هل من سبيل لبناء عراق ديمقراطي اتحادي آمن؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الديمقراطية واليسارية في مسقبل العراق؟

كاظم حبيب
khabib@t-online.de

2010 / 12 / 10

محاضرة ألقيت في قاعة عامة في مدينة ميلبورن بأستراليا
الأخوات والأخوة الكرام
اتقدم بالشكر الجزيل لمنظمي هذا اللقاء من رفاق منظمة الحزب الشيوعي العراقي في ميلبورن مع الأخوات والأخوة من العراق في ميلبورن للحديث والتفكير المتبادل بشأن ما يجري في العراق وعن شجون وأوجاع أهلنا وتطلعاتهم نحو مستقبل أفضل أكثر إشراقاً وأكثر حناناً على الإنسان العراقي والمجتمع بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية والفكرية الديمقراطية.
ابتداءً أتقدم بأحر التعازي القلبية والمواساة الشخصية إلى مواطنات ومواطني العراق, من المسيحيات والمسيحيين بشكل خاص لاستشهاد كوكبة كبيرة من نساء ورجال وأطفال مسيحيين جراء الجريمة البشعة التي نفذها القتلة الإرهابيون في كنيسة "سيدة النجاة" ببغداد في شهر تشرين الأول/اكتوبر 2010. كما نفذت جريمة أخرى حين شنقت امرأة عجوز مسيحية ثم قتل شابان مسيحيان على أيدي قتلة مجرمين عتاة, والموت لم يتوقف ولو لللحظة واحدة في الوطن الجريح. لا يمكننا إلا أن نحمَّل الحكومة العراقية مسؤولية عدم توفير الامن والاستقرار في البلاد وحماية حياة المواطنات والمواطنين. كما أن التهجير والتشريد والقتل قد شمل الصابئة المندائيين وكثرة من المسلمين الشيعة والسنة, إضافة إلى جمهرة كبيرة من المثقفين والصحفيين والعلماء والفنانين والكثير الكثير من بنات وابناء شعبنا.
إننا إذ نعزي ذوي الشهداء ونرجو للشهداء الذكر الطيب ونتمنى للجرحى الشفاء العاجل, نطالب الحكومة العراقية بملاحقة المجرمين وتقديمهم للقضاء لنيل العقاب العادل الذي يستحقونه.
تطرح جمهرة من المسؤولين في العراق في هذه الأيام وكأن الأزمة السياسية الطاحنة التي تعصف بالبلاد قد وجدت حلاً لها بتوزيع الرئاسات الثلاث بين التحالف الكردستاني (رئاسة الجمهورية) وقائمة التحالف الوطني (رئاسة الوزراء) والقائمة العراقية (رئاسة البرلمان) وتحديد 30 يوماً أمام المالكي لتشكيل وزارته الجديدة, فهل حقاً انتهت دوامة الأزمة الطاحنة والمتراكمة, أم أنها ستتعمق وتتخذ أبعاداً جديدة لاحقاً حتى بعد تشكيل الوزارة الجديدة؟ لا يمكنني الاتفاق مع الرأي الرسمي, إذ أن الأزمة العراقية الراهنة بنيوية في جوهرها ولا يمكن معالجتها برقعة صغيرة من هذا النوع؟ فهي من حيث المبدأ أزمة بنيوية تشمل النظام السياسي بكامله, أزمة نظام سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وعسكري وبيئي في آن واحد, إزمة نظام سياسي يبتعد عن روح ومفهوم المواطنة وحقوقها وواجباتها ويغوص في الهويات الطائفية المتشددة والمتفاعلة مع الهويات القومية الشوفينية التي تشكل ما يمكن أن يطلق عليها بـ"الهويبات القاتلة", على وفق التعبير الذي استخدمه بصواب كبير الأديب والروائي اللبناني المبدع أمين المعلوف, إنها أزمة حكم شاملة.
فالعراق يواجه اليوم سياسة قائمة على فكر ديني متخلف وذهنية طائفية متبادلة التحيز والتمييز تجد تعبيرها في ولادة قيصرية لحكومة تقوم على أساس المحاصصة الطائفية لا يمكنها أن تعالج الأزمة بل تزيدها تعقيداً, إذ أن إزالة الأزمة يستوجب استئصال الفكر الطائفي السياسي التمييزي المناهض لحقوق الإنسان وحرياته العامة, وليس المقصود هنا المذاهب الدينية بحد ذاتها, وهذا يعني أنها لا تنتهي إلا بتخلص العراق من وجود أحزاب وقوى سياسية تقوم على أسس دينية أو مذهبية, علماً بأن كل الأحزاب الدينية والمذهبية في العالم, وليس العراق وحده, لا يمكن أن تنشأ إلا لتكون أحزاباً دينية طائفية, لأنها تبنى منذ البدء على أساس التمييز الديني والمذهبي وتنهض لتحقق أهدافاً معينة لطائفة دينية معينة ضد طائفة اخرى. وهي في العراق حالة وممارسة يومية يتلمسها المواطنون والمواطنات في جميع مجالات الحياة. وإذا كان النظم السابقة طائفية ايضاً, فأن النظام السياسي الجديد لا يختلف عنها من الناحية الطائفية والتمييز الطائفي, بل أصبح الحديث عن حقوق الطائفة رسمياً ودون اي خجل من مفهوم وروح المواطنة. إن تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة المالكي, رغم الصعوبات الجمة التي تعترض طريق توزيع نواب الرئاسات والمناصب الوزارية الأساسية وبقية الوزارات بين القوى الفائزة في الانتخابات, سوف لن يكون في مقدورها معالجة الأزمة, بل ستواجه بعد تشكيلها نفس الأجواء والعقد التي سادت خلال السنوات الخمس المنصرمة, وبالتالي ستتعثر في إنجاز المهمات الكبيرة التي كانت ولا تزال تواجه العراق, إضافة إلى أن التشكيلة الحكومية الجديدة ومجلس النواب سيكونان مقيدان بالكثير من الشروط التي فرضها المسعى التوافقي الذي سيعطل بدوره الكثير من الإجراءات التي تستوجبها الحياة السياسية العراقية. إذ أن هذا المسعى يبتعد كثيراً عن الديمقراطية وعن ضرورات الحلول العملية التي يستوجبها واقع العراق المأزوم. ويزيد في الطين بلة غياب كلي وفعلي للثقة المتبادلة المطلوبة للعمل السياسي بين الأحزاب السياسية القائمة.
والمشكلات السياسية العراقية ليست داخلية بحتة, بل هي متفاعلة ومتداخلة أو متشابكة مع المشكلات الإقليمية المعقدة وغير القابلة للحلول السريعة والمؤثرة مباشرة على الواقع العراقي الراهن وعلى مسيرته الجارية. إذ أن العراق قد تحول ومنذ سنوات كثيرة إلى ساحة مكشوفة للصراع بين عدد من الدول والقوى اللاعبة في الساحة السياسية الإقليمية وخاصة إيران والسعودية وتركيا وسوريا وإسرائيل ودول الخليج, إضافة إلى دور متزايد لقوى سياسية في لبنان وفلسطين, وإلى عامل متفاقم في سباق هستيري للتسلح في المنطقة تغتني منه الدول والاحتكارات المنتجة والمصدرة للسلاح وتخسر بسببه الكثير من موارد الدول المالية ويزداد فقر وحرمان الفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحة فيها. وعلينا أن نرى ونشخص بوضوح تام بأن اللاعبين الإقليميين لهم في الغالب الأعم قوى متجاوبة معهم أو تعتبر امتدادات لهم في العراق, وإلا لما كان لدول وقوى الجوار هذا الدور الفظ الذي تمارسه اليوم في التدخل المكشوف ودون حياء في الشأن العرقي.
ويفترض أن نتابع أيضاً العلاقة العضوية بين الصراعات الداخلية والإقليمية الجارية أولاً, وبينها وبين الصراعات الإقليمية والدولية ثانياً, ومن ثم الصراعات في ما بين الدول الكبرى وذات المصالح في المنطقة ثالثاً, على العراق وعلى المنطقة وعلى الثروات النفطية وغير النفطية وعلى اتجاهات التطور, والتي تتجلى محصلتها في واقع الحياوة السياسية المعقدة وغير المستقرة والمليئة بالدماء والدموع. لقد أصبح العراق وأكثر من أي وقت مضى جزءاً عضوياً من الاستراتيجيات السياسية و"المصالح الحيوية" للدول الكبرى, وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا, وفي المنطقة, وخاصة إيران والسعودية وسوريا ودول الخليج.
والعراق يواجه من الناحية الأمنية تراجعاً ملموساً يتجلى في تزايد ضربات قوى الإرهاب المحلية والإقليمية والدولية, قوى الإسلام السياسية المتطرفة والقوى البعثية المتشابكة معها وبعض المليشيات الطائفية التي تمارس الإرهاب كلما وجدت ضرورة إلى ذلك لتحقيق ما تسعى إليه. وقد لعبت عوامل مثل الفراغ السياسي والصراع من أجل السلطة والفساد المالي ودعم حكومات وقوى في دول الجوار العراقي دورها في زيادة ضربات الإرهابيين وزيادة عدد القتلى والجرحى والمعوقين من بنات وأبناء الشعب العراقي عموماً, إضافة إلى توجيه ضربات شديدة لأتباع الديانات والمذاهب الدينية خاصة, وبشكل أخص ضد أتباع الديانة المسيحية ودور عبادتهم, كما حصل في كنيسة "سيدة النجاة" ببغداد أو قبل ذاك بالبصرة ومن ثم بالموصل أو ضد الصابئة المندائيين أو ضد الإيزيديين في الأقضية التابعة إدارياً لمحافظة الموصل.
كما أن النظام السياسي القائم في العراق يمارس يوماً بعد آخر سياسة الهجوم على الحريات العامة, حرية الإنسان وحقوقه المشروعة, سواء أكان هذا على مستوى الدولة الاتحادية, أم على مستوى المحافظات دون استثناء. ويمكن لقرارات المحافظات التي تشن حرباً شعواء على الحريات العامة أو للموقف من إلغاء الأغاني والموسيقى من مهرجان بابل, أو الهجوم الأخير على اتحاد الأدباء والكتاب العراقي بمنع فتح النادي الاجتماعي فيه, أن تشير بوضوح صارخ إلى هذه الهجمة الجديدة التي لا تختلف عما كان يمارسه النظام السابق من سياسات عدوانية ضد حريات الشعب وحقوقه الإساسية وحقوق الفرد والمواطنة.
إن طغيان الطائفية السياسية والهجوم على الحريات العامة والفساد المالي والإداري والإرهاب الدموي والبطالة الواسعة في الحياة السياسية والاجتماعية العراقية اليومية وغياب فعلي لسياسة اقتصادية واجتماعية وثقافية سليمة أدت بالشبيبة العراقية من النساء والرجال إلى عدم الشعور بالأمن والاستقرار وعدم الإحساس بوجود مستقبل لهم في العراق, وقادتهم إلى مغادرة العراق بأعداد كبيرة تقترب أو تفوق الذين كان يهاجرون العراق في فترة الحروب الصدامية أو بسبب الحصار الاقتصادي للوصول إلى الدول التي يمكن أن يحصلوا فيها على ما فقدوه في العراق, إلى الأمن والسلامة والحرية والعمل وحقوق المواطنة الحرة, وأن قادت هذه الهجرة بعضهم إلى الموت, كما حصل للعراقي السيد أحمد العقابي الذي انتحر في كريسمس ايلاند بسبب عدم قبوله لاجئاً وعدم رغبته في العودة إلى العراق. لقد امتلأ الشتات بالعراقيين والعراقيات من جديد, وأغلبهم من القوى الفنية والمهنية والحرفية والعلمية والثقافية التي يخسرها العراق ولن يعودوا إليه إذا ما استمر الوضع على حاله الراهن. وبالتالي فالدعوة إلى عودة الكفاءات أشبه بصرخة في واد يتلاشى صداه دون أثر يذكر!
والمشكلات الاقتصادية في العراق كبيرة حقاً, وهي نتيجة منطقية لصراعات المصالح وغياب المصلحة الوطنية عن السياسة الاقتصادية الراهنة بحكم التباين والاختلاف في المصالح والبرامج والمواقف والسياسات وبحكم تراكم التخلف والتخريب الذي تسببت به سياسات وحروب النظام السابق والحصار الاقتصادي الدولي الظالم الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على العراق طيلة 13 عاماً. والسياسة الاقتصادية الراهنة تراهن وتقامر بالنفط العراقي من حيث الصادرات من جهة, وتعتمد على الاستيراد كلية من حيث إشباع حاجات السوق المحلي الاستهلاكية من جهة ثانية, والابتعاد كلية عن التصنيع أو تحديث الزراعة ومعالجة مشكلة الأرض الزراعية من جهة ثالثة, إضافة إلى استمرار شحة المياه في نهري دجلة والفرات وتلك الأنهر التي تصلها المياه من الأراضي الإيرانية, حيث تمارس الدولتان التركية والإيرانية سياسة ابتزازية مناهضة لمصالح العراق من جهة رابعة. إن عواقب هذه السياسات الاقتصادية تجد تعبيرها السلبي في استنزاف موارد العراق المالية وثروته الطبيعية وفي تفاقم انكشافه على الخارج واستمرار وجود بطالة مكشوفة واسعة وأخرى مقنعة كبيرة وغياب الأمن الغذائي ونقص شديد في الخدمات بسبب البطء الشديد وغير المعقول والمتعمد في تسريع إقامة البنية التحتية في العراق, وخاصة الطاقة الكهربائية, حجر الأساس في التنمية الصناعية وتحديث الزراعة وتنمية الخدمات الاجتماعية الحديثة وتفاقم الهجرة العراقية نحو الخارج. ومما يزيد في الطين بلة في كل أنحاء العراق الاتحادي وجود نظام سائد ومعمول به في مجالي الفساد المالي والإداري, إذ لم تعد هناك ظواهر متفرقة, إذ نشأ ذلك منذ سنوات العهد البعثي الفاشي المقبور وتفاقم بفعل دور الشركات الدولية وقوات الاحتلال خلال السنوات السبعة المنصرمة في تنشيط وتطوير هذا النظام في عدم النزاهة. ويلعب الإرهاب الإقليمي والدولي في العراق دوره لا في قتل البشر فحسب, بل وفي تعطيل العملية الاقتصادية وتغيير البنية الاجتماعية. وبالتالي, فأن تجارب العراق والدول الأخرى تشير إلى أن الفساد والإرهاب هما من أبرز العوامل المتفاعلة في ما بينها والتي يستكمل أحدهما دور الآخر في تعطيل مسيرة البناء والتقدم في العراق ويزيدان معاً من تأثير العوامل الأخرى الفاعلة في مختلف جوانب الحياة العراقية والتي أشير إليها في أعلاه وتشكلان وجهان لعملة واحدة.
وعن التركة الثقيلة لنظام صدام حسين وحصاد سياسات السنوات السبع العجاف المنصرمة لنظام المحاصصة الطائفية اللعين, والسياسة المبرمجة التي تمارسها الولايات المتحدة في العراق بتكريسها ودعمها للمحاصصة الطائفية وسكوتها المطبق على مصادرة الحريات العامة في البلاد, تبرز أمامنا الأوضاع والمشكلات الاجتماعية والنفسية والبيئية المعقدة والتي يصعب حقاً معالجتها بسياسات مماثلة للسنوات المنصرمة.
فأمامنا تنتصب إحصائيات رسمية مخيفة في بلد غني بثرواته كالعراق, رغم عدم دقتها, إذ تشير إلى وجود بطالة تصل إلى أكثر من 30% وإلى نسبة مماثلة تحت خط الفقر, وإلى أرقام مماثلة أو أكثر لبطالة مقنعة ولفقر بنسبة مماثلة تقف أعلى قليلاً من خط الفقر المقرر دولياً, وإلى منافسة العراق للصومال في مجال الفساد المالي, وهما يحتلان الموقعين الأول والثاني في سلسلة الدول الأعلى فساداً والأفقر نزاهة في العالم.
نحن اليوم أمام مجتمع يعاني من مشكلات إبرزها تراجع في المعايير السلوكية السوية وفي تفاقم حالة ازدواج الشخصية والروح الانتهازية وروح الكراهية والحقد والرغبة في الانتقام ورفض الآخر والتطرف الدينيي والمذهبي لدى المسلمين بشكل عام إزاء أتباع الديانات الأخرى أو في ما بين اتباع المذاهب الإسلامية ذاتها, يضاف إلى ذلك واقع وجود ردة فكرية وسياسية يمينية ورجعية متراكمة ومتحكمة في سلوكية أغلب الحكام وفي نسبة عالية من الناس بشكل عام في العراق.
إن الإنسان العراقي بشكل عام يعاني من حالة نفسية معقدة جداً بفعل معاناته الطويلة, فهو يعيش القلق والخشية من يومه ومن المستقبل على نفسه وعلى عائلته, وتراجعت لديه الثقة بالإنسان الآخر والصراحة والشفافية وقول الحق. وانتشرت في صفوفه حالات الضغينة والقسوة والرفض, ولكن في الوقت نفسه حالات الخنوع والذل والقبول بـ"المقسوم!", حالة رفض القانون والخضوع التام للحاكم. في المجتمع العراقي نواجه اليوم موقفاً أكثر قسوة وتزمتاً في مناهضة حقوق المرأة ودورها الطبيعي في مختلف جوانب ومستويات الحياة. فالعنف متفاقم ضدها, وممارسة غسل العار يتخذ أبعاداً وأساليب جديدة تستسيغها حياة الريف والمجتمع العشائري ويقبل بها الحكام لأنها تعبر عن دواخلهم وتتجلى في صدور قرارات عفو خاصة عن مجرمين مارسوا القتل لما يسمى بغسل العار أو إستعادة الشرف المفقود! إن رؤية ثاقبة لما يجري في العراق سيجد المتتبع أمامه لوحة لمجتمع عراقي يعاني من علل وأمراض نفسية وعصبية وبانوراما متناقضة ومعقدة إلى أبعد الحدود لوحة ذات ألوان شاحبة مرضية.
العوامل الداخلية والإقليمية والدولية في فترة حكم الطاغية صدام حسين وفي الوقت الحاضر جعلت من العراق الراهن دولة ضعيفة جداً تتقاذفها الأهواء والمصالح الإقليمية والدولية! والحالة الراهنة في العراق سوف لن تتغير بسرعة وسهولة, إذ أن ميزان القوى يميل بقوة لصالح القوى الحاكمة وخاصة قوى الإسلام السياسية, سواء أكانت شيعية أم سنية, إذ أنها استطاعت أن تنقل صراعها الطائفي إلى بنات وأبناء المجتمع على أوسع نطاق ممكن, وهو ما يتجلى في نتائج الانتخابات في العام 2005 وفي العام 2010. وبالتالي فمن غير المتوقع أن يتحقق تغيير كبير في ميزان القوى خلال الدورتين الانتخابيتين القادمتين على أقل تقدير, ولكن من الممكن تقليص تأثير هذه القوى على المجتمع مع تراجع جدي لثقة الناس بها وبمصداقيتها من جهة, والنضال المتنامي لتحقيق جملة من مطالب الفئات الاجتماعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والصحية والبيئية والخدمية الأخرى من جهة أخرى, وتنامي دور المثقفين والقوى الديمقراطية واليسارية في الكشف عن مكامن الضعف في النظام السياسي القائم, رغم التقييد والمحاربة التي يتعرض لها الثقفون ومنظمات المجتمع المدني الديمقراطية, كما حصل أخيراً لاتحاد الأدباء والكتاب في العراق, من جهة ثالثة, وعبر تصعيد وتطوير نضالات الفئات الاجتماعية المختلفة وفق أهدافها الحيوية الملموسة من جهة رابعة. ولكن هذه العملية ليست ذات طبيعية ميكانيكية, بل تستوتجب خروج القوى الديمقراطية واليسارية من العزلة التي فُرضت عليها لأسباب موضوعية وذاتية وقيادة العمل السياسي المعارض لسياسات الحكومة العراقية الجديدة وطرح البديل الواقعي والموضوعي لبرنامج الحكومة من أجل تعبئة الناس حول برنامجها الديمقراطي وحولها. إن من الأهمية بمكان أن تنتقل القوى الديمقراطية واليسارية من حالة الدفاع إلى حالة المعارضة الجريئة والطموحة والعقلانية والسلمية, إلى معارضة مسؤولة تدرك مهماتها وواجباتها ومصالح المجتمع الذي تتبنى قضاياه. ومن أجل تحقيق ذلك لا بد من الإجابة عن الأسئلة التالية: كيف يمكن للقوى الديمقراطية واليسارية العراقية المشاركة الفعالة والمسؤولة في دفع العراق على طريق الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, على طريق بناء الدولة الاتحادية الديمقراطية المستقلة والمستقبل الأكثر إشراقاً للمجتمع العراقي ولقواه المنتجة, على طريق الخلاص من الحكم الطائفي والمحاصصة الطائفية؟ ليست الإجابة عن هذه الأسئلة مسألة سهلة, وهي في كل الأحوال إجابات اجتهادية وشخصية ناشئة عن قناعاتي الشخصية وتجربتي الذاتية وتقديري لأوضاع العراق الملموسة في الوقت الحاضر واتجاه تطور الأحداث في العراق والمنطقة. لهذا سألخص رؤيتي في النقاط التالية التي طرحتها في لقاء العراقيات والعراقيين في سدني الذي دعا إليه منتدى الجامعيين العراقي/الاسترالي:
1 . إجراء مداولات مكثفة مع كافة المجاميع والشخصيات التي تطرح موضوع الحياة المدنية والديمقراطية والحريات العامة في الحياة السياسية العراقية من أجل إنضاج موقف مشترك صوب إستراتيجة العمل المشترك للعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
2 . وضع مسودة أولية لمشروع وطني ديمقراطي للعشرية القادمة (2011-2020) بالتعاون مع القوى والأحزاب والمجموعات والشخصيات الداعية إلى بناء المجتمع المدني الديمقراطي الاتحادي العلماني في العراق.
3 . نشر المشروع المقترح في وسائل الإعلام المتاحة من أجل مناقشته من قبل الفئات الاجتماعية والقوى السياسية العراقية لضمان تحسينه وتطويره وتعبئة مؤيدين له في المجتمع.
4 . عقد مؤتمر موسع لكل القوى الديمقراطية التي ستشارك في المداولات وتلك التي تريد الالتحاق بالأحزاب والمجموعات والشخصيات الديمقراطية من أجل إقرار المشروع الوطني الديمقراطي وتعديله إن استوجب الأمر وجعله الوثيقة المشتركة للقوى الديمقراطية واليسارية في العراق.
5 . تأكيد مبدأ أو شعار أساسي في العمل السياسي في المرحلة الراهنة ولفترة طويلة حقاً ولكل القوى السياسية الديمقراطية واليسارية العراقية دون استثناء: "قووا تنظيم الحركة الوطنية الديمقراطية, تتقوى أحزابكم ويزداد تأثيركم وتتعزز علاقاتكم بالجماهير الشعبية الواسعة", إنها الصيغة الوحيدة للخروج من العزلة والهامشية الراهنة التي تعاني منها القوى الديمقراطية واليسارية في العراق.
6 . انتخاب هيئة قيادية للتجمع الجبهوي الديمقراطي لقيادة العمل المشترك ويمكن أن ينتخب رئيس دوري لها لتعزيز الثقة والمسؤولية المشتركة وروح المبادرة والديمقراطية في العلاقة بين القوى المشتركة.
7 . تأمين لجان متعددة تعمل على أساس المهنية كالطلبة والشباب والنساء والنقابات والفلاحين والأسواق والرياضة والفنون .. الخ على مستويين, المستوى المهني على صعيد لعراق وعلى مستوى المحافظات من أجل تعزيز الاحتكاك بتلك الأوساط والتفاعل معها والتعرف المباشر على مشكلاتها وحاجاتها وتحويلها إلى مطالب للنضال من أجلها في صفوف تلك الفئات والتجمعات.
8 . تعزيز الصلة بالأوساط الشعبية من كافة قيادات وقواعد الأحزاب بهدف الاقتراب منها وفهم أوضاعها وتعزيز الروابط الإنسانية بها, إذ أن العزلة الراهنة تؤذي كل القوى الديمقراطية واليسارية لصالح القوى غير الديمقراطية في الحكم.
9 . عدم المشاركة بالسلطة في المرحلة الراهنة من أجل توجيه الجهود لصالح العمل السياسي المعارض بهدف توجيه النقد الإيجابي البناء وبلورة السلبيات في العمل الحكوميوبنامجها بصورة فعالة ومحركة للمجتمع وتعبئة السكان صوب أهدافها ومصالحها.
10 . ممارسة جميع اساليب النضال الديمقراطية السلمية لصالح الدفاع عن مصالح الناس والكشف عن النواقص والأخطاء والفساد والظلم أو مصادرة الحريات العامة والتجاوز الفظ الجاري على حقوق الإنسان والضغط المتواصل على الرئاسة ومجلس النواب والحكومة للاستجابة لمطالب الناس والتي ستسهم في تعزيز العلاقة مع فئات المجتمع من خلال النجاح بتحقيق مطالبها.
11 . تنشيط الإعلام الديمقراطي المشترك في محاولة لتأسيس قناة فضائية تتوجه للداخل والخارج, إضافة إلى تأسيس إذاعة وصحيفة نشطة في ما تنشره من معلومات حيوية وحديثة, وكذلك إصدار الكراسات الفكرية والسياسية وفي مختلف المجالات الضرورية.
12 . إن أهم ما في العمل السياسي والإعلامي هو وضع سياسة بديلة لسياسة الحكومة في المجالات السياسية, ومنها الأمنية, والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية شريطة أن تكون واقعية وموضوعية وليس أن "تذرع بالجنة", أو المثل الشعبي المعروف "الهور مرگ والزور خواشيگ". والمسألة الأساسية في المجال الاقتصادي تتبلور في وضع إستراتيجية للتنمية الاقتصادية والبشرية والتصنيع وتحديث الزراعة وعقلنة وتنظيم التجارة ووضعها في خدمة التنمية وتحسين الخدمات ومكافحة البطالة والفقر في المجتمع ووضع نظام ضمان اجتماعي وصحي وسياسة مالية ونقدية ومصرفية متقدمة, والدعوة إلى تطوير جميع القطاعات الاقتنصادية وخاصة القطاع العام والخاص والمختلط والتعاوني والأجنبي, وكذلك إيلاء أكبر الاهتمام للقطاع النفطي مع تأكيد ضرورة وأهمية تغيير بنية الاقتصاد العراقي المتخلفة والمكشوفة على الخارج لصالح بناء اقتصاد وطني ديناميكي ينمي الوحدة العضوية النشطة في بنيته الداخلية.
13 . ولا بد للقوى الديمقراطية أن تعي بأن عمليتين مهمتين يفترض أن تسيرا جنباً إلى جنب, وهما:
أ‌. التصنيع وتحديث الزراعة وتطوير العلوم والتكنولوجيا وتطويع التقنيات بما يتناغم مع واقع وإمكانيات وحاجات البلاد.
ب‌. تحرير عقل الإنسان من تأثير المؤسسة الدينة والغيبيات, وجعله عقلاً علمياً فاعلاً ومبادراً ومنتجاً.
إذ كلاهما يلعب دوره المباشر في تأمين نشوء أرضية واقعية وموضوعية للمجتمع المدني الديمقراطي وللدولة الاتحادية المستقلة عن الدين. وبدون ذلك يصعب تصور وجود إمكانية لحقيق التقدم والتطور في البلاد.
14 . الأهمية البالغة لخوض صراع فكري هادف ومدروس ضد الأفكار البالية والرجعية والخرافات والأساطير المعرقلة لتطور المجتمع وتقدمه ومن أجل التنوير الاجتماعي والديني ولصالح ان يكون شعار العراق الدائم واثابت هو "الدين لله والوطن للجميع".
15 . تطوير موقف واضح من المؤسسات الدستورية كمجلس الوزراء ومجلس النواب والقضاء ... الخ, وطرح مشروع لتعديل الدستور العراقي في أهم جوانبه التي تستوجب التعديل وإزالة النواقص والسلبيات التي يعاني منها الآن والتي برزت في الواقع العملي خلال فترة السنوات الخمس المنصرمة, إضافة غلى تطوير الرقابة والمتابعة الشعبية لدور معمل هذه المؤسسات الدستورية.
16 . طرح مشروع واضح وهادف يلخص سبل مكافحة الفساد المالي والإداري ومكافحة الطائفية السياسية وضد معاداة أتباع الأديان الأخرى أو الصراعات المذهبية في العراق, وتكريس مبدأ الاعتراف المتبادل بالآخر.
17 . كما لا بد من تضمين برنامج النضال الوطني قسماً خاصاً بدور ومهمات الجالية العراقية في الشتات العراقي بشكل عام والقوى الديمقراطية واليسارية بشكل خاص في المشاركة في حل المعضلات التي تواجه العراق من جهة, وتبني قضاياهم الملموسة والدفاع عنها من جهة أخرى, وتأمين دورها الملموس في تطوير الإعلام ودعم جهود الإعلام الداخلي.
18 . ولا شك في أن العراق بحاجة ماسة إلى علاقات سياسية واقتصادية وحسن جوار واحترام ومنفعة متبادلتين مع كل دول المنطقة وبعيداً عن التدخل في شؤونها أو السماح لها بالتدخل في الشأن العراقي. وهي عملية ليست سهلة في الظرف الراهن حيث تتحكم الكثير من دول المنطقة والعالم (وخاصة أدوار كل من إيران والسعودية والولايات المتحدة الأمريكية) في الشأن العراقي وتفرض إرادتها عبر قوى داخلية على مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
هذه, كما أرى, هي بعض جوانب ما يفترض أن تعمل من أجله القوى الديمقراطية واليسارية في العراق خلال العقد القادم, وهي مهمات كبيرة لا يمكن أن ينهض بها حزب واحد أو كتلة واحدة, بل يفترض أن تساهم بها كل القوى الديمقراطية واليسارية من مختلف القوميات العراقية ودون تفريط ولو بإنسان واحد, وأتمنى أن نعي جميعاً ذلك ونسعى إلى معالجته لصالح الوحدة الوطنية والجبهة الديمقراطية الضرورية ولصالح تغيير الأوضاع نحو تأكيد مفهوم المواطنة العراقية الحرة والمتساوية وممارسة مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان, والمرأة بشكل خاص, وحقوق القوميات وحقوق أتباع الأديان والمذاهب الدينية والأحزاب السياسية الوطنية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسلام في العراق.
شكراً لحسن انبتاهكم وشكراً لمنظمي اللقاء والحضور الكريم.
ألقيت هذه الأفكار بتاريخ 5/12/2010 في مدينة ميلورن/أستراليا. كاظم حبيب



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن