دمشق وبيروت

محمد سيد رصاص
mariakm@gmail.com

2010 / 12 / 24

- دمشق وبيروت : (30آب1920- 18تشرين أول1976 ) -
هناك تواريخ تقود إلى تواريخ:لايمكن فصل مرسوم المفوض السامي الفرنسي الجنرال غورو بإنشاء(دولة لبنان الكبير)في يوم 30آب1920عن ماحصل في يوم24تموز1920لماأدى انتصار غورو في معركة ميسلون على وزير الدفاع السوري يوسف العظمة إلى سقوط دمشق بأيدي الفرنسيين ،وفعلاً فإنه في الإحتفال المقام باليوم التالي للمرسوم أشار الجنرال الفرنسي،مخاطباً الحاضرين اللبنانيين،إلى حكومة الملك فيصل في دمشق بوصفها"القوة الغاشمة التي كانت تطمح إلى استعبادكم".
كانت تلك الولادة ل(دولة لبنان الكبير)تمثل جرحاً للسوريين،ليس فقط بسبب(الأقضية الأربعة)وإنما أيضاً لأنها انضافت وتزامنت مع عمليات جراحية فرنسية في الجسد السوري،الذي مثله الكيان السياسي في عهد الملك فيصل(تشرين أول1918- تموز1920)،قطعَت أوصاله إرباً إرباً شمالاً وجنوباً وغرباً،وصولاً إلى البيع الفرنسي للواء اسكندرون لتركية في عام1937من أجل ضمان عدم تكرار انضمامها إلى الألمان في الحرب العالمية الثانية المقبلة كمافعلت في الأولى عام1914.
لم يكن هذا الأمر محصوراً بسوريين وإنما شمل لبنانيين كثيرين:في تشرين أول 1927كانت بذور ولادة (الكتلة الوطنية)التي قادت العملية السياسية السورية من أجل الجلاء الفرنسي قد زرعت ليس في دمشق وإنما في بيروت،ولم يكن الخمسة عشر شخصاً،الذين شكَلوا قوام الاجتماع الذي حصلت فيه عملية الإبذار ،فقط من السوريين وإنما كان هناك لبنانيون من أمثال عبد الحميد كرامي وعبدالله اليافي،كماأن رياض الصلح"كان من مؤسسي الكتلة ،ومن الذين جمعوا أموالاً لها....واتفق أيضاً أنه كان ابن عم السياسي الكتلوي عفيف الصلح،ونسيباً لسعدالله الجابري بالمصاهرة"(فيليب خوري:"سوريا والإنتداب الفرنسي"،مؤسسة الأبحاث العربية،بيروت1997،ص678.بشأن اجتماع1927فالأسماء مذكورة في الصفحتين296-297من المرجع المذكور)،ويذكر خوري في(ص ص494-495)بأنه في مؤتمر(الكتلة الوطنية)عام1934كان رياض الصلح من الجناح الراديكالي،بزعامة الجابري وابراهيم هنانو،الذي طالب بأن يكون مطلب الوحدة السورية شاملاً للأقضية الأربعة التي ألحقها الفرنسيون ب(دولة لبنان الكبير)عام1920.
إذا تم الإنتقال للمستوى العسكري،فإن الدفاع عن دمشق لايمكن أن يتم من دون حساب الجنوب اللبناني و سهل البقاع،وعملياً فإن الهجوم البريطاني على سوريا ولبنان لنزع سلطة حكومة فيشي الموالية للألمان عنهما(8حزيران1941-14تموز1941)قد انطلق نحو ثلاثة محاور:الناقورة،مرجعيون،القنيطرة،لتسقط دمشق بيد جنود وينستون تشرشل الآتين من فلسطين بعد اثني عشر يوماً،إضافة لإنطلاق القوات البريطانية نحو محور طريق العراق- تدمر- حمص وذلك بعد هزيمة البريطانيين لقوات الحكومة العراقية الموالية للألمان برئاسة رشيد عالي الكيلاني في حرب أيام(2أيار1941-29أيار1941).
رغم هذا وذاك فإن سعد الله الجابري ،وهو أهم سياسي سوري أفرزته حقبة 1918- 1958 ، قد أدرك في عام1943"ضرورة طرح موقف تفاوضيمع الفرنسيينموحد يقوم على مبدأ الاستقلال التام للبنان وسورية معاً....فلايعود لبنان أبداً حجر شطرنج يستخدمه الفرنسيون ضد السوريين"("المرجع السابق"،ص678)،وهو مايمكن من خلاله فهم موقف رياض الصلح،وخاصة بعد أن انتقلت(الكتلة الوطنية)بالنصف الثاني من عقد الثلاثينيات نحو الصمت عن المطالبة بعودة الأراضي التي فصلت عن سوريا مع انشاء(دولة لبنان الكبير) .
كان هناك احتكاكات وصدامات كبرى بين دمشق وبيروت:في اتفاقية المصالح المشتركة بين الحكومتين السورية واللبنانية(3شباط1944)لم يكن هناك انعكاساً فيها للوقائع المالية- الاقتصادية على الأرض،وخاصة بعد نمو تراكم نقدي كبير في أوساط التجار والصناعيين وكبار ملاَك الأراضي السوريين نتيجة الخدمات التي قدموها لقوات الحلفاء المقيمة في سوريا خلال الحرب العالمية الثانية قدَره بعض الباحثين بمايتراوح بين 500-600مليون ليرة سورية كان معظمها في شكل جنيهات استرلينية(فيكتوروف:"اقتصاد سوريا الحديث"،دار البعث،دمشق1970،ص24). كان القمح فاعلاً اقتصادياً كبيراً في ذلك التراكم النقدي،ثم أتى القطن السوري مع الإرتفاعات الفلكية في أسعاره العالمية أثناء الحرب الكورية(1950-1953)لكي يجعل التوازن المالي- الاقتصادي مائلاً بشكل كبير لصالح دمشق على حساب بيروت. بدون هذا التراكم النقدي،الطامح للإستثمار، لايمكن تفسير اقدام رئيس الوزراء السوري خالد العظم على الغاء الوحدة الجمركية بين سوريا ولبنان(14آذار1950)والإستغناء عن الوسطاء اللبنانيين للبضاعة المصدرة من سورياوالمستوردة إليها مع الغاء حصرية مرفأ بيروت لصالح انشاء مرفأ اللاذقية الذي هو أقرب لأمكنة المحاصيل الإستراتيجية السورية في الشمال والشمال الشرقي،ثم الغاء الوكالات الحصرية التي كانت للبنانيين في سوريا ولبنان وحصرها بالسوريين.، وهو ماعبر عنه خالد العظم في ("المذكرات"،م 2،ص107،الدار المتحدة للنشر،بيروت2003. الطبعة الأولى في الثمانينيات صادرة عن دار النهار) بالعبارة التالية:"كنت أشبِهُ حالتنا مع لبنان بحالة الشخص الذي كسرت يده فجبَرعظمها على غير استواء،فلابد إذن من كسرها وجبرها من جديد على وجه صحيح". قبل هذا بسنوات قليلة،حاولت البرجوازية السورية ،النامية بسرعة، استباق محاولة 1950الناجحة تجاه اللبنانيين بمحاولة ثانية مماثلة لمادفعت الحكومة السورية في الشهر الأخير من عام1946،أثناءالمفاوضات مع شركة(أرامكو)لإنشاء خط نفط التابلاين ،للضغط من أجل جعل المصب لهذا الخط في الساحل السوري بدلاً من اللبناني ماأدى إلى فشل المفاوضات ، وهو ماكان بالتأكيد أحد أسباب دعم واشنطن لإنقلاب حسني الزعيم(30آذار1949)الذي صادق بعد شهر ونصف(16أيار)على اتفاقية التابلاين.
كان الضعف والإضطراب السوريان بين عامي1953و1958مترافقين (وربما لهذا السبب)مع الصراع المصري- العراقي(وخلف بغداد كانت لندن)على سوريا.في تلك الفترة من الضعف السوري وقف الرئيس اللبناني كميل شمعون ضد الرئيس جمال عبد الناصر الذي بدأت الموازين السورية تميل لصالحه منذ صيف1955حتى جاءت الوحدة السورية- المصرية في 22شباط1958.بعد ثلاثة أشهر من حصول تلك الوحدة اشتعل لبنان نتيجة اصطدام صفين لبنانيين كان أحدهما يدور في فلك القاهرة والآخر في فلك واشنطن التي بدأت منذ مشروع أيزنهاور ل"ملء الفراغ"(5كانون ثاني1957)بمحاولة وراثة لندن وباريس في الشرق الأوسط.كانت التسوية المصرية- الأميركية حول لبنان في ذلك الصيف،وخاصة بعد ابتعاد عبد الناصر عن موسكو إثر صدامه مع عبد الكريم قاسم وداعميه الشيوعيين العراقيين منذ يوم 14تموز1958البغدادي،مؤدية إلى استقرار لبنان طوال حكم الرئيس فؤاد شهاب. في فترة فؤاد شهاب وبعده الرئيس شارل الحلو انتعشت الصحافة اللبنانية بتأثير موت الصحافة السورية الحرة بين عامي 1958و1963ثم استفادت المصارف اللبنانية إلى حد بعيد من هروب رأس المال السوري الكبير إثر تأميمات تموز1961وتأميمات كانون ثاني1965.
أتت حرب1967لكي تقلب هذا المسار اللبناني ،وخاصة مع بداية انقسام مجتمعي لبناني،شبيه بماحصل في أيار1958،ظهرت ملامحه في نيسان1969تجاه الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان،وهو ماجعل لبنان يدخل في مسار متقطع ولكن مستقيم نحو الحرب الأهلية التي نشبت بعد ستة سنوات من ذلك الشهر. بالتوازي مع هذا المسار اللبناني،كانت سوريا تدخل بين عامي 1970و1976في عهد من امتلاك غير مسبوق سورياً للقوة الإقليمية في ظل بداية انكفاء مصري عن شؤون آسية العربية ،توضحت معالمه بعد حرب1973مع اتفاقيتي1974و1975بين القاهرة وتل أبيب وصولاً لزيارة السادات للقدس في19تشرين ثاني1977،واضطراب عراقي بفعل التمرد الكردي المدعوم من حكم ايراني قوي بقيادة الشاه منع بغداد من التطلع غرباً كمافي أيام نوري السعيد،وعدم قدرة السعودية على ترجمة قوتها المالية بعد ارتفاع أسعار النفط (إثر الحظر المترافق مع حرب1973) إلى قوة سياسية موازية لذلك المال على الصعيد الإقليمي العربي.
ربما،كان أبلغ تعبير عن هذه الصورة الإقليمية هو ماحصل في مؤتمر قمة الرياض السداسية(16-18تشرين أول1976)لماأعطت مصر والسعودية الموافقة ،والشرعية السياسية العربية،للإدارة السورية للشؤون اللبنانية بعد أربعة أشهر ونصف من الدخول العسكري السوري إلى لبنان الملتهب بنيران الحرب الأهلية،وهو ماتجسد بعد أيام قليلة في القمة العربية بالقاهرة عبر قرار جماعي وقفت بغداد وحيدة ضده .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن