التصدع يتسع في المؤسسة الدينية - والصراع السياسي يزداد ضراوة في ايران

يوسف عزيزي

2002 / 7 / 16

 

 

 


شهدت ايران في الآونة الأخيرة احداثاً من الممكن ان تؤثر علي مستقبل الصراع السياسي الدائر بين التيارين الرئيسين الاصلاحي والمحافظ بل وعلي مصير النظام الاسلامي في ايران.
فقد وصف الرئيس الايراني محمد خاتمي قبل حوالي شهرين وضع المجتمع الايراني بالمضطرب وهدد بالاستقالة من منصبه. وبعد فترة وجيزة اعلن نائب رئيس مجلس الخبراء اية الله ابراهيم اميني وهو شخصية محافظة وعضو بارز في رابطة مدرسي الحوزة الدينية في قم اعلن بأن الحالة الاجتماعية في ايران تقترب من حافة الانفجار.
اما محاضرة الكاتب الاسلامي هاشم آغاجري في مدينة همدان ومن ثم استقالة إمام مدينة اصفهان آية الله طاهري خلال الايام الاخيرة فقد اثارتا ضجة واسعة بين الاوساط السياسية والدينية والفكرية حيث ما زلنا نشعر بهزاتهما الارتدادية علي الساحة السياسية في ايران.
كما شهدت مدينتي طهران واصفهان يوم التاسع من تموز (يوليو) تظاهرات قام بها بضع مئات من طلبة الجامعات بمناسبة الذكري الثالثة للاعتداء علي الحرم الجامعي وذلك علي الرغم من الاجراءات الامنية المشددة والتي اسفرت عن اعتقال العديد من المتظاهرين.

ماذا قال طاهري وآغاجري؟
فقد اخترق آغاجري وهو كاتب اسلامي واستاذ جامعي للتاريخ ليس الخطوط الحمر للنظام الديني في ايران بل الخطوط الحمر في الفكر الشيعي والمؤسسة الشيعية بشكل لم يسبق له مثيل حتي في عهد الشاه السابق. كما رسم آية الله طاهري صورة قاتمة عن الوضع في ايران لم يرسمها بهذا الشكل حتي اشد اعداء الثورة الايرانية.
اهم ما جاء في انتقاد آغاجري لأداء المؤسسة الشيعية الامامية التاريخي والسياسي هو قضية تقليد عامة الناس من مراجع التقليد واصفا المقلدين بـ(القردة). ناهيك عن انتقاده لرجال الدين التقليدين وقتامة تعليماتهم ورجعيتها وكذلك انبثاق ظاهرة رجال الدين السلطويين بعد قيام الثورة الاسلامية والتأثير المخرب لأدلجة الدين واستخدامه لاغراض سياسية في ايران.
ويعتقد المحللون بأن آغاجري لو كان علمانياً او شيوعياً لواجه عقوبة الاعدام بسبب تصريحاته لكن اسلاميته وانتماءه الي عائلة فقدت احد ابنائها في الحرب العراقية ــ الايرانية وكذلك مشاركته هو نفسه في تلك الحرب واصابته بجروح كل هذه العوامل ستخفف عنه العقوبة الصارمة في النهاية. ولا ننسي مساندة الاصلاحيين له خاصة حزب جبهة المشاركة ومنظمة مجاهدي الثورة الاسلامية التي ينتمي اليها ككادر قيادي ومنظر سياسي.
تحتوي رسالة آية الله طاهري امام مدينة اصفهان الموجهة للشعب والتي يعدها بعض فتوي شرعية صادرة عن فقيه مجتهد وجامع الشرايط تحتوي علي أمور عدة يمكن تلخيصها كالتالي:
1 ــ أصل الجمهورية وتداول السلطة والمجتمع المدني المتغافل عنه وكذلك مقتل الحرية ومصلحة الشعب.
2 ــ اتهام القيادة الايرانية بانها سببت للناس (آلاماً مضنية ومعاناة لا تطاق) ودهست زهور الفضيلة ومهدت لأفول القيم وانحطاط المعنويات.
3 ــ التمهيد لانبثاق شريحة ابناء الاغاوات (الذي يرتدي البعض منهم زي رجال الدين) ونهب الاموال العامة وبيت مال المسلمين. ويتهم هؤلاء بانهم يعتبرون بيت مال المسلمين ملكهم المطلق وثروتهم الموروثة ويستند في ذلك الي الآية الشريفة (اذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها).
4 ــ كثرة النواقص والعيوب والعوز والفقر والتمرد والتكاثر والتفاخر والاثراء علي حساب الناس.
5 ــ (المصيبة الكبري) وهي الابتعاد عن الدين ورواج اليأس وخيبة الأمل.
6 ــ البطالة المتفشية والتضخم والفجوة الجهنمية بين الفقر والغناء والتفاوت الطبقي المتزايد والركود الاقتصادي والانخفاض في الدخل القومي والاقتصاد المريض.
7 ــ الفساد الإداري والضعف الشديد في الادارة والنواقص المطردة في البنية السياسية للبلاد.
8 ــ رواج الاختلاس والارتشاء والادمان حيث يشبه كل هذه الامور مجتمعة بـ(السيل المتراكم وراء السد والذي يهدد كيان البلاد وحياة الامة).
9 ــ الرياء وهتك حرمة الناس الخاصة وتصفية الحسابات الشخصية.
10 ــ عدم الالتزام بالقانون ونشاط المؤسسات اللامسؤولة والعصابات المافياوية في البلاد.
11 ــ اضعاف البرلمان ووجود رافعات او ادوات مطلقة غير محدودة تستعمل بشكل مستمر ومدي الحياة وسلطات محصنة غير محاسبة. ويبدو انه يشكك بذلك في صلاحيات ولي الفقية اي مرشد الثورة الايرانية والمؤسسات التابعة له كمجلس صيانة الدستور ومجلس تشخيص مصلحة النظام.
12 ــ بعض السياسات الخارجية غير الناجحة والمؤسسات التجارية والاقتصادية المرئية وغير المرئية التي يملكها رجال في السلطة.
13 ــ الاستفادة من الريع الحكومي وهروب الادمغة الي الخارج والاعتقالات غير المألوفة والضغط علي اصحاب الفكر والمثقفين والمنتقدين وذبح الصحافة وسجن اصحاب الرأي وأهل الصحافة.
14 ــ الصلاحيات غير المعقولة لمجلس صيانة الدستور في اشرافه علي الانتخابات التشريعية والرئاسية.
15 ــ رفض محكمة رجال الدين.
16 ــ شل المحافظين لنشاط الحكومة اي حكومة خاتمي الاصلاحية.
17 ــ النسيج اللامناسب لمجلس تشخيص مصلحة النظام وعدم الاهتمام باصوات الجماهير والتمسك بالقدرة والسلطة واستخدام مرتزقة الاستبداد واصحاب الهراوات غير المهذبين والظالمين لقمع الناس.
وتذكرنا رسالة آية الله طاهري التي هزت اركان النظام برمته برسائل عالم الدين المنشق آية الله المنتظري الي الزعيم الايراني الراحل آية الله الخميني في أواخر الثمانينيات حيث وجه انتقادات لاذعة لأداء الجمهورية الاسلامية تجاه المعارضين والمنتقدين والسجناء السياسيين آنذاك.
وقد كان رد مرشد الثورة الايرانية آية الله علي خامنئي علي رسالة طاهري ردا معتدلا حيث اعترف خامنئي ببعض الانتقادات الواردة في رسالة طاهري خاصة في ما يتعلق بتفشي الفساد الاقتصادي في البلاد. ولهذا الامر اسباب منها عدم رغبة مرشد الثورة في فتح جبهة معادية جديدة في محافظة مهمة كمحافظة أصفهان التي تعتبر قاعدة اساسية لمؤيدي آية الله المنتظري وآية الله طاهري.

الاسباب الاساسية للتصدع في المؤسسة الدينية
أشار الأمين العام لمنظمة الثورة الاسلامية محمد سلامتي في تحليل له حول تجريم المنظمة وكادرها البارز هاشم آغاجري من قبل رابطة مدرسي الحوزة الدينية في قم الي (ان تاريخ الرابطة يظهر انها كانت دوما في خدمة التيار اليميني وهو التيار الذي يؤيد الرأسمالية التجارية).
فهذا معناه ان للصراع السياسي الدائر بين المحافظين والاصلاحيين والتصدع الحاصل في المؤسسة الشيعية في ايران، جذوراً اقتصادية او بالأحري ان الصراع هو بالدرجة الاولي، صراع علي ايرادات النفط ومن الذي يجب ان يملكها.
ونحن نعرف ان المحافظين يهيمنون علي المؤسسات الاقتصادية المفصلية في البلاد كمؤسسة المستضعفين ومؤسسة (آستان قدس) التابعة لضريح الامام الرضا ومؤسسة (امداد الامام) وما شابه ذلك من مؤسسات وشركات اقتصادية عملاقة. ناهيك عن هيمنتهم علي المصادر الاساسية للسلطة والقوة في النظام الاسلامي.
ويبذل الاصلاحيون وبما فيهم رجال الدين المنتمون لهذا التيار والذين يتمتعون بدعم شعبي يبذلون جل جهدهم لتغيير الموازنة في الحكم ليكون لهم حصتهم الاقتصادية وقرارهم السياسي النافذ. غيرانه لم تفلح جميع الجهود الاصلاحية خلال السنوات الخمس الماضية حيث واجهت طرق شبه مسدودة بسبب معارضة التيار اليميني المخالف لاي اصلاح او تغيير.
فالاصلاحيون يخشون من ان فشلهم في قيادة العملية الاصلاحية سيؤدي الي انحسار شعبيتهم في المجتمع الايراني الذي علق امالا كبيرة عليهم في هذا المجال: وهم قلقون من ظهور تيار ثالث يمكن ان يحل مكانهم في قيادة الجماهير الايرانية.

مستقبل الصراع السياسي في ايران
يعتقد العديد من المحللين ان ايران حبلي بالاحداث والمفآجات مستقبلا. فهناك تحديات داخلية وخارجية ستؤثر علي مجري الاحداث في ايران.
فعلي الصعيد الخارجي هناك تهديد الحكومة الامريكية التي وضعت ايران علي قائمة محور الشر حيث تحاول اعادة رسم خريطة الشرق الاوسط خلال الاعوام القليلة القادمة ولا تستثني ايران من هذا الأمر. ولا تخرج رسالة بوش الاخيرة للطلبة الايرانيين الذين قاموا بتظاهرات معارضة للنظام الاسلامي اطراف جامعة طهران يوم الثلاثاء الماضي لا تخرج عن هذا الاطار.
لكن الاهم من ذلك الصراع بين التيارات الداخلية التي ستشتد كلما تقربنا من انتخابات المجالس البلدية والمفروض اجراءها في شباط (فبراير) المقبل.
وفي ظل الاوضاع الداخلية والخارجية المتأزمة يمكننا طرح احتمالات عدة لمستقبل الوضع السياسي في ايران:
أولا: امكانية وصول الاجنحة والتيارات السياسية كافة من محافظة واصلاحية وليبرالية معارضة الي وفاق وطني شامل حيث يتطلب ذلك انعطاف مهم في ارادة المتشددين والمحافظين الذين يسيطرون علي مجلس صيانة الدستور ومجلس تشخيص مصلحة النظام والقوات المسلحة والمؤسسات الاقتصادية المهمة وذلك لمسايرة العملية الاصلاحية في البلاد.
ثانيا: لا يستبعد المحللون في حال عدم حدوث الحالة الاولي ان يستغل الرئيس الايراني السابق هاشمي رفسنجاني الوضع ومنه ضعف زعماء جبهة الاصلاح لايجاد تحالف بين القوي المحافظة بشقيها التقليدي والتحديثي (وهذا يضم رفسنجاني ومؤيديه) للتقارب مع الولايات المتحدة الامريكية وقمع المنظمات الاسلامية ــ الاصلاحية الراديكالية كمنظمة مجاهدي الثورة الاسلامية.
ثالثا: ان تشن الولايات المتحدة الامريكية هجوما عسكريا علي ايران في حال عدم حدوث الشق الثالث. فلا شك ان مثل هذه الحالة ستؤدي الي انهيار السلطة وتقسيم ايران الي دويلات عدة.

جريدة (الزمان) العدد 1261 التاريخ 2002 - 7 - 16




http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن