سخرية من ((أمركة)) بلير ورفض لضرب العراق جورج مايكل.. ((الصمت ما عاد خياراً))

سحر مندور

2002 / 8 / 4

خلال شهر تموز، و منذ خمسة عشر عاماً، قامت إذاعة ال<<بي.بي.سي>> بمنع <<جديد>> جورج مايكل آنذاك:>> I want your sex>>.. ل<<فضائحيته الجنسية>>. و خلال شهر تموز الماضي، اصدر جورج مايكل أغنية لم يتم توزيعها في الولايات المتحدة (لعدم ابرام اتفاقية توزيع فيها) عنوانها: <>، <<أطلق النار على الكلب>>. جورج مايكل مغني بوب، اشتهر أساساً كمغن رئيسي لفريق <> و من ثم كمغن منفرد. جرأته الجنسية تعرف عنه. تحدى <<السلطة>> و الرقابة الاجتماعية مراراً، ألقت الشرطة القبض عليه بتهمة <<التصرف المشين أخلاقياً في مكان عام>> بعدما تعرى أمام رجل أمن خارج الدوام في ولاية لوس أنجلس بهدف الإستفزاز والتسلية فألقت الشرطة القبض عليه. فغنى من بعدها، هازئاً و متحدياً، أغنية <> و هي تدعو لممارسة الجنس في الهواء الطلق: <<أظن أني اكتفيت من الكنبة، أظن أني اكتفيت من السرير، أظن أني اكتفيت من طاولة المطبخ.. هيا بنا إلى الخارج، تحت أشعة الشمس...>> وصور فيها رجلي شرطة يتبادلون القبل فوق برج عال.
واليوم، <<ما عاد الصمت خيارا>>.. لذلك، غنى <<أطلق النار على الكلب>>. والكلب مصوراً في الفيديو كليب النصف كارتوني للأغنية يحمل وجه رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير ويلحق بالرئيس الأميركي جورج بوش، في باحة البيت الأبيض. أغنية ساخرة، قاسية، تهزأ من وزير الخارجية البريطاني وتتهمه بالتبعية المطلقة للرئيس الأميركي جورج بوش، أغنية ترفض إمكانية قصف العراق مجدداً وتبحث عن أسباب لهجمات 11 أيلول بعيداً عن الكلام المعمم إعلامياً. <<أريد من الأغنية أن تفتح نقاشاً حول تلك المواضيع>>، على الرغم من أنه كان قد باشر بكتابتها ما قبل 11/9.
ومن ضمن حملة العداء التي سببتها له الأغنية، كتب الصحافي رود ليدل في صحيفة <> البريطانية:
<<لقد عادوا. عادت تلك القبيلة نصف المنسية التي زينت زمن الإنحطاط، الثمانينات، وهذه المرة خرجوا ليغيروا سياستنا الخارجية! كنت أظن أن جورج مايكل قد اختفى للأبد بعد ذلك الحادث السيء الذكر عندما حاول التحرش، بفشل، برجل أمن خارج الدوام في حمام عام... وفي هذه الأثناء، يتبرع جورج مايكل بإخبارنا بأن الصمت ما عاد خياراً.. والله، لا تراهن على ذلك يا جورج. ففي حالتك، أرى انه خيار مناسب جدا>>. لم تأت الأغنية خارج سياق حياة جورج مايكل الفنية. وذلك أجمل ما فيها. الجنس حاضر، الإلحاد حاضر، البوب حاضر، صور جورج مايكل على مر السنوات وتبدلها حاضرة.. هو نجم البوب ذاته يغني شأنه وشأن الجميع العام. لم يتطفل على أصحاب النظريات ولم يتطفل على أصحاب الرأي المدروس، لم يدع لحمل خطاب أو لتقديم قراءة يعجز عنها، وإنما انطلق في أغنيته من نفسه وصورته الشعبية ولغته الفنية ليتناول موضوعاً اعتبره يمسه. بمعنى أخر، تناول الموضوع من وجهة نظر محيطه، وهو محيط لطالما بقي غائباً عن الشأن العام، خاصة في مجال <<السياسة الخارجية>>.
جورج مايكل يعلن نفسه، كجورج مايكل، معنياً بما تشنه بلاده من حروب ومعنياً بما سوف ينعكس عليه كمواطن ومعنياً بالسخرية القاسية من رئيس وزرائه. فيقوم بإشراك <<جمهوره>>، جمهور البوب، بتلك العناوين. يخرج تلك العناوين من إطار مشاهدي ال<<سي.أن.أن>> ليدخل بها حياة مشاهدي ال<<أم.تي.في>> (music television) العالمي. فقد صور في فيديو كليبه، كارتونياً، أماكن كقصر الملكة إليزابيث في بريطانيا، مقر رئيس الوزراء البريطاني وغرفة نومه، البيت الأبيض.. وتناولها في إطارها الخاص، إذ أنها ليست خلفية ما أو سخرية ما، لكنها مقرات حكم والسخرية من دورها والرفض لدورها الخارجي.
يقول جورج: <<لطالما استخدمت السخرية لأغراض سياسية، أظن أن الجو العام اليوم يجعل من الكلام الحر صعوبة ومخاطرة.. ولكن، أحياناً، عندما نكون كلنا معرضين للخطر، على النقاش أن يشق طريقه ويتخذ طابعاً أكثر عمقاً وجدية>>. والخطر، حسبما يراه المغني، تجلى واضحاً في هجمات 11/9 عندما <<أخذت القاعدة على عاتقها مهمة تنفيذ القانون>> وفي المقابل، <<أوروبا لا تسائل سياسة بوش وإنما تهم لتنفيذها، تهم لضرب العراق>>.
أجبرت الأغنية جورج مايكل أن يقف ليعلن، مراراً وتكراراً، أنه لا يتعاطف مع رجال <<القاعدة>> وأنه لا يبرر <<الإرهاب>>، مثله مثل أي رئيس دولة او صاحب رأي سياسي.
يواجه جورج تلك الحملة المعادية التي تمسه على المستوى العام بالرفض التام على المستوى الخاص، فيأتي الرد على تهمة <<إهانة مشاعر الشعب الأميركي>>، ب<<أنا أعاشر فتى من تكساس (كيني غوس) وأحبه منذ ست سنوات.. كيف يمكن لي أن أهين مشاعر الشعب الأميركي؟>>. من هنا، تأتي تلك الأغنية لتفتح، أيضاً، نقاشاً موازياً لذلك الذي تهدف لفتحه: <<هل أنت مع أو ضد تدخل نجوم البوب في الشان العام؟>>.
جورج مايكل ليس يسارياً ولا خلفيته خلفية سياسية ولا هو بصدد الدعوة للثورة ولا هو بصدد طرح مشروع بديل ولا فتح باب اغنية سياسية من نوع أخر.. لم يقل أي شيء من هذا القبيل بينما كانت المؤسسات الصحافية السياسية تحاوره وتنقده أو تؤيده. هو يطرح أسئلة ويسخر من القيمين على بلاده. يدعو أيضاً لطرح الأسئلة ولعدم التسليم بالمسلمات ولعدم تقديس الأسماء احتراماً. يقول أن الأفراد متساوون في النقد وحق النقد وان السخرية فوقهم جميعاً. ويقول أن طرح الأسئلة، لا تقديم الاجوبة، هو الأهم. فالأجوبة دائماً تحتمل أسئلة حولها.
ويمكن الرقص على إيقاع <>.
جريدة السفير


http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن