, من رواد مقهاه المعروف باسمه, حينما كان يطير الأفيال بروايات عن شجاعته الأسطورية الكاذبة.
الحقيقة أن تصريحات على هذه الشاكلة تأتي لتفسر أسباب الكارثة التي حلت بشعبنا نتيجة عقلية المغالطات والكذب والدجل التي يتميز بها رجالات صدام وفي مقدمتهم عزت الدوري
والمبالغة هي جزء من عقلية وسلوك متأصل وتعبير عن خطاب تهويلي تميز به العقل الأيديولوجي الخطابي "الثوري" الذي عايشناه منذ منتصف القرن الماضي. والعوز الثقافي الذي تميز به الكثير من البعثيين الصداميين والدوريين يدفعهم إلى مزيد من هذا الالتزام التعويضي لكنه يأتي هنا أيضا ليعبر عن واقع الصراعات التي تعيشها الأجنحة المتعددة للبعث الراهن.
لا ينكر أن جناح عزت يعاني من اختناقات حقيقية سببها عجز خطابه السياسي عن ملاحقة تطورات الساحة العراقية بطريقة نقدية حاسمة وبمراجعات مفتوحة, يمنعه عن ذلك كون رجالاته هم مسئولين أكثر عن غيرهم عن الكارثة بشكل يعيق قدرتهم على نقد مسبباتها بدون أن يعني ذلك كشف دورهم الذاتي في الكارثة, والحل غالبا ما يكون على طريقة العزة بالإثم وبمزيد من التطرف والالتزام بفكر الكارثة, ودون ذلك فإن رجالا من هذا النوع سيجدون أنفسهم عاجزين عن تقديم تفسير حقيقي لما حدث وهذا يدفعهم بالمقابل للوقوف ضد أية محاولة لانتقاد طبيعة الفكر والمناهج والأدوار
من ناحية أخرى: الأنظمة الدكتاتورية, هي على مستوى الكثير من المبادئ والتفاصيل, نسخة طبق الأصل عن بعضها, أو على الأقل هي تقف في خندق واحد, لذلك لن يكون من صالحها أن ينهزم أي نظام منها ولما يمثله ذلك على صعيد مبدئي من هزيمة لمعسكر يتناغم أصحابه في الفكر والسلوك لصالح معسكر آخر يرفع رايات ديمقراطية متناغمة, فالعناوين العامة للتظاهرات والثورات العربية والتي تتناول في معظمها شعرات الديمقراطية وإصلاح مؤسسات الحكم قد جعلت الثورات الوطنية تتجاوز خصوصياتها المحلية نحو العام الأممي السياسي المتجانس, الذي يضم على جانب كل القوى الديمقراطية في العالم في مواجهة بقايا فكر الخمسينات الذي في مقدمة عيوبه أنه ظل فكرا للخمسينات ولم يتطور مطلقا.
في الفترة الأخيرة صار واضحا أن علاقات عزت وجناحه مع نظام القذافي تطورت بشكل سريع وأثارت خطوة القذافي لإقامة تمثال لصدام عواطف هذا الجناح الذي عثر أخيرا على من يقل له السلام عليكم, ثم إذا بالكوارث تدخل دفعة واحدة: نظام القذافي يواجه هزيمة كارثية والحليف اليمني المتقدم علي عبدالله صالح يواجه نفس الكارثة, وأيضا يواجه نظام الأسد احتجاجات ذات طبيعة متشابهة, وقبلها فإن الدكتاتورية كانت قد تهاوت في مصر وتونس, فإذا بالحالة باتت الآن تعبر عن انهيار منظومة وليس أشخاصا أو أنظمة متفرقة, ومن الطبيعي أن يشعر عزت ورجالاته بأن هذه الهزيمة هي الجزء الثاني وربما الأخير من هزيمتهم الذاتية, حيث الأمر لا يتعلق بالقذافي وحده, وإنما هو يعبر في حقيقته عن حالة بفكر ومعطيات ضد حالة نقيضة.
إن الموروث والمسئولية الذاتية عن الهزائم الكارثية في العراق لا بد وأن يجري تفنيدها بخطاب إسفافي تهويلي يتناسب مع حجم تلك الكوارث, لذلك لم يكن متوقعا أن يجري الدفاع عن عناصر ذلك الخطاب القديم الذي تسبب بتلك الكوارث إلا من خلال خطاب تهويلي يتفوق على الأول, وذلك من حيث قيمته أولا كمرافعة عن دور كارثي قديم, وثانيا في كونه دفاع عن وجود لتنظيم وعناصر باتت في مواجهة مستقبل صعب.
إن عزت الدوري, الميت الحي, ورجالاته الضيوف على هذه الأنظمة المتهالكة, باتوا الآن في مواجهة أخطار البحث عن دور ضيافة أخرى, لذلك فالمسالة وراء هذا الخطاب التهويلي, الذي يعبر في إحدى حالاته عن إدعاءات منفلتة, ولا سبيل لتفسيرها وفق أي منطق معقول, إنما تكمن في كون الخطاب يأتي أيضا تعبيرا عن حالة دفاع عن دار استضافة وليس فقط عن سقوط نظام شبيه.
نعم هناك شك بسلامة قوى القذافي العقلية ولكن ليس إلى الدرجة التي تجعله يصدق ما وعد به الدوري.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن