نحو مفهوم جديد للرسالة الأعلامية

جودت هوشيار

2011 / 1 / 15

يرى بعض المفكرين و فى مقدمتهم رائد التنظير الأعلامى مارشال مكلوهان ( 1911 – 1980 ) م أن تأريخ البشرية هو تأريخ أتصال و اعلام بين اليشر ، و أن التقدم العلمى – التكنولوجى هو الذى يسهم فى المقام الأول فى تشكيل و تطور المجتمعات الأنسانية ، و أننا من دون فهم الأساليب التى تعمل و سائل الأتصال بمقتضاها ، لن نكون قادرين على أدراك التغيرات الأجتماعية و الثقافية التى تطرأ على المجتمعات المعاصرة . و أن الوسائل الجديدة تشكل أمتدادا لأعضاء جسم الأنسان . .. فعلى سبيل المثال ، يعتبر الهاتف النقال أمتدادا لأذاننا و الميكروفون أمتدادا لألسنتنا و التلفزيون أمتدادا لعيوننا ، و أجهزة الكومبيوتر توفر الجهد الذهنى و تؤدى الى امتداد الوعى .
و يقول مكلوهان فى كتابه الشهير " كيف نفهم وسائل الأتصال " الصادر فى أواسط الستينات من القرن المنصرم ان " ان أهمية الرسالة تكمن في وسيلة نقلها " فى عمليات الأتصال الأعلامية ، بمعنى أن طبيعة كل وسيلة و ليس مضمونها هى الأساس فى تشكيل المجتمعات الحديثة .
فالرسالة الأساسية فى التلفزيون هى البث التلفزيونى ، كما أن الرسالة الأساسية فى الكتاب هى المطبوع ، لذا فأن المضمون – حسب رأيه – غير مهم ، بل المهم هو الوسيلة التى تنقل المحتوى ، كما أن لكل وسيلة جمهورا من الناس ، يفوق حبهم للوسيلة ، اهتمامهم بمضمونها . و التلفزيون كوسيلة تستقطب أهتمام جمهور عريض من المشاهدين بفضل الشاشة التى تعرض الصورة و الصوت و الحركة و الألوان . كما يحب الناس القراءة من اجل الأستمتاع بتجربة المطبوع و تؤثر وسيلة الأتصال الأعلامية فى المضمون الذى تنقله ، و ربما تستطيع الوسيلة أن تشوه المضمون ، و هذا ما تفعله مثلا الفضائيات الرسمية عندما تحول الواقع البائس الى انجازات للقائد الضرورة أو الفضائيات الحزبية ، التى تشوه مضمون ما تعرضه و تحرفه على نحو يتطابق مع أيديولوجية الحزب .
لقد تجلت أهمية التلفزيون – عند ظهوره فى أحتواء الراديو . أما اليوم فأن الشركات الرائدة فى مجال تقنيات الأتصال تسعى الى دمج الخدمات الأعلامية ,
و تعد شيكة الأنترنيت ذروة الأنجازات التكنولوجية فى هذا المجال . بل ان البعض يعتبرها " وسيلة الوسائل الأتصالية " لأنها تطوى بداخلها الوسائل الأخرى ، الى جانب استخداماتها المعروفة فى تبادل الملفات و تصفح قواعد البيانات عبر الشبكة و البريد الألكترونى و و أفلام الفيديو و فى الترفيه و الدعاية ، كما تؤمن التفاعل بين المشتركين فى ما بسمى بخدمة المؤتمرات و غرف المحادثة أى الحوار بين أتجاهين أو أكثر ، أى ان شبكة الأنترنيت حلت محل الأتصال أو الأعلام الأحادى الجانب ,
و ثمة اليوم انجازات تكنولوجية جديدة فى طريقها الى الأنتشار لدمج الأنترنيت و التلفزيون الرقمى أو الأنترنيت المتلفز لخدمة عدد أكبر من المستخدمين . و كذلك دمج الهاتف و التلفزيون و الأنترتيت و الكومبيوتر الشخصى النقال فى جهاز صغير .اضافة الى ظهور " الكتاب الألكترونى " و لا نقصد بذلك تحميل الكتب من الأنترنيت ، بل خزن محتويات الكتب الورقية فى جهاز الكترونى جديد لا تزيد ابعاده عن أبعاد كتاب ورقى خفيف و صغير و يمكن حمله فى الجيب و يتسع لحفظ مئات الكتب و من ثم قراءتها فى أى مكان وزمان ( خلال السفر او على الشاطىء او أى مكان آخر .بدلا من حمل الكتب الثقيلة . و الطريف فى الأمر ان الأنارة فى شاشة هذا الجهاز أشبه بمصباح منضدى مخفى ، مما يجعل قراءة الكتب متعة كبيرة و لا تؤذى العينين .
و فى ضؤ ما تقدم لم يعد تقسيم و سائل الأتصال الأعلامية ألى أتصال أو أعلام مطبوع و مسموع و مرئى مقبولا و هو فى طريقه الى الزوال ، و لم تعد " صاحبة الجلالة " أو " السلطة الرابعة " تحتل الا جانبا واحدا داخل المنظومة الأعلامية ، يختلف حجمها من مجتمع الى آخر .
و أذا كانت الوسائل " القديمة " تسعى الى أضفاء الطابع الشخصى على عملية التلقى و تفرض على المتلقى مضامين من طرف واحد فى توقيتات محددة ، فأن الوسائل الجديدة تتيح للمتلقى أختيار رسالته الأتصالية – الأعلامية من حيث الشكل و المضمون و وقت الأستقبال , أن عملية الأندماج المتواصلة بين الوسائل المختلفة ، ليست مسألة تكنولوجية فحسب ، بل لها أيضا فاعليتها المؤثرة فى تكوين الأنماط الأجتماعية و الثقافية .
أن المجتمعات المتخلفة التى لا تسهم الا بقدر ضئيل أو لا تسهم على الأطلاق فى التقدم العلمى – التكنولوجى لعصرنا الراهن ، تخضع شاءت أم أبت لما ينجم عن هذا التقدم من تغيير فى نمط الحياة و وتيرتها المتسارعة و هى لحسن الحظ تغييرات ايجابية عموما ، يمكن ( لو أحسن استخدامها ) أن تسهم فى تطوير و تحديث تلك المجتمعات ، و لن يتم ذلك ، الا بالأدراك الواعى و الفهم العميق لجوهر التقدم العلمى – التكنولوجى المعاصر ..



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن