يكفي العراقيين ما بهم.. فلا تحملوهم المزيد

عبدالخالق حسين
Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com

2002 / 8 / 11

 

 

اطلعت على مقالة السيد هلال الجلبي (الإنتفاضة الفلسطينية أجهضت الحل السلمي..) المنشورة في صحيفة المؤتمر الغراء العدد 314 الصادر في 2-8 آب 2002، فوجدت العنوان لا يدل على المحتوى إلا جزئياً، أما القسم الأهم من المقالة فهو تكرار لمقالة السيد وفيق السامرائي المنشورة في الشرق الأوسط قبل أشهر من هذا العام والتي يقترح فيها توطين الشعب الفلسطيني في العراق. والمشكلة أن الكاتب يعتبر الذين ردوا على اللواء السامرائي غير ديمقراطيين.. ويذهب إلى حد إتهامهم بأنهم سبب الكوارث التي نزلت على العراق وإستمرار صدام حسين على رأس السلطة وكأننا نحن الذين كنا في خدمة النظام ودعمناه وليس السامرائي الذي كان رئيساً لإستخباراته العسكرية. نسي الكاتب أن من بين ما تعنيه الديمقراطية هو الإقرار بحق الإختلاف، ومن حق أي إنسان أن يرد على أي رأي لا يتفق معه ووفق الأصول الحضارية.*

لا أدري لمصلحة من تثار هذه المشاكل الإضافية أمام العراقيين، وهم ينوءون تحت أعباء هائلة من المشاكل الخاصة بهم وفوق طاقتهم وفي هذا الوقت بالذات حيث يحاولون لملمة صفوفهم والتغلب على خلافاتهم الثانوية من أجل القضاء على أبشع نظام دموي عرفه التاريخ وهو على وشك أن يلفظ أنفاسه الآخيرة، خاصة وقد طرح الموضوع قبل أشهر على مختلف الصحف العربية والعراقية، وأشبع سجالاً وجدالاً من قبل العراقيين والفلسطينيين والعرب الآخرين وكلهم أجمعوا على إدانة الإقتراح القاضي بإقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وزرعه في بلاد أخرى. وبعد كل ذلك يطلع علينا (هلال الجلبي) وعلى صفحات المؤتمر مدافعاً عن السامرائي وإقتراحه ليقول لنا: " أن رد الفعل حول اقتراح اللواء المتقاعد وفيق السامرائي… بعيد عن الموضوعية" ويضيف متهكماً على الذين ساهموا في السجال بالمثل القائل: " عادت حليمة إلى عادتها القديمة". أعتقد أن هذا المثل ينطبق على الكاتب نفسه وليس على الذين ردوا على السامرائي. فهو الذي عاد لإثارة موضوع انتهينا منه فلماذا هذا الإصرار على إثارته من جديد وتكرار نفس المقترح الفاشل الذي لم يصمد أمام أي مناقشة جادة ومنصفة؟.

إبتداءً أقول، يرفض العراقيون أية مزايدة على دورهم القومي إزاء القضية الفلسطينية وقد دفعوا الكثير من دمائهم وأموالهم في سبيلها سواءً في العهد الملكي أو الجمهوري. ويقيم في العراق منذ النكبة عام 1948 عدد كبير من الفلسطينيين ويعاملون كعراقيين ما عدا منحهم الجنسية العراقية وذلك إلتزاماً بقرار الجامعة العربية القاضي بعدم منحهم جنسية البلد العربي المضيف من أجل إحتفاظ المواطن الفلسطيني بهويته الوطنية الفلسطينية وبث الأمل في نفسه لتحقيق العودة المشرفة إلى وطنه.

أما تكرار الجلبي لمقولة السامرائي بأن العراق كان يعيش فيه 30 مليون نسمة أيام العباسيين.. الخ، وهو رقم مبالغ فيه ويخالف المنطق العلمي، فنقول أن الشعب العراقي يقارب الآن هذا الرقم وهو يواجه مشكلة الإنفجار السكاني حيث يتضاعف كل عشرين عاماً وينتظر عودة خمسة ملايين من أبنائه المقيمين في الخارج الذين ينتظرون على أحر من الجمر للعودة إلى وطنهم للمساهمة في بناءه من جديد.

إن حل مشكلة اللاجئين يكمن في حل عادل للقضية الفلسطينية وذلك بإنسحاب إسرائيل إلى حدودها قبل 5 حزيران عام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعندها فإن حل هذه المشكلة يقع على عاتق الأمم المتحدة والجامعة العربية وليس على عاتق الحكومة العراقية الديمقراطية القادمة وحدها التي تنوء تحت أعباء هائلة من المشاكل التي سترثها من النظام الفاشي، مشاكل بشرية وإقتصادية وبيئية وصحية وغيرها والتي ستأخذ وقتاً طويلاً لمعالجتها وبمساعدة الدول الصديقة التي عندها الإستعداد لتقديم الدعم النزيه لها ولينهض الشعب العراقي من هذه الكارثة ويتعافى من تركة النظام وجراحاته العميقة.

نعم، إن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين هي مأساة بشرية حقيقية وتحتاج إلى حل إنساني وتعاون الحكومات العربية جميعها وليست من مسؤولية الشعب العراقي وحده. فهذه المشكلة تحل بعد تحقيق الدولة الفلسطينية، وبعودة اللاجئين إلى أراضيهم، وإذا استعصت عودتهم بسبب عدم إستيعاب الأراضي الفلسطينية لهم، كما يقول الكاتب، فعندئذ يكون الحل من مسؤولية الأمم المتحدة والجامعة العربية، كما أسلفنا، وفي هذه الحالة، وعند موافقة الحكومة الفلسطينية والمؤتمر الدولي الذي سيبت في هذا الموضوع الشائك، عندها يمكن إستيطان اللاجئين في بلدان إقامتهم التي عاشوا فيها منذ ترحيلهم من بلادهم فلسطين عام 1948 كأحد الحلول التي تقررها الأمم المتحدة والجامعة العربية. وبذلك يمكن أن يقبل العراق الفلسطينيين المقيمين على أراضيه منذ النكبة، ومنحهم الجنسية العراقية. ولكن ليس من الإنصاف تحميل الشعب العراقي مسؤولية توطين أربعة ملايين من اللاجئين المقيمين في البلدان العربية الأخرى.

ثم يعرج الكاتب إلى إيجاد حل للقضية الفلسطينية بعد أن فشلت الحلول العسكرية، فيلقي اللوم على الإنتفاضة في إجهاض الحل السلمي لها. نقول أنه لولا الإنتفاضة الفلسطينية، لكانت الضفة الغربية وقطاع غزة الآن جزءاً من إسرائيل. لقد بقي الشعب الفلسطيني أكثر من ربع قرن بدون إنتفاضة منتظراً تطبيق قرارات الأمم المتحدة ولكن دون جدوى وإسرائيل تتمادى في غيها وبطشها لهذا الشعب وتبني المزيد من المستوطنات. فكانت إنتفاضة أطفال الحجارة التي وضعت المشكلة الفلسطينية على الخريطة السياسية من جديد وأكسبت القضية عطف الرأي العام العالمي. إن الذي أضَّر بالقضية الفلسطينية ليست الإنتفاضة وإنما العمليات الإستشهادية الإنتحارية وبدفع من الإسلاميين المتطرفين، العمليات التي استهدفت المدنيين الإسرائيليين والتي كانت ومازالت تصب في خدمة سياسة الجزار الفاشي شارون والمتطرفين الصهاينة حيث اتخذوا من هذه العمليات الإنتحارية وقتل المدنيين الإسرائيليين ذريعة لكسب الرأي العام العالمي ضد الفلسطينيين وتبرير المجازر الهمجية التي ترتكبها القوات الإسرائيلية بحق الأبرياء من الشعب الفلسطيني وهدم البيوت على رؤوس أصحابها وتدمير مدنهم. وكل المحللين السياسيين يؤكدون أنه لو بقيت الإنتفاضة مقتصرة على أطفال الحجارة لألحقت الهزيمة النكراء بإسرائيل وجرد شارون من حجته في إعادة إحتلال الضفة الغربية والقطاع. وأشير على الكاتب وكل المتابعين للقضية الفلسطينية قراءة المقال القيم للأستاذ العفيف الأخضر بعنوان: (رسالة لـ"حماس": متى تنقضون حلفكم غير المكتوب مع شارون ؟) المنشورة في الحياة اللندنية السبت 13 يوليو 2002 ، والتي يعبر بها بحق وبكل وضوح مدى الدمار الذي ألحقته حماس بالقضية الفلسطينية.

 

نشرت في المؤتمر، العدد 315، 9-15 آب 2002.



* --السطور التي تحتها خط في مقدمة المقالة، حذفت من المؤتمر مع الأسف، مما جفلها وكأنها مقحمة على رد الجلبي.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن