الوعي البائس للمثقف المتكيف

فاضل سوداني

2002 / 7 / 25

                                     

                                          ( البحث عن الفردوس المفقود في منفى الثقافة  ) 

                                                                                   د. فاضل سوداني

                                                                                مخرج وباحث مسرحي

soudani_@maktoob.com

البلاد أمست ظلاما                                                                            

صارت ملأى بالظلال ،

فمن ذا الذي رأى إنسانا

تملكه الخوف ، يعيش بسلام .

لاتدع أصدقائك الذين اصطحبوك ،

 ينتظرون عند سفح الجبل.

لاتدع الام التي ولدتك  تقذف الى ساح المدينة  (  شاعر سومري   )

 

ينبئنا هذا  الشاعر (من السلف  المبارك القديم) الذي عاش قبل آلافية الثالثة  قبل الميلاد  ،عن الخراب الذي عم بلاد سومر  ، فحفر   الخوف في روح الانسان السومري . انه يحدثنا عن فلسفة هذا الخوف  بطريقة وكأنه يحذر  المثقف العراقي والعربي المعاصر ويؤشر مهماته ومواقفه التي  تساهم في إنتاج تلك الثقافة الانسانية  الفعالة التي  تحدد مستقبل  ومصير الانسان والامة والمدينة . وكأن هذا الشاعر السومري  يتحدث  عن  التكيف السلبي للمثقف الذي يؤصل  الخوف  ، عندما يخون مثل هذا المثقف  ذاته ومهماته التاريخية ويتكيف مع المشروع السلطوي الاستثنائي . ان تعميم الخوف في المجتمع وشعور الانسان ببؤس ثقافته   يتحقق عندما يتخلى  المثقف عن حصانته الداخلية ودوره التاريخي فيعم الخواء في روح الامة .  

 وضمن أهمية  هذا الدور  لا يكون  من المنطقي  مناقشة الواقع الثقافي العراقي او  العربي  وفعالية المثقف في تطويره ، سواء كان ذلك في مغتربه  او في وطنه ، مالم يأخذ بالاعتبار أهمية  الدور التاريخي للمثقف غير المتكيف  ومهماته الا بداعية خارج منطق التكيّف بمفهومه السياسي والاجتماعي . حيث ينشأ التكيّف ويصبح جزءا من  عمليات التخريب الاجتماعي  والثقافي  في مرحلة البناء السلبي للتاريخ الاستثنائي فقط  عندما يكون هنالك خواء فكري يميز فعاليات الانسان  الحياتية والفكرية ، وسكونية  التطور الاجتماعي

، واعني مرحلة التطور السلبي الذي يكون فيه الانسان بشكل عام و المثقف المتفاعل  بالذات غريبا عن واقعه ومجتمعه  ولايعطى الحق في كتابة تاريخه  وتاريخ أمته . وبالرغم من ان  هذا يعد  تاريخا ايضا ، الا انه تاريخ  سلبي ضد  منطقية التطور البنائي   .

فالتكيّف هو الموقف السلبي للمثقف المتساهل مع ذاته وتاريخ كينونته ، لا ن مثل هذا المثقف هو الذي تفوح منه رائحة  خبيثة ( حسب  ميشيل غيلدرود ) بل تكيف نتن  نتيجة لموقفه المتصدئ  . وبمعنى آخر ان مثل هذا المثقف المتكيّف لا يؤثر في تطوير العملية الفكرية بمسارها الديالكتيكي في مجتمعه  إلا سلبا . لانه يتخلى عن دوره  ووجوده  الفاعل  وهذا يمنحه خيانة وخوفا من السياسي الاستثنائي( الذي يتلصص على المرحلة التاريخية للانقضاض على السلطة بمساعدة الوسائل غير الشرعية )   وبهذا فان المثقف  هنا يتحول الى أداة في آلية السلطة الاستثنائية تاريخيا وآنيا  ، ويكون مستعدا للمساهمة  في برامجها  لتهيئة الظروف التي تخلق عدمية الثقافة والفن ، والمساهمة في تهيئة ظروف اجتماعية أخرى  تعمم مجانية  العنف وتعيد الغرائز  المتوحشة في روح الانسان لتاخذ الأ ولوية  في سلوكه ، ويكون هذا واضحا  في الا نظمة الشمولية والدكتاتورية  . اما بالنسبة الى التطور  الاجتماعي والفكري العام  فان التكيّف الفردي والاجتماعي  لا يساهم   بالتطور الاجتماعي الطبيعي ، بل يغرق المجتمع والانسان في الاستثناء السكوني الحياتي اللا ديناميكي .

 ان المثقف المتفاعل غير المتكيف صاحب ( الحضور المكثف والوجود الصرف تاريخيا ) هو الذي يؤثر  كذات مبدعة  في العمليات الفكرية والاجتماعية  التي لابد أن تتطور ضمن المفهوم العام للتطور الديناميكي ، وبهذا فانه يؤثر إيجابيا ، وهذه  الإيجابية  هي التي تمنع الظروف التي تساهم في تشكيل  عدمية  الفكر والثقافة او اغتراب المثقف ( في فترة ما ) . بالرغم من ان الاغتراب مرتبط تاريخيا وفلسفيا منذ  نشوء قلق المجتمع والذات ، اضافة الى وجود   اسباب اخرى لتعميمه  .

فالابداع هو القادر على تعميق انسجام المثقف لذاته  ،والموت القسري والمجاني والاضطهاد والحروب المدمرة اللامجدية في المجتمعات اللاديمقراطية التي تشكل منفى المثقف الداخلي   ، تتناقض مع الوعي  والنبل الانساني لشهود العيان من المفكرين والفنانين ، وتتناقض أيضا مع ( اجبارهم ) قبولهم او تبريرهم لعنف السياسة  المرعوبة عموما من عدم  استيعاب الروح الديمقراطية . فالمثقف المبدع والمتفاعل  إضافة إلى طموحه في المساهمة بتغيير الواقع ، فان حدوده الخيال الجامح والإدراك  الجمالي وانعكاسه في التعامل

مع الحياة وأشيائها معتمدا على وعيه المتميز ، لذلك فهو  يضع مشاكل وأزمات وفلسفات مجتمعه وعصره علىراحة يده ويسير مفتونا ، حالما وحريصا   ، عندها يعدونه اما مجنونا او شاعرا  لاهيا . وما رفضه لزيف الواقع الاستثنائي المشحون بالشرور ، إلا تأكيدا  لانسجام وعيه الفكري والفني . ويُعد موقفا ومشروعا حياتيا وتاريخيا يشرف الحياة القصيرة التي يعيشها الانسان عادة  .

اما المثقف في المنفى فانه يتعرض للتشويه  المدمر للذات نتيجة لمعايشتها جحيم الخراب الذي يزدهر عندما يُقتلع  ـ لاسباب وظروف كثيرة ـ من منبع وعيه ، من المكان الاول ..البيت الاول  من الباب ودكته الاولى .. الوطن الاول  . ويقذف تائها في  حفريات  نفي الروح والفكر واللغة والاخلاق وفي الهوة المظلمة من ذلك  العالم الغريب ، عالم المتاهة والآلية والعواطف المبتسرة ،المتجردة والملَتبسة  في غربة لانهائية مادام قد تعود عليها ، وفي زمن المنفى الذي يمتلك القدرة على محو  آلية  الذاكرة اللا إرادية ، ذاكرة الماضي ذلك الخزين الماضوي الذي يشكل أساس الحصانة الداخلية للمثقف ، لان المنفى بطبيعته يفرض اختلاط  الازمنة بل ان آنية المنفى ( وخاصة في البلدان  المتطورة والتي تعاني الاغتراب التكنولوجي)   تحتم التخلي عن هذه الحصانه الذاتية  أي الذات في وجودها الماضوي  .  فيبدأ التوهان الحقيقي  والاضمحلال في قدرات دور المثقف الابداعي    قياسا لدوره الحقيقي الذي يمكن ان يلعبه وهو في وطنه،  مثل  امكانية المساهمة في  تأسيس تاريخه وتاريخ امته  عندما يمتلك مسؤلية  سن طرائق الفكر والثقافة في مجتمعه . (  ولا ننسى حساسية  المثقف في المنفى  عندما يواجه بحقيقة  التأكيد على خواء  المنفى واعتباره زمنا سلبيا ، بالرغم من ان هذا الزمن  السلبي  يمنح  إمكانية ممارسة المثقف لحرية محدودة ، و يجب ان تنسجم مع القوانين  الغريبة عنه في المجتمع الجديد   ) ..لانه  "كالطير الضائع عن عشه كذلك الانسان الضائع عن مسقط رأسه ". كما يقول شكسبير .

ومن جانب آخر  فان المقدمات والظروف الاستثنائية التي لا تمتلك شرعيتها التاريخية والتي تبرر العبث بمصير الانسان من اجل تخريب الفكر الانساني ، لا يمكن ان تنسجم مع فكر الفنان ( المثقف = منتج الثقافة المبدعة   ) الذي يدعو الى الخير والجمال  ،  وسيرفضها حتما بمجمل ظروفها المختلفة   .

ومن خلال هذا التناقض بين نقاء ونبل ذات الفنان ، ودفعه لتبني تشويه جميع الحقائق التاريخية قديما وحديثا ـ أي  التناقض والقلق المبرر  بين إلتزام  حكمة العالم  جاليلو ووعيه بالحقيقة  التي من خلالها يريد ان يضيف شمسا جديدة الى نور الكون  ،  وبين التزام الصمت على دموية الدكتاتور ، الجنرال المقدس اوالامبراطور  كاليجولا ـ يكتشف المثقف بأنه يعيش حالة من اللا إنسجام ، او الغربة القاسية والمنفى الداخلى وهو مازال في   وطنه  . وهذا  هو أيضا  منفى للثقافة والفكر واللغة في وطنها . 

سلطة المثقف المتكيف وسكونية التطور الاجتماعي

ان أي توقف لعملية تطوير الثقافة والفكر هو استثناء تاريخي على شتى الأصعدة ، ولهذا فان  الكثير من البلدان غير الديمقراطية  يشكل ديالكتيك  الثقافة  الحرة  خطورة على أنظمتها ،  لان  الثقافة في مثل هذه الظروف   تصبح استثناء  فوقيا  مما يؤدي الى انحراف في مسار التطور الثقافي والاجتماعي. والخطورة تكون أعظم  اذا كانت الأمية  تشكل نسبة كبيرة في  المجتمع ، كما هو الحال مع الإحصائيات المفاجئة  والمرعبة  لليونسكو عن الأمية في الدول العربية  (65 مليون أمي ، أي أكثر من 43  %  من السكان وجلهم   من النساء ، اضافة الى  ان  هنالك 900 مليون امي ينتشرون  في العالم   ) وإذا أضيف الى هذا لامبالاة  وتساهل المثقف مع ذاته  ومع تطورات الواقع المحيط به وخيانتة  لمهمته ودوره  التاريخي ، فبالتأكيد ستكون النتائج اكثر تشائما  بل خطرة الى حد فضيع   . لان الثقافة في مثل هذه الظروف  اما ان تكون عدمية لهروب المثقف  من التعبير عن حقيقة الواقع وعدم ممارسة الفكر الذي يؤمن به  ، او انها تتحول الى ثقافة فوق الواقع ليس لها مؤثرها  في التغيير الفعال ، فتتجذر السكونية في التطور الاجتماعي والثقافي  وفي الذات الفردية  .

ان الهدف من خلق سكونية  مثل هذا الواقع وتهيئة ظروفه ، هو الخوف من  تأثير الثقافة ، وإلغاء  دور المثقف المتفاعل غير المتكيف  الذي يتناقض بالضرورة مع السلطة الاستثنائية  . فيكون أمامه مفترق  طرق يشكل سببا لخلق تراجيديا المثقف  وغربته  مع مجتمعه ويشكل أيضا منفى الثقافة  :

1)  أما أن ينسجم المثقف مع هذه السلطة مداراة لمصلحتة الانانية الفردية او الطبقية ويخون ذاته  . او

 2) الانغلاق على الذات والضياع في متاهات الصمت اوالتباس الوضوح  . او

3) خيانة الذات والموقف التاريخي فيتحول الى تاجر للخردوات  ليعيش الكذب والزيف ، ويصاب بشيزوفرينيا الذات الفنية ، ويفقد الانسجام مع ذاته  فتلتبس عليه  اسرار الوعي والمعرفة   . او

4) يبتعد عن المساهمة في بناء العمليات  الاجتماعية ـ الفكرية  في وطنه ويفضل المنفى ، ابتغاء   لتفرد الموقف  وحرية الابداع خوفاً من أن يربطونه  بحجر الرحى  ويقذف في أحد الانهار العربية  المذكورة في الكتب المقدسة فيضيع قضاءا وقدرا .

 اذن اما التكيف الفكري في وطنه ضمن ظروف السلطة الاستثنائية التي تفرضها المافيا الدكتاتورية ، او صراعات الرأسمال العالمي الذي يبرمج الحروب المجانية المعاصرة  او التكيف ضمن شروط  المنفى . اما الطريق الآخر أي طريق انسجام المثقف مع ذاته ودوره التاريخي  فهو الطريق الأشق لكنه  الوحيد لانقاذ الوعي  الحر المشاكس الذي  يمتلك ضرورته  للمثقف الفعال غير المتكيف  .

اذن الدقة في تفسير دور المثقف هي حتمية تفرضها المسؤولية الذاتية والاجتماعية  ( فكل خطأ في تفسير دور المثقف يؤدي الى خطأ في تفسير دور الثقافة . ومن هنا يكون من الضروري تبني موقف لتغير الواقع الثقافي وتفسيره كليا ) وعندما يكون هنالك التباس  في موقف المثقف وعدم ضوح هدفه  ، يبدأ الغموض في ابداعه وكذلك التماهي  بدوره التاريخي والحياتي .

فتبرز البلبلة الفكرية ويبدأ استعداد  السلطة الاستثنائية  لسحق المثقف الفعال غير المتكيف  ، او إغراءه وإجباره حتى يتكيف  ليصبح هو ابنها المخلص الذي يكون على استعداد لتنفيذ المشاريع الثقافية والفكرية  ذات الطابع السياسي البوليسي التخريبي ، وبهذا يكون تابعا للسياسي و جزءا من ما كنة السلطة  ، فيمنحونه وسادة الخدر ، ليكون  صاحب  الوعي البائس  بامتياز . وهذا يعني توريط الذات في الوعي  المشوه وتحويل المثقف  إلى إنسان  متكيف مع آلية النظام ومرتكزا صغيرا فيه مستعدا دائما  ليس للمساهمة بعبث السلطة وتشويهها لديناميكية الثقافة تاريخيا  فقط ، وانما العبث  بالقرارات المصيرية وتكيفها لمصلحة النظام التي تنعكس في  ( الحروب العدوانية  غير المجدية مثلا) بحجج قومية ووطنية  ينخدع لها  سريعا ، ويكيفها  ويبرمجها بالتدليس والاحتيال . هذا  المتساهل المعطوب صاحب الرائحة النتنة  يتمظهر لنا كالحرباء  في زحمة القلق المصير ي  .

 وفي مرحلة الخواء الثقافي تنتج  ثقافة  متكيفة  وأدب  فائض وتكتب المطولات الشعرية  الثرثارة لتمجيد مشاريع الدكتاتورية الجديدة والذي سنضطر ان نرمي بها في الزبالة في زمن  توازن الذات وصحوة العقل

ا لعراقي  وانتصاره، وتماسك ذات وروح الامة  .  ولكن  حقيقة الامر هو ان  هذا التجاوز التاريخي يمارس من اجل خدمة الرأسمال المحلي والعالمي ونرجسية ومرض الانفصام والاحلام الاستغلالية والاستيطانية  التي  يعاني منها السياسي المنتفخ والاستثنائي  صاحب القرار الاول  في الظروف الاستثنائية فيعاني منها أيضا المثقف المتكيف في معييته . وبالرغم من ان المثقف هذا يشعر ببؤس وسقوط برنامجه الثقافي نتيجة لخداع السياسي الاستثنائي له الا انه ينجرف عميقا  في تبرير المشروع السلطوي لان  روحه فرغت ، وأصيبت ذاته بشرخ الخوا ء وشيزوفرينيا الجهالة    .

ومن هنا تكمن خطورة الأزمنة الصعبة التي يمر بها المثقف الحر ألان  والإنسان بشكل عام في النظام العالمي الجديد ، حيث يتم خلط اوراق  الدور التاريخي للمثقف ، ومحاولة خلق  الانسجام التام بين هذا الدور وطموحات السلطة الاستثنائية والمشاريع اللاإنسانية  لتضخم  الرأسمال العالمي  .

وبما أن الثقافة والفكر هي عمليات معقدة في تطورها ، لأنها تعتمد على العوامل الذاتية ، أي المفكر والمثقف  وتكوينه الطبقي و الفكري ومدى حساسيته الذاتية إزاء الحقيقة .  وكذلك العوامل الموضوعية ، أي التراكم الكمي والكيفي للتطور الثقافي والفكري تاريخيا  ، فان دور المثقف ومكانة الثقافة في التطور العام يجب ان يكونا أكثر وضوحا . فكل عملية فكرية تحمل في داخلها آليا بذرات تطورها ومواتها ، وفي نقطة التماس هذه يبدأ دور وأهمية القوى الخالقة لهذه العمليات الفكرية ، ومن هنا أيضا  تبدأ  مساهمة المثقف الثوري  الحر  غير المتكيف وذلك الحالم  الذي من خلال  تماسه مع الواقع  وممارسته لدوره التاريخي يخلق  القدرة على تطوير الفكر والثقافة وتحويل  أحلامه الى واقع ، لان ( حقيقة الانسان كامنة في احلامه وخياله ، والرجل الثوري هو المفكر والعالم ، وهو الانسان الذي ينقاد لاحلامه ويسعى الى تغير الوجود )  كما يؤكد يوجين يونسكو.  ولذا فان القهر  المفروض ، وهذه التراجيديا الكابوسية اللعينة ، تدفع بالمثقف المتفاعل غير المتكيف  ان يحمل مصباحه النافذ  ( مصباح ديوجين ) وسط  ظهيرة  الخراب الفكري والاجتماعي الذي يتميز به مجتمعنا بل  عالمنا ، للبحث عن المستحيل ، عن المسكوت عنه ،  عن الحلم عن الخلاص عن الحقيقة ، او عن جذور الخدر والسكونية في روح الإنسان وروح الامة .

حصانة الوعي  في مقا ومة الضياع الفكري

فبالرغم من  وجود المثقف المتفاعل غير المتكيف  في منفاه القسري او الاختياري  هو وجود استثنائي ، إلا انه يشكل وجودا وحضورا آنيا يجب ان يكون فاعلا  أيضا .  وسيساهم وينتج ثقافة منفى لا تكون مقطوعة كليا عن جذر مكوناتها  التاريخية والاجتماعية  الاولى . ولكنها ستخضع وتتكيف مع  تعقيدات ديالكتيك الثقافة في بلد المنفى ،  وتطمح في كل الاحوال ان تكون ذات طابع إنساني شمولي كوسموبوليتي  .

وبالرغم من ان المنفى يفرض تكيفا من نوع آخر له علاقة بوجود المثقف  في مجتمع حر  اجتماعيا وفكريا  يمنح    المثقف المبدع   ( في حدود ضيقة )  حرية الابداع  والتعبير  وشمولية البعد  الفكري المشاكس  ،  إلا ان جميع المسارات تحتم التكيف مع آلية تطور المجتمع الآخر هذا  أي تكيفا تراجيديا احيانا  مع الثقافة  الاخرى  . وهنا تكتسب الحصانة الداخلية الواعية ( ضد التكيّف )  أهمية كبيرة ليس في إبداع الفنان وانما في حياته  أيضا ، حتى يبتعد بفنه  وهو في المنفى  عن "استهلاكية الثقافة واستهلاكية الوعي " .  التي هي في الاساس  مركز الثقافة الاوربية ، وعلى عكس هذا فان جذوة الروح  تخبو ، و تنطفئ شعلة النار التي اختزنها الفنان في روحه ، ويفقد مصباح النور القدسي الذي عثر عليه في أحد دروب الدنيا المليئة بالأسى  ، فيتحول الوعي الفني إلى وعي استهلاكي ، يُخضع  الفن الحقيقي  للهامشية التى تحول الفنون التشكيلية  مثلا الى لوحات  تزين قاعات البنوك ومؤسسات الصيارفة الذين يتحكمون  بمصير المجتمع العالمي  المعاصر.

أولئك التعساء اصحاب الدماء الباردة والضحك الغليظ ، يريدون ان يصلبوا البشرية على صليب من ذهب تحت حراسة البوليس الامريكي و العالمي الذي تنسجم طموحاته وتتشكل احلامه  الوردية من جديد  في هذا النظام العالمي .

إن مشكلة المثقف العراقي والعربي  المبدع تكمن في أهمية مقاومتة للضياع والبلبلة  الفكرية والقمع والاستلاب والاغتراب التي  تحتمها السلطة  في وطنه او مشكلة  آليات حياة المنفى التي يعيشها اختياريا او قسريا  . ومن اجل الوصول الى الوعي الخلاق لتطوير ذاته  وعدم السقوط في شيزوفرينيا الذات والوعي

( حسب إفهومة كيركغارد الفلسفية )  ، عليه ان  يعتمد على تماسك ذاته وصلابتها وبنائها ، أي اختيار ذاته  من جديد والانغمار في الابداع  الحر و المستحيل ورفض  مغامرات السياسي  وحروبه المجانية مهما كان الثمن  ، والوصول الى الحرام في الثقافة والتاريخ والتراث  وتحويلهما الى عناصر فاعلة لخدمة الانسان ثقافيا  ( في مجتمع عربي مهوس بالتعاويذ التي تقود نحو الهاوية  مثلا ) . وإضافة الى حساسيته الذاتية لرؤية الواقع على حقيقته ، عليه ان يمتلك ذائقة الاحساس بالزمن وتاريخية الابداع ، بمعنى ان يتحول ابداعه الى مسؤولية تاريخية . ان زماننا هذا هو زمن المفكر صاحب العقل الديناميكي المسؤؤل الذي يرفض التكيف

  ان  ظروف الكتابة  غير المسؤولة في عالمنا هذا الذي يتحكم به الصيارفة والبوليس السري  تؤكد النظر الى التاريخ ببصيرة جديدة وكذلك فان حساسية المثقف  يجب ان تتلامس مع الازمنة الجديدة ، لان التكيف يخضع كل صنوف الثقافة والفكر للزيف  ، مما يجعلنا حذرين من  شتى الالتباسات الفكرية التي تؤكد لنا يقينيا الان  (بأن كل كتابة سياسية للتاريخ لايمكن إلا ان تؤكد وتعزز عالما بوليسيا . كما ان كل كتابة فكرية لايمكن إلا ان تؤسس أدبا زائفا لا يجرؤ على التصريح باسمه )  من هنا تأتي أهمية عدم تساهل المثقف مع ذاته حتى يصبح فاعلا في وجوده   ، ومؤهلا لحمل صليبه الخاص في دروب  وعرة من اجل خلق او اكتشاف فردوسه المفقود . لان كل الظروف الاستثنائية التي تحيط بالمثقف المفكر والمتفاعل غير المتكيف تشكل مؤامرة خطرة تشده نحو السقوط في هاوية المشاريع الراسمالية العالمية باساليب استيطانها واستحواذها على  الشعوب الضعيفة والفقيرة بدعوى  انقاذها  ، أو السقوط في مشاريع  السلطة الاستثنائية والتي هي سلطة دكتاتورية  شمولية  . ضمن هذا التعقيد للظروف العالمية  الجديدة  تكمن أهمية  المثقف المتفاعل و غير المتكيف وفعاليتة في المسار الصائب لتأثير العملية الابداعية  والجمالية في وعي الانسان  ؟

عدوى المثقف المتكيف .

إن عدوى التكيّف يكمن في القدرة على تخريب الفكر وتشتيت الوعي، لكن السلطة والقوة الذاتية  تأت من  التماسك والوضوح الفكري  وليس العكس . وسلطة المثقف غير المتكيف  تكمن في وعيه بتاريخه وتاريخ الآخر ،وبالتطور الذي يحدث في محيطه ، وصلابة رؤيته المستقبلية ، وعدم التساهل مع ذاته ، بحيث يقف ضد جميع انواع الوصاية السلطوية  الفوقية ، واعني الوصاية الثقافية والاجتماعية والسياسية . وكذلك ضد تقنين الابداع في أطر قد لا تتناسب مع تمرده الواع وطموحه الابداعي  ، ونظرته التاريخية . ومن هذا المنطلق فان المثقف المبدع والفعال يرفض الوعي  البائس ، ويعتبره خيانة للذات  الحقيقية وخداع لها ، عندما يحتم هذا الوعي تفضيل النظرة الضيقة على الرؤيا الشمولية ، وبمعنى آخر تحويل قدرة الوعي والعقل الشموليتان الى أنانية  . فيتحول المبدع من ذاتي عظيم الى أناني بائس .

و انطلاقا من ان المبدعين العظماء هم ذاتيون عظماء ،  فان المثقف المفكر والمبدع غير المتكيّف  كان ومازال ذاتيا في مواقفه وابداعه و يرفض دائما ذلك المثقف المتكيف صاحب الوعي البائس الذي لايملك تمرده الذاتي الحر ، لانه تكيّف  بأنانية مع آلية السلطة البوليسية الاستثنائية  تاريخيا ، ولهذا فانه يبني ذاته هامشيا ، وكل ما ينتجه لا يعدو  كونه فكرا زائفا .

ان المثقف المتكيف وصاحب الوعي البائس هو المتساهل المحصّن دائما بالتبرير الجاهز الذي لايخدم

 الحقيقة . غير ان خواء اية ثقافة وعدم فعاليتها متأتية من خواء روح المثقف بالدرجة الاولى  وعدم تطور الظروف الموضوعية ، وتضخم عبوديته  لمصالحه الانانية  الآنية الصغيرة ،  وهذا يفرض عليه الالتزام  بثقافة تخدم مصالح السلطة الاستثنائية . كل هذا يتطلب التفكير الجدي بطبيعة الثقافة التي يحاول ان ينتجها المثقف المتكيف صاحب الوعي البائس في وطنه او منفاه  ، والتي بالضرورة تتناقض مع تلك الثقافة الفاعلة تاريخيا التي تخضع للتطور الديالكتيكي  المؤثر في الانسان والتي تساهم في بناء  المجتمع وإغناء ذات الانسان وروح الامة   .

                                                                             

                                            كوبنهاغن

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Dr.Fadel Soudani Brøndby  Nordvej  82 .6. 4 - 2605  BRØNDBY – DENMARK          

TLF Fax 45 36757371 Mobail 20954745    e mail : soudani_@maktoob.com

 

 

 



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن