البرلمان والضمانات وأزمة الديمقراطية التي نريدها

إلهامي الميرغني
elhamy55@gmail.com

2010 / 8 / 22

في كل عدة سنوات يقررون مرة أي عضو من الطبقة السائدة سيقوم بقمع وسحق الشعب في البرلمان ، هذا هو الجوهر الحقيقي للبرلمانية البرجوازية ، ليس فقط في الأنظمة الملكية الدستورية ، بل كذلك في الجمهوريات الأوسع ديمقراطية.
لينين ـ الدولة والثورة
يختلف برلمان 2010 عن العديد من الانتخابات البرلمانية السابقة من حيث تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية وأزمة الأحزاب السياسية واشتداد معركة التوريث وغياب تنظيمات الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وسط عشرات الأحزاب العلنية التي تدافع عن استمرار الاستغلال الرأسمالي بدء من الحزب الوطني الحاكم وجماعة الأخوان المسلمين ومرورا بباقي الأحزاب علي اختلاف مسمياتها.
يستمر غياب القوي الاشتراكية والعمالية عن التواجد السياسي الفاعل في الشارع المصري بحيث تحولت قطاعات كثيرة ممن كانوا ينتمون في فترات سابقة للاشتراكية إلي البحث عن التغيير مع البرادعي كمخرج من الأزمة يمكن أن يلتف حوله الناس.وارتفعت الأصوات تطالب الدولة الرأسمالية الاستبدادية بتوفير ضمانات انتخابية وتقديم انتخابات نزيهة.رغم أن الرأسمالية الاستبدادية التابعة هي التي قامت في 2005 بتعديل الدستور وتشديد شروط الانتخابات الرئاسية وإلغاء الإشراف القضائي لتفتح الباب علي المزيد من التزوير والتزييف لإرادة الناخبين. وانقسمت قوي اليسار بين مؤيد ومعارض لخوض المعركة البرلمانية وبين مطالب وصامت عن توفير الضمانات الانتخابية في الانتخابات القادمة.
لقد تحول الاشتراكيين إلي مجرد تابع للتحركات والتوجهات الرأسمالية وغابت من أدبيات اليسار أن البرلمان هو جزء من آلة الدولة الرأسمالية وأداة لقهر الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء والبرجوازية الصغيرة.وأصبح الحديث عن البرلمان والديمقراطية التمثيلية هو منتهي الآمال للكثير ممن ظلوا علي علاقة بما يحدث . لقد نسي الاشتراكيين أن يسألوا أنفسهم ماذا فعل أكثر من 80 نائب لجماعة الأخوان المسلمين في البرلمان وهل نجحوا في تسييد أفكارهم وإصدار قوانين تعبر عن توجهاتهم السياسية أما كانوا مجرد كومبارس يعطي شرعية للرأسمالية الفاقدة للشرعية والتي أخرجت مجموعة من القوانين السيئة السمعة أخرها قانون التأمينات الاجتماعية إضافة لعشرات الاتفاقيات التي تقضي علي السيادة الوطنية وتربط مصر بسلاسل التبعية . هل معارك ضرب الأحذية والمشاجرات والتراشق اللفظي هو الديمقراطية التي نبحث عنها ؟ ماذا فعل نواب الأخوان أمام غالبية الحزب الرأسمالي الحاكم ؟! إن الاشتراكيين بكل تلاوينهم لن يستطيعوا نجاح ربع عدد نواب الأخوان المسلمين ومع ذلك يوجد خلط في موضوع البرلمان ودوره ودور الاشتراكيين بداخله.

إننا نخوض معركة البرلمان من أجل بناء وتطوير مرتكزاتنا وسط الحركة الجماهيرية للعمال والفلاحين وفقراء المدن والقري ، ومن أجل نجاح عدد من رموزنا ليكون عين للطبقة العاملة داخل البرلمان يفضحون سياساته وتشريعاته واتفاقيات الرأسمالية التابعة ، وهم لن يستطيعوا إيقافها ولكنهم يكتفون بالفضح والتشهير. ونجاحهم في هذه المهمة مرتبط بمدي وجود حزب اشتراكي ثوري حقيقي قادر علي الاستفادة من هذه الجهود وضخها في مجري التغيير الشامل نحو المجتمع الاشتراكي .

الاشتراكيون والبرلمان
إن الديمقراطية البرلمانية لم ولن تكون هدف الاشتراكيين المصريين لأن البرلمان جزء من آلة الدولة الرأسمالية ووسيلة للمزيد من القهر الطبقي والاجتماعي للطبقة العاملة وحلفائها. إن هدفنا هو الديمقراطية الشعبية ، ديمقراطية المشاركة من العمال والفلاحين والبرجوازية الصغيرة ، ديمقراطية من أسفل من أصحاب المصلحة لا تتضمن تفويض للممثلين ولكنها تبقي وتستمر كشكل للرقابة الشعبية فأين نحن من هذه الديمقراطية ؟!
إننا أمام مرحلة لا تزال بعيدة كل البعد عن ذلك .نحن لا نملك حزب اشتراكي يعبر عن طموحاتنا ومصالحنا ، نحن لا نملك تنظيمات جماهيرية تعبر عن مصالح العمال والفلاحين وسكان العشوائيات والقري النائية ، نحن لا نملك حركة شعبية حقيقية خارج القاهرة. إذا قضية ضمانات الانتخابات البرلمانية قضية من قضايا النخبة القاهرية أما العمال والفلاحين في أبو طشت وفرشوط وسمالوط وفي دكرنس والباجور ودسوق لا تعرف شيئاً عن هذه الضمانات وهي عازفة عن أي مشاركة وغارقة بالكامل في مناخ الطائفية وحرب رغيف العيش وهذه هي معضلة الديمقراطية الشعبية في مصر.
إننا أمام قيود علي حرية الأحزاب وحرية الصحافة وحرية الاجتماع ، النقابات العمالية مصادرة من الدولة والنقابات المهنية مجمدة والجمعيات الزراعية يسيطر عليها رموز الحزب الوطني والجمعيات الأهلية مقسمة بين الأخوان والجمعية الشرعية من ناحية والكنيسة القبطية من ناحية أخري ، والمؤسسات الدينية كالأزهر ودار الإفتاء ومجمع البحوث الإسلامية والكنيسة القبطية والمجلس الملي كلها خاضعة لسيطرة الحكومة وتوجهاتها توظفها لخدمة رموزها.
لازالت العملية الانتخابية خاضعة للسيطرة الطائفية والقبلية سواء من الحكومة أو الأخوان المسلمين وكذلك من الأحزاب التي تلعب علي العصبيات القبلية والنعرات الطائفية.
لذلك فإن الضمانات لا توجد قوي تدافع عنها والإشراف القضائي أو غيابه ليس مطلب للطبقات الشعبية البعيدة والمبعدة عن المشاركة السياسية.

الديمقراطية الشعبية
إننا نناضل من اجل نوع مختلف من الديمقراطية قائم علي الوعي الطبقي الذي لاتزال مراحله جنينية رغم كل الاحتجاجات التي نشهدها ورغم مئات المعتصمين علي سور مجلس الشعب. إننا بحاجة لبناء نقابات مستقلة عمالية ومهنية مثل نقابة الضرائب العقارية وتجمع أطباء بلا حقوق وحركة صوت التمريض واتحاد المعلمين المصريين وحركة الدفاع عن فلاحي الإصلاح الزراعي . إن هذه التنظيمات لازالت جنينية وفي مراحلها الأولي ولكنها طريقنا الوحيد لانتزاع تنظيماتنا المستقلة كخطوة نحو تحقيق الديمقراطية الشعبية .
إننا بحاجة لديمقراطية المشاركة في كل مواقع العمل والإنتاج في المصانع والشركات والأحياء الشعبية والقرى ، ديمقراطية ليس بها تفويض وبها رقابة مستمرة ومحاسبة دورية من الجمعية العمومية . هذه هي الديمقراطية التي يجب أن ندافع عنها.
نريد لجان للرقابة علي جودة الخدمات في التعليم والصحة والرقابة علي مرافق الكهرباء والمياه والغاز نريد روابط للفلاحين وروابط للدفاع عن مياه الري في الريف ومياه الشرب في كل مصر.
نريد تثقيف واسع وبوسائل متنوعة لمختلف الشرائح والفئات الاجتماعية المستهدفة لحركة التغيير الطبقي في مصر .لكي يتملك أصحاب المصلحة الوعي الطبقي اللازم لحثهم علي تنظيم صفوفهم وفق مستوي وعيهم ونضج حركتهم. لا نريد فرض أشكال علي الناس ولكن لندع ألف زهرة تتفتح علي طريق ديمقراطية الكادحين.

إن الضمانات الانتخابية والإشراف القضائي والرقابة الدولية لن يستجيب لها النظام الاستبدادي مالم تكن مدعومة بقوي حقيقية تساندها وتدافع عنها قوي من كل مصر وليست مجرد عشرات في القاهرة . لنجعل من انتخابات البرلمان القادمة خطوة نحو بناء تنظيمات شعبية حقيقية تتطور في المستقبل لتبني حزب العمال الحقيقي وتفرض ديمقراطيتها وعدالتها علي الجميع . من هنا نبدأ.

إلهامي الميرغني



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن