من الوعد .. إلى الوعيد!

محمد السهلي

2010 / 8 / 5

وضع الرئيس الأميركي النقاط على الحروف في قاموس السياسة الخارجية لواشنطن وأعطاها صورتها الواقعية بعيدا عن دوي التصفيق الذي اشتعل عند استقبال خطابه الشهير في القاهرة.
تجلى ذلك بوضوح في رسالته الشفهية التي نقلها مبعوثه ميتشل إلى الفريق الفلسطيني المفاوض (21/7/2010) وقد تضمنت إنذارا سافرا وتهديدا بيّنا باتخاذ إجراءات عقابية في حال لم يستجب الجانب الفلسطيني إلى القرار الأميركي ويلتحق بالمفاوضات المباشرة من دون شروط.
وألحقت الإدارة الأميركية قرارها هذا بعوامل «مساعدة» عربية ودولية هدفها الحقيقي إغلاق دائرة الضغط على الفلسطينيين ووضعهم أمام مسرب واحد فقط لا يفتح سوى على هذه المفاوضات ، متجاهلة جدول الأعمال التي ساهمت هي بوضعه على أجندة المفاوضات غير المباشرة واكتفت بعامل مرور الوقت كإنجاز بحد ذاته.
فهل تجد الحالة الفلسطينية نفسها أمام تكرار السيناريو الذي نفذ قبيل المفاوضات غير المباشرة وأصبحت طاولة التفاوض المباشر جاهزة بالفعل؟
كما هو متوقع، فشلت الفلسفة التفاوضية التي اعتمدها الفريق الفلسطيني المفاوض في أن تحقق أي من أهدافها بعد أن تم ترويج مقولة إعطاء الفرصة للجهود الأميركية بشأن التسوية السياسية للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني وبأن من شأن هذا الموقف المعتمد أن يضع حكومة نتنياهو في زاوية ضيقة باعتبار أنها هي التي عطلت هذه الجهود ووضعت العصي في عجلة التسوية. وازدادت القناعة بصحة هذه الفلسفة لدى معتنقيها مع بوادر التجاذبات بين واشنطن وتل أبيب حول موضوعة الاستيطان في الضفة الفلسطينية والقدس.
إن أبرز عناصر الفشل الحاصل يتعلق أولا بالقراءة الخاطئة لمستوى هذه التجاذبات وآفاقها وقد نبهنا قي حينه إلى أن هذه التجاذبات سيجري احتواؤها من قبل الجانبين الأميركي والإسرائيلي ربطا بمساحة التقاطعات الواسعة في سياسة البلدين وخاصة أن قوى الضغط في الولايات المتحدة دخلت على خط تهدئة هذه التجاذبات ودفعت باتجاه تحويل الضغط نحو الجانب الفلسطيني بعد أن اكتفت بالإعلان الإسرائيلي اللفظي حول التجميد المؤقت للاستيطان لتصل الأمور إلى حد اعتبار المطالب الفلسطينية بشأن الاستيطان ومرجعية المفاوضات مجرد عوائق مصطنعة أمام انطلاق المفاوضات غير المباشرة وهو ما صرحت به علنا وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون.
وفي الوقت الذي تمسكت فيه الجانب الإسرائيلي بمواقفه، بدأ الفريق الفلسطيني المفاوض سلسلة تراجعات عن مطالبه وقبل الدخول إلى المفاوضات غير المباشرة ضمن جدول أعمال معوم في إطار ملفي الحدود والأمن، مع الإدراك المسبق لدى الجميع بأن نتنياهو لن يدخل فعليا في هذه المفاوضات مشددا على أنه لن يناقش أية قضية رئيسية من قضايا الصراع سوى على مائدة التفاوض المباشر. لذلك، اكتفى بالاستماع إلى التساؤلات والاقتراحات الفلسطينية التي قدمت إلى المبعوث الأميركي ميتشل دون أن يكلف نفسه بتقديم رد أو إيضاح وترك المفاوض الفلسطيني يتحدث إلى نفسه فيما لم يمارس ميتشل أي دور باستثناء ما يمكن أن يمثله ساعي البريد ضاربا بعرض الحائط بتعهدات واشنطن وعلى لسانه بأنها ستبذل جهودا من أجل تحقيق تقدم في المفاوضات غير المباشرة.
وزاد سوء الأداء السياسي للفريق الفلسطيني الطين بلة فاكتفى بالشكوى أمام مسلسل الاعتداءات الإسرائيلية إن كان لجهة استمرار الاستيطان في القدس وغيره وهدم منازل الفلسطينيين واستصدار القوانين العنصرية، في الوقت الذي كان يجب أن يعلن الخروج من هذه المفاوضات وعدم التراجع عن القرار الذي اتخذه بهذا الخصوص بعد الإعلان عن العطاءات الاستيطانية في القدس وقد جرى هذا التراجع بناء على طلب أميركي لم يستند إلى أي تعهد إسرائيلي لمنع تكرار ما جرى.
على ذلك، وبسبب هذا الأداء، كانت الحكومة الإسرائيلية تجد نفسها في حل من التعهدات الجدية وهي تتوقع في كل محطة من محطات التفاوض نقلة تراجعية أخرى من الجانب الفلسطيني كما عودها في التجارب السابقة منذ أكثر من تسعة عشر عاما.
وفيما تحاول الإدارة الأميركية الحالية تقديم نفسها كأفضل إدارة تناصر الحقوق الفلسطينية إلا أنها في الحقيقة لا تختلف عن سابقاتها وخاصة من زاوية النظر إلى موضوعة الصراع في الشرق الأوسط باعتباره ملفا إشكاليا تجد نفسها مضطرة للتعامل معه للولوج إلى ملفات إقليمية أخرى تحتاج فيها إلى تجنيد مواقف عربية لصالح تحقيق إستراتيجيتها في المنطقة. لذلك ومن هذه الزاوية تحديدا تجد نفسها بحاجة إلى مشهد المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في إيحاء زائف لمن يهمه الأمر بأن الصراع يمضي على سكة الحل المرتقب، وهذا المشهد يحتاج إلى حضور الجانب الفلسطيني إلى مائدة التفاوض حتى يكون المشهد مقنعا.
ولقد فعلت مثل هذا إدارة بوش الابن بولايتيها المتعاقبتين ولا تفعل إدارة أوباما هنا سوى تكرار هذه التجربة بغض النظر عما تحاول تسويقه أمام الفلسطينيين والعرب من أنها أكثر إدارة أميركية منصفة لحقوقهم منذ عقدين. وإذا كان هناك بعض الفلسطينيين والعرب قد أُخذ بمعسول الكلام واللهجة الدافئة التي استخدمها الرئيس أوباما في محطات عدة فإن ما يجري الآن يكشف شكل سافر إلى أي حد قد اخطأ هؤلاء، وعندما تقع مثل هذه الأخطاء في عالم السياسة فإنها توقع ضحايا وتفتح على ضياع الحقوق.
ولا ينفع هنا الحديث عن انقلاب وقع في السياسة الأميركية أو محاولة الفصل بين هذه السياسة وما يسمى مواقف أوباما لأن المنطق يقول أننا نتعامل مع مصدر واحد ينتج هذه السياسة هو المصلحة الأميركية العليا وهي وحدها تشكل البوصلة التي توجه سياسات الإدارات الأميركية وليس اعتبارات مصلحية أخرى تتعلق بشعب من الشعوب وفي الطليعة هنا شعبنا الفلسطيني وحقوقه الوطنية.
ونعتقد هنا أن المشكلة الأساسية فيما يسمى الفلسفة التفاوضية لدى الجانب الفلسطيني أنها تستند إلى تقييم خاطئ للعلاقات الفلسطينية ـ الأميركية فتعاملت مع وعود واشنطن كمصدر من مصادر القوة يمكن أن يشفع لها أمام الاختلال الشاسع في موازين القوى مع الاحتلال الإسرائيلي، في الوقت الذي تتم فيه إدارت الظهر للمصدر الأساسي لما يمكن أن يتوافر من القوة الفلسطينية ونقصد بذلك العامل الذاتي وإن كان يعيش في أضعف حالاته ربطا بواقع الانقسام المتفاقم. ومع ذلك لا يوجد سبيل أخر سوى تقويم هذا الوضع بالعودة إلى مكونات الحالة الفلسطينية السياسية والاجتماعية وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية في اتخاذ القرارات وخاصة تلك التي تتصل بالمصلحة الفلسطينية العليا وأصبح من الضروري العودة إلى المجلس المركزي الفلسطيني واللجنة التنفيذية لتقييم التجربة الفاشلة والخروج بقرارات جماعية تفتح أمام الخيارات الوطنية للشعب الفلسطيني وحركته السياسية.
وحتى لا نقع في وهم المبالغة نود التأكيد أن ما يجب إصلاحه في إطار هذه المؤسسات يتعلق بأمرين متكاملين يتصل الأول بآليات اتخاذ القرار الوطني وإسناده إلى القواسم الوطنية المشتركة، فيما يتعلق الآخر باحترام هذه القرارات وعدم خرقها وإدارة الظهر لها كما حصل ويحصل في كثير من المحطات الوطنية والمفصلية التي مر بها العمل الوطني الفلسطيني وخاصة منذ بدء مسلسل المفاوضات (الدوامة) قبل نحو عقدين من الزمن.
من غير ذلك سينتقل الوضع الفلسطيني من سيء إلى أسوء وتزداد الخطورة على الحقوق الوطنية وتفتح الباب أمام مشاريع تصفيتها.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن