ليبيا ... وخيار السيناريو الأسوء ..؟!

سيمون خوري
khaledaltounsi@yahoo.com

2011 / 3 / 2

ليبيا .. وخيار
السيناريو الأسوء ..؟!
فقط 45 دقيقة ، هو الزمن الفاصل بين عودة السيدة وزيرة الخارجية الأمريكية الى بلادها من جنيف ، وبين " تسريب واشنطن لمعلومات " حول إحتمال تبني " الخيار الأسوء " أو السيناريو الذي يريح العقيد ويفتح أمامه فرصة حل " مشرف " له . بينما يغرق البلاد تحت وطأة الإحتلال الأمريكي – البريطاني المشترك .
في معركة الحسم مع نظام العقيد ، ننتظر السيناريو الأسوء . دائماً هكذا هي السياسة سيناريوهات وبدائل . لكن الأسوء هو أن تكون مجبراً على إختيار الأسوء ، أو أن يفرض عليك مالا تستطيع رفضه .
ليبيا هي نموذج راهن لسيناريوهات متعددة . من العاصمة الروسية الى نظيرتها الأميركية مروراً بالعاصمة الفرنسية الى محطة إستراحة قصيرة في لندن .
لم تحتاج واشنطن الى وقت طويل " لتسريب بعض المعلومات " فقط 45 دقيقة بعد عودة السيدة وزيرة الخارجية الأميركية الى بلادها ، فقد ذكرت مصادر أن إتصالات أميركية – روسية – فرنسية – بريطانية ، إقترحت على العقيد القذافي تأمين رحيلة من طرابلس الى منفى إختياري . ورشحت المعلومات ، أنه ربما تكون " منسك " في روسيا الإتحادية أحد الأماكن المقترحة . نظراً لقيام الطائرة الخاصة بالعقيد برحلتين جويتين الأسبوع الفائت الى منسك ...؟ ورغم نفي العقيد القذافي لفكرة رحيله عن طرابلس ، بيد أن المقترحات التي قدمها نجله " سيف الإسلام " حول إعادة النظر في نظام الحكم في ليبيا ، إضافة الى تركيز القذافي على " فزاعة " القاعدة لا تعكس فقط "غزلاً " من نظام العقيد للغرب ، بل رغبة في تدخل غربي عسكري . أو بصيغة أخرى " طلب نجدة الغرب له " وهو ما يعكس صراعاً داخلياً حاداً بين أطراف مجلس قيادة العائلة الحاكمة . وربما عملية إبعاد " الرجل القوي " عبد الله السنوسي المقرحي " ومحاولة تحميله نتائج ما آلت اليه الأوضاع في " بنغازي " تكشف جزء من صورة الخلافات الحادة الدائرة في أقرب الحلقات بالعقيد . خاصة أن " السنوسي " كان أحد المعارضين لتوريث " سيف الإسلام " في الفترة الماضية . وساهم في إبعاده عن مراكز القرار . بل حتى أن " موسى كوسا " وزير الخارجية ورئيس جهاز الأمن الخارجي سابقاً ، بدورة أصبح في الظل .وبالتالي فإن العودة القوية لسيف الإسلام الأن لإدارة المعركة ، هدفها بالتحديد إقناع الأخرين " الغرب والمعارضة معاً " بقدرته على تخطي سياسات والده ورغبته في " الإصلاح " أي بمعنى أخر وضع قدمه الأخرى في المستقبل القادم . وهي حالة تتشابه مع تلك الحالات من بعض " القيادات المقربة " التي كانت حتى وقت قصير جزء من آلية قمع النظام للمعارضة . ثم فجأة إنتقلت الى موقع المعارض ، فالسفينة عندما تبدأ بالغرق ، أول من يقفز منها بحارتها الصغار ، قبل قبطانها .
المعارضة للحقيقة ، في وضع لا تحسد عليه ، فلا هي تملك إمكانية الحسم الميداني على الأرض ، ولا هي على الصعيد السياسي قادرة حتى الأن على بلورة تصور محدد يحوز على إجماع مختلف الأطراف الممثلة في صيغة المجلس العسكري للمعارضة بشأن إحتمالات التدخل العسكري الأجنبي . فهناك أكثر من رأي ووجهة نظر .
والبعض يعتقد ، أنه في حال تعذر الإطاحة بالعقيد ، قد لا تستبعد فكرة الإستعانة بقوى خارجية ..؟! إضافة الى فكرة الحظر الجوي المقترحة ، بل البعض يطالب بضربات عسكرية جوية محدودة لمراكز قوة العقيد ... وهذا الموقف له أنصاره لدى بعض العناصر الديبلوماسية التي إنشقت عن العقيد في الأمم المتحدة ؟.
الوضع ميدانياً معقد ، فلاأحد حتى الأن يملك مقومات الحسم الميداني على الأرض . من ناحية الجبهة الوطنية فهي تحتاج الى توحيد جهودها وتنظيم صفوفها ميدانياً ، فيما يستعين القذافي بوحدات من المرتزقة لأطالة أمد معركته الأخيرة . وحسب تصريحات نائب وزير الخارجية الليبي " خالد كعيم " أن الإتجاه العام هو لإستخدام " القوة الرشيدة " حسب تعبيره . وكنت أتمنى على " الصديق اليساري القديم " أن يقدم تفسيراً عسكرياً لمعنى " القوة الرشيدة " ..؟ وفي مطلق الأحوال فإن منطق القوة في مواجهة الشعب هو منطق خاسر ، ويعكس حالة إفلاس سياسي . بل أن النظام يبحث عن نهاية " دراماتيكية " له . وسط عزلة دولية وتزايد حملة المطالبة برحيله . مرحلة ما بعد القذافي ، كانت قد بدأت منذ اليوم الأول لثورة الشباب ، بيد أن أحداً في الغرب لم يكن يتوقع حجم إصرار العقيد على التمسك بالسلطة ، مثله في ذلك مثل العقيد الأخر علي عبد الله صالح . رغم أننا نراهن من يحقق المفاجأة المطلوبة .
نحن الأن في ساحة حرب مفتوحة على كافة الإحتمالات بما فيها التدخل العسكري الأجنبي ، الذي نرفضه بشده . بيد أن العقيد بدوره يستعين بقوى خارجية من المرتزقة في مواجهة الشعب . ترى هل يؤدي هذا الى تراجع المعارضة الليبية عن موقفها ، والإستعانة بالتدخل الخارجي الغربي ..!؟ بإعتبار أن هذا الموقف قد فرض عليها بعدما أصبح موضوع الحسم العسكري أكثر صعوبة ..ربما ... فهناك أشارات لمصادر لا تستبعد ذلك .. خاصة أن الزحف على العاصمة طرابلس ليس سهلاً ، ويحتاج الى جهود عسكرية غير عادية . وهو لا يتوفر في طرف جبهة التحالف الوطني .والجيش الليبي عموماً يعاني الضعف والإنقسام ، فيما تعتبر القوات الأمنية للعقيد ، بجاهزية قتالية أرقى . إضافة الى العامل الإنساني الذي تزداد حدته يوماً بعد أخر بسبب النقص في المواد الغذائية والطبية ..الخ والذي بدوره يشكل عامل أخر يخدم الطرفين ، المعارضة والعقيد معاً .
نعتقد أنه إذا كانت الولايات المتحدة ، والغرب عموماً معنيين في مساعدة الشعب الليبي ، والوصول الى نهاية لهذه الحرب الدائرة بين العقيد في مواجهة الشعب الليبي ، فالأجدر بهم ، هو الضغط على الحكومات الأفريقية مثل " تشاد وكينيا والنيجر وغانا ، والسودان ". وإجبارها على وقف تدفق عشرات الألاف من المرتزقة الى منطقة " سبها " معقل نظام القذافي الأخير . وليس عبر إعادة نشر وتوزيع قواتها . ففي الوقت الذي نرفض فيه تدخلاً عسكرياً أمريكياً أو من قبل الناتو ، فنحن ندين كل عمليات توظيف البلدان الأفريقية أو بعض محاولات تجنيد المرتزقة من بلدان عربية أخرى ... في معركة خاسرة ضد الشعب الليبي . ربما هذا الضغط السياسي الغربي هو المهمة العاجلة أمام الغرب في دعمة السياسي للثورة الليبية . أما التدخل العسكري فسوف يؤدي الى تغيير معطيات الوضع الراهن على الصعيد الشعبي في عموم المنطقة العربية . ولا يساهم في تسريع وتيرة تصاعد مد التغيير الذي تطالب به شعوب المنطقة ، بل سيؤدي الى إنتكاستها . ويفسح المجال أمام تنامي التيارات الأصولية المتطرفة . إن دعم مسيرة الديمقراطية في الشارع العربي ، هو العامل الوحيد الذي يؤدي الى إستقرار المنطقة وأمن أوربا معاً ، ويؤسس لمستقبل ديمقراطي للشرق الأوسط . فالديمقراطية هي صمام أمن المجتمعات الشرق أوسطية .
القضية الثانية التي تحتاج الى خطوات ومواقف سياسية محسوبة بدقة ، هي مسألة طبيعة تصور المعارضة الليبية للمستقبل ، لمرحلة ما بعد القذافي ؟ سواء في الشأن الداخلي أو في علاقاتها الخارجية .
ما هو حاصل حتى الأن هو حالة خلط ، بل نوع من التأرجح بين عدة صيغ ، كل منها تملك إيجابياتها وسلبياتها . فهناك فارق كبير بين مفهوم جبهة إنقاذ وطني ، وبين الإعلان عن تشكيل حكومة مؤقته . ورغم النوايا الطيبة والصادقة لأصحاب فكرة الحكومة المؤقته الهادفة الى إدارة معركة الحسم مع نظام العقيد القذافي ، بيد أن طرح سياسي من هذا القبيل يفتح الباب على مصراعية أمام الحديث عن أجندات معينة ،أو بتعبير أخر يفتح الباب أما حسابات سياسية أخرى سواء داخلية أم خارجية . وهو أمر لانعتقد أن الحالة الراهنة على الأرض ملائمة لهكذا تدخلات ولا يخدم معركة الساسية ضد النظام . رغم أن السيدة " كلينتون " نفت أن تكون قد أجرت أي إتصال سياسي مع القيادات المحلية المتواجدة في بنغازي .إلا أنها أبدت إستعدادها لتقديم المساعدة التي قد تساهم برحيل القذافي . وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن الإتصالات مقطوعة ، بل أن البعثة الديبلوماسية الليبية في الأمم المتحدة هي عملياً حلقة الإتصال الرسمي بين بنغازي والدوائر الديبلوماسية في الخارج .
الحديث عن تشكيل حكومة مؤقته ، هو موضوع مبكر ومن السابق لأوانه . رغم أنه تحصيل حاصل وضرورة تمليها مرحلة ما بعد القذافي ، وليس الأن . حيث تصبح مهمة تحقيق شعارات الثورة على المحك في الإعلان عن دستور جديد ، وإنتخابات ديمقراطية ونزيهه ، وبناء دولة من نقطة الصفر . وهي مهمة شاقة ، بل أنها تحتاج الى توحيد إرادة كافة الليبين في تشييد وبناء المستقبل الجديد الذي يلبي طموحات الشعب الليبي في الديمقراطية والعدالة الإجتماعية وتنمية متوازنة لكافة أنحاء البلاد . بعيداً عن عقلية تصفية الحسابات سواء الشخصية أو القبائلية ، عبر تجاوز وطي الصفحة السابقة.
معركة المعارضة الليبية مع النظام ستطول وستستغرق وقتاً أطول مما يتوقعه البعض لحسم الأمور على الأرض . ويدرك ذلك كل من يملك حداً أدنى من المعرفة في الشأن الليبي . سواء فيما يتعلق بطبيعة وشخصية وكاريزيما العقيد القذافي . فهي معركة مصير نهائي لعائلة ، إحتلت مواقع مجلس قيادة الثورة السابقة ، وبنت إمبراطورية مالية هائلة .
جبهة القذافي ، تشهد تفككاً وتصدعاً متزايداً ، بعض الأسماء القوية إختفت من الخارطة السياسية ، وأسماء أخرى بديلة تظهر الى السطح . وهذا الأمر عملياً يساهم بتزايد منسوب شراسة النظام ، وينذر بأكثر من مجرد مجزرة إنسانية . مرة أخرى على الغرب الضغط على البلدان الأفريقية لوقف عمليات تجييش وتجنيد المرتزقة ضد الشعب الليبي . إذا كان حريصاً على مساعدة الشعب الليبي وليس على نفطه وأرضه ..؟ بيد أن التدخل العسكري الأجنبي ، سيؤدي الى إنتكاسة الغليان الشعبي ضد أنظمة القمع العربية .. فماذا تريد واشنطن ومعها لندن وباريس ..؟ والأهم ماذا نريد نحن ..؟!



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن