المغرب، هل هو الاستقرار؟

محمد باليزيد

2011 / 2 / 20

شطحات وبخور في شوارع سلا، نائب برلمان/رئيس مجلس إقليمي يحاكم، الناطق الرسمي باسم الحكومة يبشر بقرب خلق مناصب شغل و"تأهيل" صندوق المقاصة كي يكون قادرا على منع موجات الغلاء "العالمية" من اقتحام الشواطئ المغربية، معطلون لا يدرون أيصدقون وعود الحكومة هذه المرة أم يكذبونها كما علمتهم تجربة الحياة أن الحكومة ممتهنة الكذب؟ الفنان بزيز يهدد بإحراق نفسه إن هي، ليفني، استُقبِلت بالمغرب، سيارات عليها شارات تحمل: "يجب احترام صاحب الشارة"..... وصاحب برنامج أسبوعي على التلفزة المغربية يجلد باستمرار، خصوصا بعد أحداث العيون، يجلد الأحزاب لأنها عجزت عن تسويق "الصورة الحقيقية" للمغرب في الخارج. فعلى ظهر أي حوت يرقد المغرب؟
_ حين "عيَّق" الصحفي الحكومي، هذا الصحفي الشاعر الذي يعرف كيف يدخل في قلوب المغاربة رهبة المواكب، عيق في إلحاحه على مسألة تسويق الوجه الجيد للمغرب قاطعه ضيفه قائلا: "إن التسويق، يا سيد العارفين، لا يعني التغريد باستمرار بأنشودة المغرب زين ، فهذ طريقة أكل عليها الدهر وشرب. إننا نتكلم في كل مناسبة بما يليق فيها. فإذا كان الكلام عن الرياضة تكلمنا عما حققه المغرب فيها، وإذا كان الكلام عن التنمية تكلمنا عن الطرق السيارة والاستثمارات وغيرها و.. عن حقوق الانسان..هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه إذا كان غيرنا ينظر للمغرب لا كما ننظر نحن ويعبر لا كما نعبر، فإنه ليس من واجبنا ولا من حقنا أن نسد فمه. فتلك حرية التعبير التي ناضل الشعب المغربي من أجلها عقود." لكن صاحب البرنامج فعلا من رموز الماضي/ الحاضر، منذ كانت وزارتي الداخلية والإعلام مدمجتان في واحدة هي وزارة الداخلية والإعلام، ولذلك فهو، كما فهم ضيفه، لا يعرف سوى لغة واحدة هي لغة "المغرب زين" التي على المغربي أن يُغَنيها سواء في فمه جزرة أم على رقبته عصا. كما على الأحزاب الرسمية، إن هي أرادت شهادة حسن السلوك كي تتمتع بما تمنحه أم الوزارات من امتيازات، عليها أن تبث في الخارج، وعلى كل الترددات كي تشوش على محاولات البث المعاكسة، صورة "المغرب زين". مغرب المبادرة الوطنية للتنمية، مغرب الانتخابات، مغرب المصالحة مع الماضي وفقدان الذاكرة.... مغرب التلويح بأن أي احتجاج داخلي يمكن أن يستغله أعداء وحدتنا الترابية وبالتالي فمن يريد أن يعبر عن وطنيته الكاملة عليه أن يلغي ويتناسى كل المشاكل ما لم تنته بسلام قضية وحدتنا الترابية.
في كل المواسم تكون السلطة إلى جانب المواطنين كي تشارك في شطحاتهم أو تضحك على ذقونهم. إن من يرى كيف "يشطح" عيساوة في شوارع سلا سيفهم أن المغاربة ليسوا فقط "مروَّضين" كما كان المصريون سابقا، وإنما هم دائخين بقوة البخور. في نفس المناسبة، وفي نواحي بركان [لقد توقعت مصادر من الطريقة البودشيشية أن يشارك في إحياء هذه الليلة، المولد النبوي، أزيد من 100 ألف زائر من مختلف بلدان العالم. وانطلقت الاحتفالات بعيد المولد النبوي لدى الطريقة البودشيشية بتنظيم الملتقى الخامس للتصوف تحت شعار: "الأبعاد الأخلاقية للتصوف، نحو حضارة للقيم. التي احتضنها مقر الزاوية، بمساهمة عدد من الأساتذة والمهتمين والباحثين المتخصصين في مجال التصوف." عن جريدة الصباح 16/02/2011 ] والمغرب، في هذا المجال، لا يكتفي ب"تربية وتهذيب" أبنائه فقط، وإنما فاض خيره على أبناء الجيران، فالمغرب يلعب دورا هاما في نشر التصوف (الدين المسالم الذي ينسى بشطحاته الدنيا والحاكم ويتعلق كليا بالسماء) خاصة في أفريقيا والزاوية التيجانية خير دليل على ذلك.
صورة المغرب التي على الأحزاب تسويقها هي صورة المغرب بغرفتي برلمان، تماما كأمهات الديمقراطية، مجلس النواب ومجلس "الشيوخ". لكن من يجلس على مقاعد مجلسينا وكيف وصل إلى ذلك؟ ما أن نحاول الجواب على هذين السؤالين حتى نجد أنفسنا أمام "أحط" ديمقراطية في العالم(1): ""تعود وقائع القضية إلى يوم الثالث من الشهر الجاري حين كان البرلماني عبد الغفور عنابا من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عن دائرة زاكورة (الغرفة الأولى)، وهو أيضا رئيس المجلس الإقليمي لزاكورة، يقارع الخمر وصديقه(م.خ) وبمعيتهما أربع مومسات حوالي الساعة السادسة صباحا في الطريق المؤدية إلى قصبة أكادير أوفلا، ففاجأهم جندي ممتطيا دراجته النارية يستفسرهم عن سبب وجودهم هناك، فاعتبروا ذلك استفزازا لهم وانهالوا عليه بالسب والشتم، الشيئ الذي استرعى انتباه ستة جنود آخرين، كانوا في طريقهم إلى عملهم، بقصبة أكادير أوفلا، فسارعوا للتدخل لفض النزاع، غير أن رفيق البرلماني أخرج قنينتي جعة كسرهما وبدأ يلوح بهما في وجه الجندي صاحب الدراجة النارية، وبدوره رمى البرلماني قنينة جعة فأصاب بها أحد الجنود، ومع ذلك انصرف الجميع في اتجاه عملهم. بعد ذلك ساق البرلماني سيارته رباعية الدفع محاولا دهس الجنود، لكنه لم يتمكن سوى من إصابة الدراجة النارية، التي امتطاها جنديان محاولين الإسراع نحو مقر عملهما، غير أن البرلماني طاردهما مرة أخرى وتمكن من دهسهما فسقطا في منحدر جانب الطريق، فيما بقيت السيارة عالقة وعلى وشك السقوط إلى الحافة. ونزل البرلماني من سيارته يسب ويشتم المصابين، رغم فقدتانهما وعيهما، وظل يصيح وهو في حالة هيجان: أنا برلماني وقادر نشري قشلة على كدها." وخاطب أحد المصابين: "موت أالكلب." وبعد وضع البرلماني تحت الحراسة النظرية تم تنقيطه من طرف الضابطة القضائية، فتبين أنه من ذوي السوابق القضائية حيث تم تقديمه إلى العدالة سنة 1998 بتهم السرقة والضرب والجرح والفساد والسكر البين، وقدم أيضا سنة 2003 بتهمة إصدار شيك بدون مؤونة، وفي سنة 2004 توبع بتهمة بيع الخمور بدون ترخيص[ واعتقل في الملفات الثلاث، على التوالي ، تحت أرقام:30692، 55674 و60290 كما أن مرافقه يلقب ب"القلدة". عن جريدة الصباح 17/02/2011 إن هذا اللقب يبين إلى أي نوع من البشر ينتمي هؤلاء]، ومع ذلك تم تقديمه وصديقه في حالة سراح، مع العلم أن الحصانة البرلمانية ترفع بشكل تلقائي في حالة التلبس التي كانت ثابتة في نازلة رئيس المجلس الإقليمي لزاكورة. ومن الممكن أن يتيح السراح المؤقت للبرلماني الإفلات من العقوبة الحبسية بعد أن يستأنف الحكم، ويمكن له بعد صدور القرار الاستئنافي الطعن فيه بالنقض مما يتطلب عدة سنوات كي يصبح الحكم نهائيا، وربما قد يصبح برلمانيا في الولاية المقبلة والمجلس الأعلى للقضاء (النقض) لم يُصدِر بعد قراره في النازلة.(2)""
من أين أتت هذه الكوارث لذلك المجلس الذي يريد المغرب أن يتباهى به أمام دول العالم؟(3) إنها اللعبة السياسية التي فسدت ككل. فالأحزاب، حتى التي كانت من قبل "مناضلة" واستطاع النظام أن يروضها كي تدخل اللعبة وتجعل الجماهير ، بالتالي، فاقدة الثقة في كل ما هو حزبي حتى وإن حاول "اللعب خارج اللعبة"، كل هذه الأحزاب فقدت صلتها بالجماهير وصارت الأغلبية في الحكومة تفبرك والجماهير تدفع إلى صناديق الاقتراع بكل أنواع الإغراءات، ومن بين هذه الإغراءات طبعا وربما أهمها، أموال المترشحين. حزب المهدي بن بركة (أحد رواد الحركة الوطنية المرتبطة بالجماهير إبان الاستعمار وبعده الذي اختطفته المخابرات الفرنسية في فرنسا وسلمته للجلادين المغاربة) إذن صار كذلك يبحث عن المقاعد ولا تهم الوسيلة فالغاية، أي المقاعد المريحة، تبررها. جاء صاحبنا في الانتخابات الأخيرة من أعماله في أكادير وقد قيل وروج مذاك أن صاحبنا لديه من المال ما يكفي لنفقات المجلس المحترم وأنه راغب فقط في الحصانة التي يمنحها المقعد وليس في المال الذي يدره(4). ليس كل مَن على مقاعد المجلسين طبعا مِن طينة هذا الشخص الآتي من السوابق ولكن الأهم أنه مادام ليس هناك أية حواجز لمنع مثله من الجلوس على مقاعد تمثيل الشعب/على الشعب، حسب ما يفهم من لا يتجاوز مستواه الدراسي الإعدادي لكن "كاتريام الأيام" أوصلته إلى أن يعتقد أن من حقه أن يدوس على أجساد الناس ب"كتريامية الدفع"، ما دام ليس هناك تلك الحواجز فالديمقراطية، في بلد يعاني من الأمية، ليست سوى صورة مشوهة ل"حكم المال"، المال الذي لا يصاحبه سوى الطغيان.
لقد وجدت الحكومة فجأة مناصب الشغل وكذا الميزانية التي بها ستدعم صندوق المقاصة الذي يدعم المواد كي لا ترقص الأسعار على هواها في الشارع/السوق العمومي. ومع كل فمرحبا بالمناصب إن أتت ومرحبا بالتحكم في الأسعار. لكن الحكومة نفسها تعرف إنما هي ترقع. إن خلق مناصب شغل بين عشية وضحاها وبمجرد إعلان حكومي دليل واضح على أنها "مناصب أشباح". عفوا، إذا كان هذا التعبير غير مناسب فما أقصد إليه هو أن مناصب الشغل تخلق بخلق مشاريع تنمية وليس بتكديس الموظفين، تحت ضغط المعطلين، في القطاع الحكومي. هذه الكفاءات التي نتمنى لها أن توظف في قطاعات منتجة للمستقبل. إن على الحكومة أن توظف أموال الشعب في تدشين مشاريع تنموية حقا تستطيع أن تحرر المغرب من تبعية الدول المتقدمة. كما أن سياسة صندوق الدعم، رغم أنها تبدو سياسة اجتماعية، إلا أنها كذلك سياسة ترقيعية. فإذا كنا لا نرفض السياسة الضريبية التي تجعل الأغنياء يتحملون أكثر من أجل تمويل البنية التحتية وغير ذلك، وذلك عبر سياسة الضريبة المتصاعدة، فالمطلوب في جانب مسألة القدرة الشرائية هو رفع القدرة الشرائية للمواطن المغربي إلى مستوى الأسعار وليس إنزال الأسعار إلى مستوى المواطن المغربي. فصندوق المقاصة لن يستطيع إلى الآبد مسايرة الآسعار خاصة وأن السياسة الليبرالية الحالية لا تأمن ب"التضامن الاجتماعي"، عبر الضرائب على الدخل، وهذه هي حجتنا حين قلنا بأن تبشير المغاربة بأن صندوق المقاصة سيحل المشاكل ليس سوى تهدئة مؤقتة لن تغني في المستقبل عن شيء.
بزيز وأمثاله طيور تغرد خارج السرب، وذاك حال المناضل دائما، فالمغرب الرسمي لم يعد يجد حرجا في التعامل مع إسرائيل. زد على ذلك أنه أعطي الضوء الأخضر، لمن يريد أن يكون السباق في جني ثمار التقارب، فالتقطت بعض الجمعيات "الثقافية" ذلك. رسميا، المغرب يُصَرف ثقافته "التسامحية" من خلال السماح لليهود، خاصة الإسرائليين ذوي الأصل المغربي، ببعض المواسم أو التعرف على مساكن آبائهم وأجدادهم أو مقابرهم، مجمل القول، مساعدتهم على إحياء الارتباط بهويتهم السابقة، دون أن يتساءل المغرب الموقر هل يسمح هؤلاء الإسرائيليون، الذين يستحقون أن نتعامل معهم إنسانيا كمغاربة قدامى، هل يسمحون لمن شردوا ولا زالوا يشردون بالتعلق بهويتهم؟ وهل تسامح المغرب هو تسامح الغالب أم تسامح المغلوب أم تسامح الند للند؟ لقد كان حمار طروادة الذي ركبت عليه الحكومات العربية ل"تحليل" تعاملها مع إسرائيل هو الحكومة الفلسطينية، هذه الحكومة التي ليست سوى صنيعة إسرائيل والرجعية. لقد صنعوها على مقاسهم وبالتالي من حقهم مسايرتها.
الشارة بلوني العلم المغربي مكتوب عليها الشعار الوطني، الله- الوطن- الملك ثم عبارة "نحن الشرفاء كذا" وأسفلها :"يجب احترام صاحب الشارة". فمن يجب أن يحترم هؤلاء وما هي طقوس الاحترام المطلوبة؟ بعض هؤلاء يحرق الضوء الآحمر وبسرعة تتجاوز سرعة المدينة. لقد أطلق آمير الرصاص في قلب العاصمة الربا ط على شرطي المرور الذي ظن أنه بالإمكان تأدية واجبه كاملا مع كل المواطنين. فعلى ظهر أي حوت ينام المغرب؟
1) رأينا نقل النص كاملا لأن التصرف فيه سيفقد الكثير من ملامح صورة المغرب. فعذرا للقارئ العزيز عن الإطالة. عن جريدة المساء ليوم 17/02/2011.
2) تجدر الإشارة إلى أن الرأي العام بزاكورة وبجهة سوس ماسة درعة ما يزال يتساءل عن الكيفية التي تمكن بها الظنين من ترشيح نفسه بالبرلمان مع أنه صاحب سوابق قضائية، ورغم أن بطاقة السجل العدلي تشكل إلى جانب وثائق أخرى ملف الترشيح للبرلمان.
3) هنا يمكن قول الكثير عن القضاء، لكن هروبا من التكرار، نحيل القارئ العزيز إلى مقالينا ذوا الصلة بالموضوع: "الفساد في المغرب" و"جهازي القضاء والأمن، أية علاقة؟" المنشورين بنفس الموقع الفرعي في الحوار المتمدن ل: محمد باليزيد
4) من أين لصاحبنا كل ذلك المال ؟ وهل يعقل أن يصل شخص تلك المرتبة في رمش العين؟ يشاع عن الذين بدأوا من الصفر مثل صاحبنا ووصلوا إلى مثل تلك المرتبة أنهم ليسوا سوى "يافطات" يختبئ وراءها كثير من المتمكنين للهروب من الضرائب ومن بعض المحاسبات ومن "أعين الناس".



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن