أنبذوا الأوهام البرجوازية الصغيرة حول الإنتفاضة الشعبية فى تونس

ناظم الماوي

2011 / 3 / 4

على الشيوعيين أن يكونوا مستعدين فى كلّ وقت للتمسّك بالحقيقة ، فالحقيقة ، أية حقيقة ، تتفق مع مصلحة الشعب .وعلى الشيوعيين أن يكونوا فى كلّ وقت على أهبة لإصلاح أخطائهم ، فالأخطاء كلّها ضد مصلحة الشعب " ماو تسى تونغ- 1945


حقّا أذهلتنا رؤية أناس يدعون تبنّى الماركسية و الشيوعية يخبطون خبط عشواء فى الحديث عن الإنتفاضة فى تونس ناشرين أوهاما برجوازية صغيرة و مستعملين مفاهيما فى غير محلّها و مهوّلين جوانبا فى نفس الوقت الذى ينسون فيه جوانبا أخرى و مسقطين على الواقع قراءات لا يحتملها. لذا لزم علينا أن نساهم بهذه الملاحظات النقدية التي نسوقها بسرعة لعلّها تفيد فى توضيح الرؤية الشيوعية الحقيقية و تنير ممارسة المناضلين و المناضلات و جماهير شعبنا فى هذه اللحظة الدقيقة من النضال مع ما يحتمله من إمكانيات تحقيق بعض المكاسب و إمكانيات حصول إنتكاسات و إلتفاف على ما تحقّق إلى حدّ الآن و إمكانيات إرتكاب أخطاء قد تكون قاتلة إستراتيجيا إن لم تكن كذلك تكتيكيا.



و نحن نمارس حقّنا المشروع فى النقد و نهدف لأن تنير النظرية الممارسة ،لا يهمّنا هنا التعرّض لمواقف الذين كانوا إلى يوم هروب الجنرال رئيس دولة الإستعمار الجديد يعربون المرّة تلو المرّة و إثر كلّ خطاب له أنّ هناك جملة من النقاط الإيجابية التي ينبغى التفاعل معها إيجابيا و لم يرفعوا أبدا مطلب الإطاحة بالجنرال و زمرته بل أرادوا العمل ضمن الحدود التي رسمها لهم القانون الذى سطّره كما أراد. ما يهمّنا هنا هو التركيز على المجموعات "اليسارية" فى تونس التي تعتبر نفسها نوعا ما راديكالية.





1- إنتفاضة أم ثورة :



بداية وجبت ملاحظة أنّ التمرّد إنطلق فى مطالبه إجتماعيا عفويّا ليتحوّل شيئا فشيئا و يوما فيوما إلى رفع واعي مصمّم و منظّم بأشكال مختلفة و متفاوتة القوّة لمطالب سياسية لم تعد منحصرة فى جهة أو جهتين و إنّما عمّت البلاد كافة تقريبا. و رغم الطابع العفوي الطاغي فى البدء خاصة فإن قوى سياسية مختلفة فى النقابات و فى منظّمات شتى و فى الجهات المتنوّعة ( أفرادا و جماعات) نظّمت إلى حدود النضالات و نسقها التصاعديّ و الصمود و الهجوم و إن لم يهيمن حزب معيّن على التحرّكات فإنّ عديد المجموعات سجّلت حضورا ملحوظا منذ البداية أو إلتحقت بالحركة الإحتجاجية بجدّ بعد تردّد أو تلكؤ ووقوف موقف المتفرّج لأيام أو لأسابيع.



ثمّ إنّ تمرّد الشعب حين توسّع صار إنتفاضة جماهيرية طالت و تعمّقت فحقّقت هدفا كان بعيد المنال بالنسبة للكثيرين حتى من الأحزاب و المجموعات السياسية ألا وهو الإطاحة برأس النظام الرئيس الجنرال و قد يحقّق تواصل التمرّد إسقاط حكومة الغنوشي فى الأيام القادمة. و مع ذلك ليس بإمكاننا علميا و من منظور البروليتاريا و منهجها المادي الجدلي أن ننعت ما حصل بالثورة إذ هو لا يتعدّى كونه إنتفاضة و ذلك لأنّه اطاح برئيس الدولة و لم يطح بالدولة ، دولة الإستعمار الجديد ، دولة الإقطاع و الكمبرادور المتحالفة مع الإمبريالية و خادمتها .



ماركسيا، الدولة جهاز قمع طبقة لطبقة/ الطبقات أخرى متكوّن أساسا من الجيش كعمود فقري و آلة بيروقراطية لإدارة دواليب الدولة و مؤسساتها . و تطبيقا على تونس و إن تعرّض الجهاز البيرروقراطي للدولة إلى بعض الضربات فى جهات معينة و مؤسسات معينة و إلى حدود معينة فهو لا يزال قائما و قادرا على إعادة إنتاج هيمنة دولة الإستعمار الجديد. هذا من جهة و من جهة ثانية ،الجيش لم يطله أي ضرر بل بالعكس صار الشعب يعتبره حليفا له يحبّه و يقدّره فى حين أنّه ليس البتّة بالجيش الشعبي و إنّما هو جيش الدولة القائمة و عمودها الفقري و قياداته عملت لدى الجنرال المخلوع و تحت إمرته و فى إتفاق معه لسنوات طوال وهي تأتمر بأوامر الإمبريالية العالمية و تخدم مصالح التحالف الطبقي الرجعي الحاكم و إن إختلفت فى لحظة ما فى التكتيك الذى يجب توخّيه تحت ضغط الشارع.



و لئن قدّمت الطبقات المهيمنة بعض التنازلات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية فإنّها لم تسلّم الدولة جهازا و مؤسسات للشعب الذى عليه ليس تحسين هذا الجهاز و هذه المؤسسات بل تحطيمهما و تعويضهما بدولة جديدة مثلما شرح ذلك ماركس و لينين ( "الدولة و الثورة" ، لينين). و فى إرتباط بالجيش ، من الأكيد أن نذكّر أن ما يسمىّ بأجهزة الأمن – شرطة وحرس و ما شابه و منها " أمن الدولة"- قائمة الذات و بأمر من مسؤوليها قد تغرق البلاد فى أية لحظة فى القمع أو فى حمّام دم من جديد. و حينها لن تستطيع جماهير الشعب العزلاء التي لا تملك جيشا شعبيا صدّ الرصاص و الدبابات و الطائرات و التغلّب عليها و تحطيم كافة أجهزة دولة الإستعمار الجديد دون جيش شعبي و عبر حرب شعبية طويلة الأمد.



و إضافة إلى الإعلام بالتلفزة و الراديو و الصحف و غيرها الذى لا زالت بأيدى دولة الإستعمار الجديد كما لاحظ ذلك حتى أبسط المواطنين و إن سمح بمساحات محدودة للرأي المعارض قد تتتقلّص لاحقا تدريجيا مع خفوت نبرة الإنتفاضة ، فإنّ- إقتصاديا- نمط / أسلوب الإنتاج لم يتغيّر و طبيعة المجتمع كذلك لم تتغيّر. و هذا أمر مركزي بالنسبة للماديين الماركسيين الذين يعتبرون أنّ السياسة تعبير مركّز عن الإقتصاد و الذين يدعون للثورة الوطنية الديمقراطية أو الديمقراطية الوطنية أو الوطنية الديمقراطية /الديمقراطية الجديدة أو الإشتراكية . فإن كان تمرّد الشعب التونسي ثورة فهل هي من الأنواع المذكورة أعلاه؟ لا طبعا فعن أيّة ثورة يتحدّثون إذا؟ إنهم يسبحون فى بحر الخيالات البرجوازية الصغيرة.



إنّ رموز بعض التيارات أو الأحزاب اليسارية الذين طلعوا علينا فى التلفزة يوم 22 جانفي منطلقين فى حديثهم من إعتبار ما حصل إنتفاضة ليختموه بأنّها ثورة –حمّه الهمّامي الناطق بإسم حزب العمّال الشيوعي التونسي- أو الذين يصيحون بأنّها ثورة و يا لها من ثورة متميّزة – شكرى بلعيد الناطق بإسم حركة الوطنيين الديمقراطيين- أو الوطنيين الديمقراطيين الوطد الذين كتبوا فى بيان يوم 14 أنّها إنتفاضة شعبية ليتحدّثوا فى نداء يوم 16 عن ثورة عارمة و مضمون وطني و شعبي و ديمقراطي و أهداف داعية للحرية و العدالة الإجتماعية من وجهة نظر العمال و الكادحين، إنّ هؤلاء جميعا من جهة ينشرون الأوهام حول الإنتفاضة و دولة الإستعمار الجديد عوض نشر الحقيقية التي هي وحدها الثورية كما قال لينين و من جهة ثانية يقدّمون خدمة من حيث يعلمون أو لا يعلمون لأعداء الشعب حيث هؤلاء الأخيرين نفسهم يستعملون كلمة الثورة لمغالطة الجماهير و دعوتها بعد القيام بها إلى الركون و السكون و الكفّ عن خوض النضالات و توسيعها و عدم المسّ من مختلف أجهزة بيروقراطية الدولة و الجيش و العودة إلى الحياة العادية مكتفين بما حصل من تغيير على أنّه ثورة ناجزة.



و فضلا عن هذا الخلط النظري و الضرر السياسي و العملي الذى يلحقه بالصراع الطبقي إستعمال مفاهيم مضلّلة ،ثمّة خطر إعتبار الثورة تمّت و إيهام الجماهير بأنّه لا رجعة عن المكاسب المحقّقة فى حين أنّ واحد من أهمّ دروس الصراع الطبقي فى العالم التي إستخلصتها البروليتاريا العالمية هي أنّ مثل هذه المكاسب أو الإصلاحات قابلة للذوبان و التآكل و الإلتفاف عليها لاحقا حتى و إن سجّلت فى الدستور و فى قوانين و عليه لا بدّ من إبقاء الجماهير متيقّضة و رفع وعيها لتحافظ عليها و توظّفها لمزيد رفع الوعي و التقدّم بالنضال نحو الثورة الوطنية الديمقراطية/ الديمقراطية الجديدة بقيادة البروليتاريا و حزبها الماركسي-اللينيني-الماوي و الكفيلة بحلّ التناقضات الأساسية الوطنية و الديمقراطية و تمهيد الطريق للثورة الإشتراكية كجزء من الثورة البروليتارية العالمية.





2- إصلاح أم ثورة :



كما علّمنا لينين نناضل من أجل الإصلاحات لكن لا كإصلاحيين و إنّما كثوريين :" يعترف الماركسيون بالنضال من أجل الإصلاحات ، أي من اجل تحسينات فى أوضاع الكادحين تترك السلطة ،كما من قبل ، فى يد الطبقة السائدة . و لكن الماركسيين يخوضون فى الوقت نفسه نضالا فى منتهى الحزم ضد الإصلاحيين الذين يحدون ،بواسطة الإصلاحات ، مباشرة أو بصورة غير مباشرة ، من تطلعات الطبقة العاملة و نشاطها. فإنّ الإصلاحية إنّما هي خداع برجوازي للعمّال الذين يبقون دائما عبيدا مأجورين ، رغم مختلف التحسينات ، ما دامت سيادة الرأسمال قائمة.



إنّ البرجوازية الليبرالية تمنح الإصلاحات بيد و تسترجعها بيد أخرى، و تقضى عليها كلّيا،و تستغلها لأجل إستعباد العمال ، لأجل تقسيمهم إلى فرق مختلفة ، لأجل تخليد عبودية الكادحين المأجورة. و لهذا تتحوّل الإصلاحية بالفعل ، حتى عندما تكون مخلصة كليا ، على أداة لإضعاف العمّال و لنشر الفساد البرجوازي فى صفوفهم. و تبيّن خبرة جميع البلدان أنّ العمّال كانوا ينخدعون كلما وثقوا بالإصلاحيين.



أمّا إذا إستوعب العمال مذهب ماركس، أي إّذا أدركوا حتمية العبودية المأجورة ما دامت سيادة الرأسمال قائمة ، فإنهم ،على العكس، لن يدعوا الإصلاحات البرجوازية ، أيّا كانت ، تخدعهم. إنّ العمال يناضلون من اجل التحسينات مدركين أنّ الإصلاحات لا يمكن ان تكون لا ثابتة و لا جدّية ما دامت الرأسمالية قائمة ، و يستغلّون التحسينات لأجل مواصلة النضال بمزيد من العناد ضد العبودية المأجورة.إنّ الإصلاحيين يحاولون أن يقسموا العمّال الذين يدركون كذب الإصلاحية، فإنهم يستغلون الإصلاحات لأجل تطوير و توسيع نضالهم الطبقي" ( لينين " الماركسية و الإصلاحية").



مبدئيا لسنا ضد النضال من أجل الإصلاحات و لكن يجب ألاّ نكون إصلاحيين ، يجب أن نكون شيوعيين ثوريين ننشر المضمون الحقيقي للماركسية ، المضمون الثوري نسعى جهدنا لإنجاز المهمّة التاريخية للبروليتاريا الثورية.



يزعق البعض ممّن رأينا على جهاز التلفزة أنّ ما وقع ثورة سلمية بإمتياز هدفها الآن النضال ضد من يريدون سرقتها من الشعب.و نعلّق على هذا الكلام المليئ مغالطات فنقول فضلا عن كون ما حدث ليس ثورة ، إن العنف كان حاضرا فى كلّ مكان و إن لم يكن من طرف الجماهير الشعبية فى شكل كفاح مسلّح .فعدوّ الجماهير لجأ لكافة أنواع العنف حتى المسلّح منه متسبّبا فى قتل العشرات و جرح المئات أمّا الجماهير فإستعملت ألوانا من العنف تمتدّ من العنف اللفظي و الهجوم بالحجارة إلى الحرق و التكسير ضد رموز الدولة بوجه خاص. و الرئيسي فى مجمل مناطق البلاد و على إمتداد أربعة أسابيع تقريبا كان التحركات العنيفة و بصورة ثانوية حصلت مسيرات سلمية و حتى فى العاصمة كانت التحركات عنيفة من قبل الجماهير و مسلّحة من قبل مختلف أجهزة الشرطة . و أكثر من ذلك حتى يوم الجمعة 14 جانفي فرضت المسيرة فى العاصمة فى شارع الحبيب بورقيبة فرضا بالقوّة بعد معركة مع الشرطة و فى أحياء من العاصمة و أماكن أخرى من البلاد كان الرصاص لا يزال يطلق.



و إذن كانت الإنتفاضة عنيفة وإن لم ترتق فيها الجماهير إلى رفع البندقية فى وجه الأعداء لا لشيئء - فى جهات معيّنة- إلاّ لفقدان الجماهير للسلاح و قد مارست الجماهير العنف المنظّم لطرد قوات الأمن من عدّة مدن و إنكار ذلك إنكار لحقائق فاقعة يراد منه توجيه الرأي العام إلى مفاهيم الإنتقال و التحوّل السلمي بعيدا عن إستهداف أجهزة دولة الكمبرادور و الإقطاع المتحالفين مع الإمبريالية ،و العمل فى إطارها. ومن هنا نرى الإرتباط بين أطروحة "الثورة" و "نموذج التغيير السلمي" الإصلاحي.



طريق الثورة الوطنية الديمقراطية / الديمقراطية الجديدة فى المستعمرات و أشباه المستعمرات كتيار من تياري الثورة البروليتارية العالمية ( التيار الآخر هو الثورة الإشتراكية عبر الإنتفاضة المسلّحة المتبوعة بالحرب الأهلية فى البلدان الإمبريالية ) ليس الإنتفاضة فى المدن الكبرى ثمّ التوجّه إلى الريف لتحريره و إنما هو طريق حرب الشعب الطويلة الأمد و محاصرة الريف للمدن.و فى خلط الأوراق بصورة إنتقائية تضليل للجماهير و إنحراف نظري خطير بل شديد الضرر. و إن كان حزب العمّال واضحا فى تبنيه ،حسب وثائقه، للطريق الإنتفاضي فإن الوطنيين الديمقراطيين يتحدّثون عن حرب الشعب دون تحديد مضمونها و أشكالها و كيفية خوضها و علاقتها بالقوى الطبقية للثورة و يعكس تقييمهم للصراع الطبقي فى المدّة الأخيرة فى تونس هذه الضبابية فى الرؤية و هذا الخطإ النظري الفادح.



إنّ مقولات الإصلاحيين و النقابويين الإقتصادويين تضرب عمليا وواقعيا فى العمق المقولات اللينينية فى "الدولة و الثورة" التي يدّعون نظريا تبنّيها .و نشر الأوهام حول الدولة بكافة مكوّناتها التي لم يقع تحطيمها عبر النضال المسلّح لإقامة دولة جديدة يصبّ فى خانة الإصلاحية و تخريب الوعي الثوري للمناضلين و المناضلات و الجماهير عوض رفعه .و هذا من جانبهم يلحق أضرارا جسيمة بالثورة الحقيقية التي من غير الممكن قيامها دون حزب ثوري و ليس إصلاحي و شعب ثوري و ليس إصلاحي بمعنى تحوّل قطاعات كبرى منه ثمّ غالبيته إلى تبنّى الأهداف الثورية و العمل على كافة الجبهات وتقديم التضحيات اللازمة من أجل تحقيقها، فى ظروف وضع ثوري بالمفهوم اللينيني فى البلدان الإمبريالية و فى مرحلة الهجوم الإستراتيجي لحرب الشعب فى المستعمرات الجديدة و أشباه المستعمرات. ف " الثورة إنتفاضة و عمل عنيف تلجأ إليه إحدى الطبقات للإطاحة بطبقة أخرى"( ماو تسى تونغ-1927)



وتمدّنا تجربة الثورة البروليتارية العالمية بدروس تاريخية منها ما لخّصه ماو تسى تونغ " بدون جيش شعبي ، لن يكون هناك شيئ للشعب" .و كي لا ندخل فى تفاصيل كثيرة نذكّر بما حصل فى أندونيسيا فى الستينات من تقتيل للشيوعيين و للجماهير الشعبية بالآلاف بفعل خطإ فى فهم طبيعة الدولة و الجيش .و الشيئ ذاته حصل فى الشيلي فى السبعينات إثر إنقلاب عسكري نفّذه بينوشى بتنسيق مع السي آي آي . وفى الثمانينات ، هلّل حزب العمّال الشيوعي التونسي لآكينو و ما سمّاه بالتحوّل الديمقراطي فى الفليبين و أثبتت التاريخ و التحليل الملموس للواقع الملموس للصراع الطبقي هناك مدى تهافت هكذا آراء و المجازر التي إرتكبتها آكينو فى حقّ جماهير الشعب و الشيوعيين و تخريبها فى تحالف وثيق مع الجيش و الأمريكان البلاد و إستغلال و إضطهاد العباد . و يكفى بهذا الصدد النظر إلى ما آل إليه الوضع هناك و قراءة وثائق الرفاق الماويين فى الحزب الشيوعي الفليبيني الذى قاد و لا زال حرب الشعب الماوية فى الفليبين وهو فى السنوات الأخيرة يخطو خطوات جبّارة فى التقدّم بالثورة من مرحلة الدفاع الإستراتيجي نحو مرحلة التوازن الإستراتيجي قبل مرحلة الهجوم الإستراتيجي بتضحيات تفوق التصوّر فى مواجهة كافة أجهزة دولة الإستعمار الجديد و تحطيمها و بناء دولة الديمقراطية الجديدة بقيادة البروليتاريا الثورية.



و أعمق من ذلك حتى ، فى العقدين الأخيرين شهد جنوب آسيا نهوضا جبّارا لحرب الشعب الماوية فى النيبال و فى الهند . و قد قاد الماويون – الحزب الشيوعي النيبالي (الماوي) قبل إنحرافه منذ خمس سنوات تقريبا – حرب الشعب طوال سنوات عشر ( من 1996إلى 2006) بعد فشل تجربة ما سمّاها الإصلاحيون من مدعى تبنّى الماركسية و البرجوازيين الليبراليين "ثورة ديمقراطية" حصلت فى بداية تسعينات القرن الماضي. و الجدير بالذكر أنّ من كان يقود حكومة دولة الإستعمار الجديد أو يشارك فيها كان من الحزب الشيوعي النيبالي( الموحّد الماركسي-اللينيني) الذى إرتكب جرائما لا تحصى فى حقّ الماويين و جماهير الشعب خدمة للطبقات الحاكمة و الإمبريالية. و الشيئ نفسه يمكن قوله بصدد الحزب الشيوعي الهندي و الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي) اللذان كانا يحكمان ولايات/دول فى الهند و يقدّمان أجلّ الخدمات للكمبرادور و الإقطاع و حليفهما الإمبريالية متصدّين بوحشية لحرب الشعب التي يقودها الماويون الذين توحّد أهمّ تيارين منهما فى إطار الحزب الشيوعي الهندي (الماوي) و هم يتصدّون اليوم لأعنف و أعتى عملية وحشية للتطويق و السحق،عملية الصيد الأخضر.





3- الديمقراطية / الدكتاتورية :





لطالما مثّل الموقف من "الديمقراطية" مسألة فى منتهى الأهمّية ذلك انّ هذه الكلمة مستخدمة بصورة فضفاضة و تعميمية تعويمية تبثّ الخيالات و الأوهام لذا وجب تسليط بعض الضوء عليها و لو بعجالة .



" فى المجتمع الطبقي يعيش كلّ إنسان كفرد من أفراد طبقة معيّنة ، و يحمل كلّ نوع من أنواع التفكير دون إستثناء طابع طبقة معيّنة " ( ماو تسى تونغ " فى الممارسة العملية") .فى هذا العالم المتميّز بإنقسام المجتمعات إلى طبقات متناحرة و عدم مساواة إجتماعية ، لا يمكن للديمقراطية إلاّ أن تكون ديمقراطية طبقة من الطبقات- او مجموعة طبقات – و لا وجود البتّة لديمقراطية لا طبيعة طبقية لها وخارج الطبقات و لا تخدم طبقة أو طبقات ضد طبقات أخرى.لا وجود "للديمقراطية للجميع". و منذ المجتمع اليوناني العبودي ،وجدت ديمقراطية و لكنها كانت ديمقراطية أسياد العبيد كما وجدت فى التاريخ المعاصر ديمقراطية برجوازية و ديمقراطية شعبية و ديمقراطية بروليتارية .



و كلّ ديمقراطية هي فى الوقت ذاته دكتاتورية أراد ذلك من أراد و كره من كره .فالواقع يؤكّد أنّ ديمقراطية الأسياد فى اليونان كانت دكتاتورية ضد العبيد و كانت الديمقراطية البرجوازية دكتاتورية ضد البروليتاريا مثلما كانت دكتاتورية البروليتاريا فى الإتحاد السوفياتي من 1917إلى 1956 و فى الصين الماوية من 1949 إلى 1976 ( بشكلين ) دكتاتورية ضد أعداء البروليتاريا لا سيما البرجوازية القديمة منها و الجديدة التى تظهر فى المجتمع الإشتراكي. و من ثمّة صار الماويون يدعون على إستعمال مفهوم الديمقراطية/ الدكتاتورية كوحدة أضداد أو تناقض معبّر عن واقع مجتمع طبقي.



و عليه نعدّ حديث من يعتبرون أنفسهم راديكاليين ضمن اليسار عن الديمقراطية بصيغ هلامية غير علمية و غير محدّدة طبقيا تنكّر من جهة للتحليل الملموس للواقع الطبقي الملموس و للنظرية اللينينية فى هذا الشأن كما صاغها لينين فى "الدولة و الثورة" من جهة ثانية و إنبطاح أمام الأوهام البرجوازية الصغيرة من جهة ثالثة و تضليل للجماهير من جهة رابعة.



و عمليا هل ستقدر الإصلاحات الديمقراطية البرجوازية الشكلية أن تعالج تناقضات نمط/أسلوب الإنتاج و البنية الإقتصادية و الفوقية لدولة البرجوازية الكمبرادورية/البيروقراطية و الإقطاع المتحالفين مع الإمبريالية لتقضي على البطالة مثلا ؟ لا هذا غير ممكن إلاّ فى مجال الخيال فالبطالة ملازمة للرأسمالية وفق تحاليل ماركس العلمية و لم تقض عليها الإمبريالية فى عقر دارها فما بالك ان تقضي عليها دولة الإستعمار الجديد المندمجة فى النظام الإمبريالي العالمي الذى لا يزرع فى المستعمرات سوى مزيد التفقير و التجويع و الإستغلال و الإضطهاد. و تجربة الفليبين من الثمانينات إلى يومنا هذا تثبت صحّة قراءتنا و مدى مجانبة الأوهام البرجوازية الصغيرة للحقيقة.



بل أكثر من ذلك حتى إن مسك أي حزب شيوعي بالسلطة فى إطار دولة الإستعمار الجديد أي الدولة القائمة دون تحطيمها و تعويضها بدولة جديدة أخرى و تغيير نمط الإنتاج و علاقات الإنتاج ...فإنّه إمّا أن يطاح به إذا حاول تجاوز الخطوط الحمر التي سترسم له و إمّا سيتحوّل هو ذاته إلى أداة فى يد الطبقات الحاكمة لإضطهاد و إستغلال الجماهير الشعبية لا لتحرّرها. و التجارب العالمية التي ذكرنا تشهد على ذلك.



موضوعيا ،تحتاج جماهير شعبنا و جماهير المستعمرات الجديدة و أشباه المستعمرات و إن لم تع غالبيتها بعد هذا، إلى ثورة وطنية ديمقراطية/ ديمقراطية جديدة عبر حرب الشعب بقيادة بروليتارية كجزء من الثورة البروليتارية العالمية للقطع مع الإمبريالية و بناء دولة جديدة ، دولة الديمقراطية الجديدة فالإشتراكية بغاية بلوغ الشيوعية عالميا و تحرير الإنسانية جمعاء .و هذه الحقيقة العلمية الماركسية-اللينينية –الماوية العميقة تجد تعبيراتها واضحة جلية فى الصراع الطبقي فى الهند و الفليبين و غيرها من البلدان.





4- مثالية ميتافيزيقية أم مادية جدلية و تاريخية لمعالجة التناقضات و التقدّم بالإنتفاضة:





و قد بلغنا هذا الحدّ من النقاش ، نودّ بصفة مقتضبة التطرّق لبعض التناقضات التي تحتاج إلى المعالجة لإنارة الممارسة الثوريّة ميدانيا وفى صفوف الجماهير:



1- يعتقد البعض المنبهرين بما صنعته نضالات شعبنا بأنّه صار من المستحيل مستقبلا فقدان المكاسب المحقّقة و هذا وهم ينبغى التصدّى له فإلى اليوم و ليس مستقبلا بإمكان مناورات دولة الإستعمار الجديد حكومة و جيشا و مؤسسات و إعلام ... النجاح فى وضع القطار على السكّة التي يرغبون فيها و إعادة المسك بزمام الأمور و زمام المبادرة و لاحقا الإلتفاف على مكاسب الشعب الحالية .و الحال أنّ الإعلام و الشرطة و حتى الجيش شرعوا فى ممارسة شتى الضغوطات على الجماهير لتفكّ الإعتصامات وتكفّ عن طرد المجرمين من رؤساء بعض المؤسسات و لتلتزم بالعودة إلى الإستقرار و للقبول بالحكومة الحالية و بقيّة أجهزة السلطة و عدم المساس بها مستعملين فى ذلك من ناحية التنازلات السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية و من ناحية أخرى فزّاعات لا تحصى : فوضى و إفلاس و مصلحة البلاد و حبّ تونس ...و مع وجود إمكانية إنتصار الشعب فى الإطاحة بحكومة الغنّوشي ثمّة إمكانية تدخّل الجيش ليضع إدارة شؤون دولة الإستعمار الجديد بين ايديه و يفرض إن لزم الأمر ما يرسمه والإمبريالية بالحديد و النار.



وتاريخيا فى تونس، ليتذكّر الجميع ما آل إليه إنفتاح مزالي فى الثمانينات و إنفتاح الرئيس الجنرال المخلوع و تمكينه حتى حزب العمّال و النهضة من جرائد قبل الإنقضاض عليهما و على الشعب عامة.و طالما ليس للشعب جيش يحميه و يحمى مكاسبه فإن الرجعية قادرة على الإلتفاف عليها بشتى السبل. و إلى ذلك نضيف أنّ حركة التاريخ لولبية و إمكانيات التراجع و الإنتكاسات واردة جدّا فالبروليتاريا بعد مسكها بسلطة عدّة دول لا سيما فى الإتحاد السوفياتي و الصين خسرتها جميعها!



2- يلاحظ متتبّع بيانات و كتابات التيارات التي ننقد تركيزها الإحادي الجانب على المطالب الآنية التكتيكية دون التطرّق للمطالب و الشعارات الإستراتيجية و هذا منها خطير إذ هو يفصل التكتيك عن الإستراتيجيا و يجعل التكتيك يلتهم الإستراتيجيا بمعنى تحويل التكتيك إلى إستراتيجيا و إحلاله محلّها و هكذا يصبح ما حصل "ثورة". ويشهد التاريخ بأنّ حزب العمال الشيوعي التونسي حوّل تكتيك الحريات السياسية إلى إستراتيجيا حيث لم يغيّر هذا التكتيك لعقود و عندما لاحت فى الأفق إمكانية تحقيق هذه الحريات السياسية الديمقراطية البرجوازية الشكلية بات يتحدّث عن "ثورة".



3- لاحظ الكثيرون أنّ الأحزاب والمجموعات السياسية - فى هذا الصدد يجب الإعتراف بأنّ حزب العمّال كان أفضل بكثير من الوطنيين- لم تكن تقود الجماهير مطالبا و تنظيما و برمجة بقدر ما كانت تتبع الجماهير التي كانت تفرض و ترفع سقف المطالب يوما فيوما .التيارات ( و هذا قد لا يصحّ هذا على أفراد) التي تعتبر نفسها طليعة ألفيناها متذيّلة لحركة الجماهير المتسمة فى بداياتها أساسا بعفوية كبيرة و التي بلغت نضجا معيّنا ،و لا نقول وعيا طبقيا ،مكّنها من إنجاز تحرّك تاريخي هو زحف الجهات صوب العاصمة وهو أمر لم يخطر على بال جميع المشاركين فى" جبهة 14 جانفي"، على حدّ بياناتهم و علمنا.و اليوم أضحى من الضروري أن تعالج القوى التقدّمية هذا التناقض و تطرح برامجا و مبادرات تحافظ على زخم الحركة الشعبية و ترفع من وعي الجماهير و إستعدادها للمقاومة بشتى الأشكال لتحول دون إنتكاسة ممكنة و لتحقّق ما أمكن من المكاسب مراكمة النضالات لمعارك قادمة.



4- و فى إرتباط بما تقدّم ، تتعيّن معالجة علمية و عملية لتناقض المركزة /عدم المركزة بمعنى انّه على القوى التقدّمية أن تخلق نواة لها فى كلّ مدينة و قرية إن أمكن و أن تعدّ برامجا و أشكال تنظيم و عمل راهنا و لاحقا .و فى العاصمة، ينبغى عدم تركيز كلّ القوى فى نقطة واحدة-فى بطحاء محمّد علي أو ساحة القصبة- إذ ينبغى إستنهاض الجماهير فى الأحياء و الأسواق و الضواحي و تخصيص قوى لا سيما قوى شبابية لإبلاغ البيانات و تنظيم نقاشات و الردّ على تساؤلات الجماهير لرفع وعيها ...ليتفاعل المركز مع الأطراف فى علاقة ترابط جدلي أخذا و عطاء لإستنهاض أوسع الجماهير لتصنع التاريخ ف" الشعب، و الشعب وحده، هو القوّة المحرّكة فى خلق تاريخ العالم" ( ماو تسي تونغ -1945).



5- و قد شرعت الجماهير فى مؤسسات و جهات فى خلع المسؤولين التجمّعيين أو المتورّطين فى القمع و النهب و السرقة و الرشوة ، يتعيّن معالجة تناقض الهدم / البناء بتشجيع عملية طرد من يعتبر عدوّا للجماهير و إنتفاضتها و لكن من جهة أخرى ينبغى الحذو حذو بعض المناطق المتقدّمة أي النهوض بعملية البناء بإفتكاك السلطة و تغيير المسؤوليات و إنشاء لجان متنوّعة تملئ الفراغ فى السلطة و تعوّد الجماهير على تصريف شؤونها و شؤون المنطقة عموما و تمكّنها من بذل أقصى الجهود لتحقيق المطالب الشعبية المرفوعة فى المنطقة أو فى البلاد بأسرها وليكن الشعار اليوم لتنظّم الجماهير و القوى التقدّمية عملية الهدم و البناء!. ----------إنتهى----



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن