فقيدنا الفنان المبدع منذر حلمي !

كاظم حبيب
khabib@t-online.de

2010 / 12 / 10

ها نحن نفقد فناناً مسرحياً آخر في الغربة والشتات العراقي بعد وفاة الفنانة العراقية الرائعة والمبدعة زينب والممثل والمخرج المسرحي والأكاديمي الدكتور عوني كرومي, إنه الفنان المسرحي البارز والشعبي منذر حلمي, هذا الفنان الذي لم يحقق حلمه برؤية العراق الذي أحبه وناضل من أجل تحرره من الدكتاتورية والعنصرية والقسوة, من أجل عراق ديمقراطي اتحادي حر ومستقل. لقد كان موت أبا سلام مفاجئاً لنا ولكل من كان على معرفة قريبة به, رغم ما كان يعاني منه. لقد عانى الكثير من المرض العضال الذي ألَّم به منذ سنوات, قاومه طويلاً, انتصر عليه مرات ومرات, ولكن تغلب عليه بعده عن الوطن وتفكيره الدائم به وبالكوارث المتلا حقة التي تعرض لها ولا يزال يعاني منها. لقد اختطفه الموت أخيراً من الأخت الفاضلة السيدة أم سلام, الإنسانة الطيبة, ومن عائلته الصغيرة والكبيرة, منا نحن محبيه ومحبي فنه المسرحي الذي أبدع فيه كلما ارتقى خشبة المسرح, غاب عنا جميعاً إلى حيث لا لقاء بعد اليوم. ولم يبق لنا منه إلا الذكر الطيب والذكريات الغالية والمودة الأخوية والابتسامة الحلوة التي كانت ترتسم على شفتيه ومحياه كلما التقى بصديق أو سمع خبراً مفرحاً أو مزحة من صديق.
كان منذر حلمي (أبا سلام) إنساناً رائعاً, رقيقاً وهادئاً, ومثقفاً رفيع المستوى, نهم القراءة وعميق التعلق بالمعرفة والحداثة, متواضعا وودوداً في علاقاته الإنسانية. كان قليل الكلام, ولكنه حين كان يتحاور مع الأصدقاء ويناقش موضوعات مهمة تمس الوطن والشعب والقوى الديمقراطية, كان يشعر المتحدث معه بحيويته الفائقة في طرح أفكاره وعمق تحليلاته السياسية والاجتماعية وصواب نظرته لما كان يجري في العراق, سواء أكان قبل سقوط الفاشية أم بعد سيطرة الطائفية السياسية على الحكم في البلاد.
عانى الكثير في سنوات الهجرة القسرية البغيظة, وحين وصل إلى جمهورية المانيا الديمقراطية بناء على دعم وتزكية من منظمة التحرير الفلسطينية, عاني الكثير من أجل الحصول على إقامة دائمة, وحين كان تنظيم الحزب الشيوعي العراقي يتدخل لدعمه, يقال له أن جاء بناء على توصية من منظمة التحرير وليس من قبل الحزب الشيوعي. وهكذا عانى الكثير من المماطلة للحصول على تلك الإقامة, ولم يقدروا مكانته الفنية في العراق ومواقفه الفكرية والسياسية التقدمية.
في لقاء معي بعد سقوط جدار برلين ووحدة ألمانيا عاتبني على موقف الحزب الشيوعي منه وعدم دعم موقفه للحصول على إقامة دائمية في ألمانيا الديمقراطية, إذ كان يشعر بتقصير حاصل بحقه في هذا الصدد. وإذ كنت على علم ومعرفة جيدة بقضيته, إذ كنت في حينها مسؤولاً عن تنظيم الخارج للحزب الشيوعي العراقي, أوضحت له موقف الحزب الشيوعي العراقي الداعم والمساند له حينذاك. وأخبرته بأني قد وجهت رسالة رسمية باسم المكتب السياسي للحزب موجهة إلى المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الألماني الموحد حينذاك طالباً منهم منحه إق4امة دائمة وشقة مناسبة للسكن, كما تحدثت معهم مباشرة بشأنه وبشأن حل مشكلة إقامته وسكنه ..الخ, ولكنهم أشاروا إلى انهم يعالجون موضوعه مع منظمة التحرير الفلسطينية. ولم يكن ذلك إلا ذريعة غير منطقية, إذ أن منظمة التحرير قد رشحته بناء على اتفاق مع قيادة الحزب الشيوعي العراقي في سوريا حينذاك. وكم كان رائعاً من العزيز أبو سلام حين تقبل ذلك الشرح بروح ودية طيبة واعتبر النقد الذي وجهه لي غير قائم. وهكذا نشأت علاقة ودية وحميمية بيني وبين العزيز أبي سلام رغم قلة اللقاءات.
بناء على طلبه كنت أرسل له مقالاتي كلها, كان يطالعها ويسجل ملاحظاته عليها, وكان يتصل بي أحياناً عبر الهاتف ليحدثني عن رأيه بهذا المقال أو ذاك ويناقشني على بعض ما جاء في تلك المقالات من أفكار وتحليلات, سواء أكان بتأييد ما جاء فيها وتشجيعي على التركيز على تلك النقاط, أم بطرح بعض الأفكار الجديدة التي فضل لو كان هذا المقال أو ذاك قد تضمنها. وكنا على العموم متفقين في الكثير من الأفكار, سواء أكانت بالنسبة للوضع الراهن في العراق أم بالنسبة إلى الموقف من القوى الديمقراطية واليسارية وسبل خروجها من الوضع الصعب الذي لا تزال تعاني منه. لقد كان يشعر بمخاطر جدية تهدد القوى الديمقراطية واليسارية في العراق, فالقوى الإسلامية السياسية غير ديمقراطية ولا يمكن الثقة بها بأي حال. وكم كان على صواب, إذ ها نحن نتابع مشهد انزلاق المحافظات والحكومةن الاتحادية صوب مصادرة ما هو شكلي من حقوق الإنسان والحريات العامة في البلاد.
حين كنا نلتقي في برلين, ولم تكن لقاءاتنا المشتركة كثيرة, كانت حواراتنا ونقاشاتنا تدور حول أوضاع العراق والقوى الديمقراطية واليسارية, وكان العزيز أبا سلام يحس ببعض المرارة من الضعف الذي تعاني منه هذه القوى الذي اعتبر نفسه جزءاً منها, وهو كذلك, وكان يتمنى لها النهوض والتجديد والحداثة والتقدم والمساهمة بدور أكبر في التغيير الديمقراطي المنشود في العراق يتناسب مع تاريخها الطويل ونضالها المجيد وتضحياتها الغالية.
لقد فقدنا إنساناً نبيلاً وحميماً, فناناً أصيلاً ومبدعاً فذاً وصديقاً صادقاً انتزعته الفاشية البعثية من وطنه الحبيب, من العراق, كما انتزعت الكثير من المثقفين والمثقفات, انتزعته من مسرحه البهيج, المسرح الفني الحديث, ومن بين أخواته وأخوته الممثلاث والممثلين المسرحيين وبقية مثقفي العراق وفرضت عليهم الهجرة البغيضة سنوات طويلة بعضهم لا يزال مستمراً في معاناته من الغربة إلى الآن بسبب أوضاع العراق المعروفة لنا جميعاً. وها هو الموت ينتزعه منا وإلى الأبد!
الذكر الطيب للفنان المبدع والأخ العزيز الأستاذ منذر حلمي والعزاء لعائلته ولأصدقاء الفقيد ولنا نحن الذين عرفناه عن قرب وتعلقنا به وتمتعنا برفقته فترة غير قصيرة. الصبر والسلوان لأم سلوان وبقية افراد العائلة الكريمة.
كاظم حبيب
5/12/2010



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن