لاعلمانية بدون إنسان علماني ...؟

مصطفى حقي

2010 / 9 / 28

هو نداء شعاراتي لن يصل إلى نتيجة لطالما أن النداء يستقبله من هو غريب كل الغربة عن ذلك الشعار الصاخب ، وانه صدى لطرقات مطرقة ثقيلة ، ولكن ليذهب الصوت بعيداً بعيداً وبهدوء مقيت ..؟ فالعلمانية شعار مادي إنساني يواكب العصر بازدهاره العلمي وعدالته الاجتماعية وتقديسه لحرية الفكر والاعتقاد والقوننة المدنية واعتبار الدين شأن خاص والمواطنة مطلب عام والمواطنون في البلد الواحد متساوون في الحقوق والواجبات خارج نطاق الأديان والعصبيات القومية والقبلية والانتماء الأول والأساسي للمواطن العلماني هو الوطن أولاً وأخيراً وتبقى الانتماءات الأخري في الحيز الشخصي الخاص بكل مواطن ، وفي مرتبة الاحترام والتقدير في مجال الفكر والتفكير ولكن خارج نطاق السياسة فالديمقراطية العلمانية ترفد الوطن بمواطنين وفق الانتماء العام الوطن وبعيداً عن تأثيرات الانتماء الخاص الدين والقبيلة والقومية .. وفي ظل القوانين المدنية التي ترسم وتحدد حقوق المواطن وواجباته في قالب عصري لإنسان هذا القرن وضمن رؤيا مستقبلية للعدالة الحضارية ... ولكن هل يفهم العلمانية ومؤثراتها المستقبلية الرائعة إنسان لم يزل يعيش أسير مسلسل عبودي تخلفي منتشياً بحقنة أفيون تاريخية تدفعه إلى عشق العبودية ، والخمول والتوكل حالماً بالحور البواكر ، والغلمان ومنتصب وخارق أبداً يأكل كل ما يشتهيه بمجرد الأماني ، فإذا شاهد دجاجة واشتهاها ، تنتقل إلى مائدته مطبوخة ناضجة تثير الشهية فيلتهمها ثم يرمي بفضلاتها ، والتي تتجمع بقدرة قادر وتعود إلى أصلها دجاجة تمرح ، فعمال التنظيفات لا محل ولا عمل لهم في الجنة ...؟ هكذا مواطن مأسور وبشدة إلى مثل تلك الأحلام الأسطورية لحياة من الخمول والكسل وعدم التفكير حتى في إعداد طعامه ، مما يجعل من الصعب جداً إزالة واستئصال مفرزات الحقنة الأفيونية الأصولية المستشرية في كيان هذا الإنسان الغيبي والمغيب ، وهو لم يزل يتلقى تلك المؤثرات وبشكل خارجي أيضاً عبر المشاهدات البيئية الاجتماعية من مآذن ومساجد ولحى وأقمشة تلف الرؤوس ، وأيد تمد ، ويقبلها الكثير بتوجس ، وخيفة واحترام وكذلك ما يتلقاه من دروس دينية مهولة عبر شيوخ الكتاتيب وصفوف المدارس في مادة الديانة ... وبالأخص تلك المظاهر المثيرة والمؤثرة في مناسبات الوفاة وتوالي الشيوخ بإلقاء خطبهم ومواعظهم في أيام العزاء وخطب الجمعة والتهديد بالويل والثبور وبصوت عالٍ لمن لا يخضع لعبودية وسيطرة إله الدين المهدد دائماً ابتداءً بعذاب القبر وانتهاء في سعير جهنم وشي الأجساد وانطلاق صرخات الألم ... مثل هذا الإنسان المكبوس ضمن قارورة محكمة الإغلاق من التأثر والتأثير مفصولاً عن العالم الخارجي ومؤثراته لا يمكنه حتى التفكير عن ما هية العلمانية والإنسان العلماني وتلك الحرية الحضارية التي يتمتع بها ، بل انه لا يستوعبها وبشكل كلّي وهو تحت تأثير هيمنة شيوخه الأفذاذ الذين زرعوا في كيانه من أن العلمانية تعني الكفر والخروج عن الدين ، وورثهم بكل جدية وهو يفخر بتسمية نفسه وأبنائه بالعبد ومؤتمر بأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر ... طاعة عمياء ، وأقتبس جزء من مقال السيد سيمون خوري ( انه عصر الزهايمر الفكري ) كلمة أخيرة : الفن لايورث ، الثقافة لا تورث ، والحضارة لا تورث ، والعقل لا يورث ، بيد أن النصوص تورث ، والتعصب والكراهية تورث ، والسلطة تورث .إفتحوا باباً للنور ولتتفتح مائة زهرة . مع محبتنا الخالصة حتى للمختلفين معنا .. إنه عصر الزهايمر الفكري ..؟! (انتهى) وحيال تلك الوراثة الفكرية الثقيلة الشاملة هل من أمل للعلمانية بشق طريقها الصعب في مثل هذا الوضع الأصعب ...؟ والقرضاوي يؤكد "وكما أن العلمانية ضد الدستور نصا وروحا، فهي كذلك ضد إرادة الشعب، ضد الدعوة إلى الديمقراطية". ويخلط القرضاوي بين الديمقراطية كعدالة اجتماعية وأخرى كهيمنة دينية على الأديان الأخرى ، لأنه لاتوجد دولة واحدة سكانها مئة بالمئة من دين واحد ، وحكم الأغلبية الدينية على الأقلية منها هي خارج ما يدعيه القرضاوي بالديمقراطية التي يفهمها هو كامتداد لشريعة الغزو الغابرة ، ان الديمقراطية المدنية هي المطلوبة ليتساوى أفراد ذلك الوطن في المواطنة حيث تسود المساواة بين أفراد البلد الواحد دون التعرض للمعتقد الديني الشخصي لهم .. وأقتطع من رد السيد شامل عبد العزيز على قول القرضاوي عبر مقاله المنشور في الحوار ( حوار مع القرضاوي 11) : الانتهازية والتحايل أو ربما الجهل في موقف القرضاوي حول الديمقراطية وحول مفهوم المطلب الشعبي نتعرف عليها من خلال تتبع مواقف الإسلاميين من الديمقراطية التي تدرجت من الرفض الصريح إلى القبول المخاتل والمتحفظ على أهم ركائزها. رفضها مؤسسو حركة الإخوان المسلمين ابتداء من حسن البناء وأبي الأعلى المودودي وسيد قطب وانتهاء بعلي بلحاج الجزائري. كان مجرد التلفظ بها يثير حفيظتهم ويطلق العنان لمخزونهم القروسطي المعادي لها ولكل الحريات. ثم راحوا يستمرئونها بعد أن ضمنوا ولاء جماهير واسعة في مجتمعاتنا. ولكنهم كلهم لا يقبلون من الديمقراطية إلا جانبها الانتخابي الذي يوصلهم إلى السلطة، أما مقومات الديمقراطية الأخرى من حريات مختلفة في الاعتقاد والتعبير والإعلام والفن فهم يستهجنونها ويرفضونها باعتبارها أفكارا وممارسات وافدة بل هي عندهم تشبه بالكفار واليهود والنصارى. وأهم ما يرفضه الإخوان هو فلسفة الديمقراطية كأفكار حديثة قائمة على نسبية الحقيقة وقابلية كل شيء للتطور والتغير، بينما هم يتمسكون بأفكار يرونها مقدسات وثوابت لا يجوز المساس بها .... فأي بؤس هذا الذي يتخبط فيه الفكر الإسلامي عند أكبر ممثليه الذي يوصف بالاعتدال. هل يعني هذا أنه يجب أن يقوم في مصر "ديمقراطية المجتمع المسلم" وديمقراطية المجتمع المسيحي، وديمقراطية خاصة بكل طائفة ومذهب؟ ..... فهل يجهل القرضاوي حقا آليات الممارسة الديمقراطية في البلاد الغربية التي استشهد بها وحصرها في الانتخابات فقط؟ هل يجهل حقا أن أهم أسس الابتكار الغربي العظيم هو العلمانية؟ ( انتهى) ولما كانت الحياة للأفضل ، والشعوب تتقدم وعصر العلم يعري الجهل والجهلاء ، ولا بد للعلمانية أن تتحقق ، فالمسألة مسألة وقت ليس إلاّ...؟



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن