هذا التوحش الرأسمالي

سعيد مضيه
madhiehs@ymail.com

2010 / 5 / 4

الأمن الإسرائيلي يطرد المتضامنين الأمميين مع الشعب الفلسطيني من الأراضي الفلسطينية . والحكومة الإسرائيلية تهدد بحصار اقتصادي تمنع بموجبه وصول السلع إلى الضفة إذا ما واصل الفلسطينيون سياسة مقاطعة السلع المنتجة بالمستوطنات. وطالب عدد من أعضاء الكنيست إصدار تشريع يمنع نشاط هيئات الدفاع عن حقوق الإنسان في إسرائيل لأنها تستنفر أعمال التنديد بسياسات إسرائيل في الخارج. باختصار الاحتلال متواصل وجرائمه لا تتوقف والمطلوب توقف المعارضة له سواء داخل الأراضي المحتلة او في إسرائيل أو على الصعيد العالمي. الاحتلال الإسرائيلي يمر بأزمة، لأن هيئات ومنظمات تنبري في العالم تندد بإسرائيل وتدمج التضامن مع الشعب الفلسطيني بقضايا التغيير ومواجهة التوحش الرأسمالي. ولا يجد المحتلون الإسرائيليون مخرجا من أزمتهم سوى المزيد من انتهاك الحقوق الإنسانية. تلك آخر ما تفتقت عنه العقلية الاقتلاعية الفاشية المسكونة بحقد بهيمي على الشعب الفلسطيني وعلى كل ضمير حي يتضامن معه. بالطبع تسارع إسرائيل فتؤول توصيف ممارساتها بأنه تحريض، وتطالب بوقف التحريض. وإلى أن يجد المقال طريقه إلى القراء لابد وأن يصدر المزيد والمزيد من إجراءات تكسير المجاديف كي لا يمخر الشعب الفلسطيني عباب الكفاح السلمي المشروع ضد الاحتلال. بل إن الأجهزة لا تخجل من القول بخنوع الشعب الفلسطيني لقدره مع المشروع الصهيوني لولا أعمال التضامن من داخل إسرائيل وعلى الصعيد الكوني. يراد للجماهير الفلسطينية أن تستكين وتواجه مستقبل الاقتلاع والتهجير بصمت وخشوع، وإلا فليواجه التجويع والاعتقالات وحتى الإعدام بدون محاكمة!!
في إسرائيل تستشري الفاشية الوالغة في حقوق الناس الأولية ، سواء داخل دولتها أو على الأراضي المحتلة . توحش اليمين الإسرائيلي الحاكم مظهر لتوحش الرأسمالية، هذا التوحش المثابر على الحروب وتفريخ الصراعات العنفية في أنحاء العالم ونهب جهود العمال وثروات الشعوب. محاولات تجفيف الدعم للمقاومة الفلسطينية يتم بالتفاعل مع الهجوم المضاد للرأسمال العالمي، والذي يميز كل أزمة حادة يتورط فيها. تزداد الرأسمالية المأزومة شراسة وتوحشا ، وتلجا للأساليب الفاشية المطورة؛ حتى أنها تهدد العالم بحرب مدمرة. فقد طلبت الإدارة الأميركية من الكونغرس مبلغ 320 مليون دولار لتمويل صاروخ جديد دقيق التصويب ينطلق بثلاثة أضعاف سرعة الصوت ويمكنه إصابة وتدمير أي نقطة فوق الأرض. يجيء إنذارا للعالم كله الإعلان الأخير (في نيويورك تايمز في يوم 23 نيسان الحالي) عن العمل في أميركا على تطوير منظومة جديدة بديلة لاستخدام السلاح النووي يطلق عليها ـ حسب معلومات وزارة الدفاع الأميركية ـ اسم "صواريخ الضربة العالمية الموجهة". ووصفت المنظومة بأنها «يمكن ان تستخدم لضرب اي هدف على الكرة الأرضية خلال أقل من ساعة واحدة وبدقة مذهلة". فهذا التقدم النوعي في مجال عسكرة القوة الأميركية أخطر وأوسع من أن يعد رداً على إيران وحدها أو استعداداً لمواجهة إيران وبرنامجها النووي. إن نوايا استراتيجية الأمن القومي الأميركية هي تحقيق سيطرة استراتيجية عسكرية على العالم، وربما الشريك في مناطق أخرى لبرنامج إنجاز مشروع الهيمنة الكونية. نفقات التسلح الأميركية تعادل 41% من نفقات التسلح في العالم كله ، وإسرائيل أقوى عسكريا من الدول العربية مجتمعة. وستزداد موازنتها العسكرية هذا العام ؛ ويخطط لزيادة موازنة وزارة الحرب الإسرائيلية هذا العام والعام القادم.

ما بين السياسات الإسرائيلية ونهج اليمين الأصولي الأميركي، المتطلع لفرض الهيمنة الكونية، رابطة عضوية واندماج في المشاريع التكتيكية والاستراتيجية. الولايات المتحدة تملك خطة عالمية شاملة للسيطرة على العالم بأكمله من أدناه إلى أقصاه، من شماله الى جنوبه؛ وإسرائيل، بقيادتها الحالية، تمعن في مساعي الهيمنة على المنطقة المحيطة والقيام بدور الوكيل في المنطقة وربما الشريك في مناطق أخرى في مشروع الهيمنة الكونية.
ومن ظاهرات التطلع للهيمنة الكونية ذلك الصراع بين إدارة اوباما وبنك غولدمان ساكس. الأولى تريد ترشيد نشاط المؤسسات المالية كي لا يحصل انهيار مالي عالمي ، أو لمجرد الخروج من الأزمة الراهنة؛ بينما يصر الثاني على امتلاك حرية النصب والتحايل كي يمتلك القدرة المالية للتربع على قمة الهرم الاقتصادي الكوني. البنك أخطبوط عملاق " يمتص الدماء" حسب تعبير مجلة رولينغ ستون. وهو المتسبب في أزمة اليونان وغيرها من الدول ، أغراها ـ والقول لصحيفة نيويورك تايمزـ بالاقتراض والتحايل على أنظمة الاتحاد الأوروبي حتى بلغت حافة الهاوية ثم تخلى عنها. وبواسطة المخاتلة والمضاربة في البورصات والسندات المالية والقروض أمكنه تجميع أرصدة أغرق بواسطتها البنوك الأخرى . اكثر من منبر إعلامي دمغ باللاأخلاقية تصرفات إدارة البنك. وكان من قبل قد دبر خطة لانهيار الاقتصاد التركي. وقام البنك وما زال يقوم بنضح أموال من بلدان فقيرة وتهريبها لتودع في البنك والبنوك المماثلة. ويقدر حجم خسائر الودائع العربية في الأزمة المالية الأخيرة بمبلغ 33 ألف مليار دولار . فماذا ستفعل لو استثمرت في العالم العربي؟ وهل يبقى فقر العالم العربي وتخلفه لغزا ؟! حجم الأموال المهربة من بلدان إفريقيا فقط خلال الفترة 1970ـ 2008 قدر بمبلغ 1800 مليار دولار ، أو سبعة أضعاف حجم الديون على بلدان القارة . من هذا المبلغ هرب 138 مليار دولار من مصر ،و41 مليارا من المغرب ،و35 مليارا من الجزائر. وخلال الثلث الأول من هذا العام حققت أكبر شركات النفط العالمية ربحا قدره 6,3 مليار دولار؛ هذا بينما يحرم 672 مليون إنسان في العالم من المياه الصالحة للشرب ويشربون المياه الملوثة ، ويعاني القسم الأكبر منهم من الفشل الكلوي والسرطان وأمراض أخرى. هكذا يتجلى التوحش الرأسمالي في الزمن الراهن.
الشركة الأميركية اكسون تزاحم بنك غولدمان ساكس على صدارة الاقتصاد العالمي . التسابق والتزاحم محتدم بين طواغيت الرأسمال،في المحاكم والبرلمانات ومجالس إدارات الشركات عابرة الجنسية والبورصات . الصراعات المحتدمة في الوقت الراهن تُقعِد البرلمانات عن أداء مهامها في المراقبة والكبح، وتضعف مكافحتها لتغول أساطين المال والتحلل من كل وازع خلقي وتقويض التعاضد الاجتماعي. ومن آيات ذلك الجور على الطبقة العاملة وتسريح العمال بالجملة من أجل مضاعفة الأرباح ؛ ومن أدواته أيضا كبح المنافسة والانفراد بممارسة الاحتكار في ميدان النشاط ، أو كما يقال :ط دعه يمر لكن عبر هذا النفق..!!" وهذا ديدن ميكروسوفت في الإليكترونيات، الذي يتحدى وزارة العدل الأميركية ومعها عدد من الفعاليات. وهذا اللهاث خلف الربح الاحتكاري يحظى بمؤازرة اليمين الأميركي القابع داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والذي يحرض على صعيد العالم كله أنشطة تزعزع الاستقرار وتغلق دروب التسوية السلمية للنزاعات؛ ويحرض أيضا قادة إسرائيل على رفض دفع استحقاقات السلام في المنطقة .

منذ صيف العام 1967 تنبأ البروفيسور يشعياهو ليفوفيتش بأن يفسد الاحتلال المجتمع ويجعل إسرائيل "دولة مخابرات ". وتنبأ اوري أفنيري في اوائل السبعينات أن يسفر الشحن العنصري للأطفال من خلال كتبهم عن جلوس أغلبية فاشية عنصرية على مقاعد الكنيست. انكشفت خرافة " الاحتلال المتنور"، وتبينت استحالة حكم شعب أجنبي طوال 43 عاما من دون ملء السجون والمعتقلات ، ومن دون إعدام أناس بلا محاكمة, من دون ترويع حياة نساء وأطفال. و"بغية إدارة الاحتلال ينبغي تنشئة ضباط وجنود مطيعين. من النوع الذي يجلس مرتاحا في المداولات ويعرض أفكارا حول سبل الالتفاف على قضاة المحكمة العليا ’اليساريين‘, وسبل إبعاد الصحافيين المعترضين وكيفية خداع رجال مراقب الدولة. ومن دون متعاونين في المؤسسة، كان يستحيل إنشاء عشرات المستوطنات ’القانونية‘ على ’أراضي الدولة‘ " ، كما أفادت صحيفة إسرائيلية .
ومما لا شك فيه أن تخاذل الموقف العربي واختلالات المقاومة الفلسطينية شكلت عامل إغراء وتشجيع للمحتلين الإسرائيلي ولحماتهم خلف المحيط. نشرت صحيفة " أهرام ويكلي" المصرية مقالة للصحفي الأميركي جيمز زغبي كشفت عواقب تقليد الانتظار العربي. جاء في المقالة " وإذ ينتظر العرب ولا يقومون بأي عمل فإنما يضيعون الوقت ويضيعون فرصة طرح همومهم وتحديد طريق التقدم . والأسوأ من ذلك إذا ما واصلنا سيرة الماضي فسوف يفضي الأمر بنا إلى خيبة. فعندما حزم الرئيس ( باراك اوباما) موقفه حشد نتنياهو حلفاءه الذين وجهوا رسائل من الكونغرس ونشروا صفحات كاملة من الإعلانات بالصحف اليومية تتهم أوباما بتحدى إسرائيل علنا. وخلال ذلك لم تقدم مرافعة واحدة تعكس الموقف الفلسطيني من القدس. اجتمعت الجامعة العربية وانفض اجتماعها ، لكن بدون أية نتيجة تستحق الاهتمام ، وبقي أميركيون كثر مستغربين علام تلك الضجة".
ثم يمضي إلى القول:" تظهر استطلاعات الرأي التي نجريها أن الرأي العام في أميركا يدعم انتهاج سياسية متزنة تجاه الصراع، ويريد حل الدولتين، ويعتقدون أن على الرئيس أن يعتمد سياسة متشددة تجاه الاستيطان المتواصل. وهم يجهلون حجة الفلسطينيين تجاه المستوطنات. كان بالإمكان تثقيف الشعب الأميركي ، وحتى تعبئته مع القضية الفلسطينية ؛ وكان بالإمكان تعزيز موقف إدارة أوباما وتكون الحصيلة أفضل . ولكن نظرا لأن أحدا لم يقدم شيئا ، اكتفى الأميركيون والإسرائيليون بتحديد المواقف، دون أن يقدم العرب شيئا إيجابيا بناءا."
اكتفى العرب بالانتظار؛ واستغل حكام إسرائيل واليمين الأميركي الفرصة للاندفاع الأهوج في طريق مواصلة الاحتلال والتهيئة للاقتلاع والتهجير، ما أثار قلق أصدقاء إسرائيل قبل خصومها. فقد عبر ثلاثة آلف مثقف يهودي في أوروبا عن القلق، وكتبوا في نداء مشترك : " مستقبل إسرائيل منوط بتحقيق سلام مع الفلسطينيين على أساس دولتين للشعبين. وبينما القرار النهائي هو بأيدي مواطني إسرائيل، التزما منا لإسرائيل كيهود في الشتات يستوجب علينا العمل باتجاه حل عادل. الدعم التلقائي لسياسة حكومة إسرائيل خطير ولا يخدم المصالح الحقيقية لإسرائيل... هدفنا هو خلق حركة أوروبية تنقل صوت المنطق إلى قلوب الجميع. الحركة غير حزبية. هدفها ضمان وجود إسرائيل كدولة يهودية وديموقراطية ، وهذا لن يحصل إلا بإقامة دولة فلسطينية سيادية وقابلة للحياة".

التحذير جاد ويعبر عن إحساس عميق بالخطر الداهم جراء ممارسات إسرائيل. فإذا أنجز المشروع الصهيوني بالكامل فلن تنعم إسرائيل بالاستقرار وستظل غريبة ومكروهة في المنطقة والعالم. وقد وعت الخطر مجندة في الجيش الإسرائيلي تدعى عنات كام، بناء على ما اطلعت عليه من وثائق مكتومة ، فدفعها القلق إلى المخاطرة بحياتها وبحريتها. خدمت في مكتب قائد المنطقة الوسطى، واطلعت على وثائق أذهلتها ، وسربت بعضها إلى الصحفي بلاو بجريدة هآرتس( يقول صحفي في جريدة ييديعوت أحرونوت إنها عرضت عليه الوثائق ورفضها) وقام بنشر مضامينها تباعا. ولما اعتقلت قالت في بداية التحقيق إنها أرادت كشف جرائم الحرب. يدعي جهاز الأمن الداخلي في إسرائيل أن الصحفي في هآرتس، بلاو ، يخفي مئات الوثائق التي تسلمها من كام، وبعضها يعود لحملة "الرصاص المسكوب"، ويطالب باسترجاعها. والصحفي متوار عن الأنظار في بريطانيا ، كما نشرت مجلة كاونتر بانش الأميركية ، والتي اهتمت بالقضية ونشرت عدة مقالات حولها. تتعرض صحيفة هآرتس للتنديد بسبب إخفاء بلاو في لندن واستمرار دفع راتبه ، وفي الأحاديث العامة يوصف ب"الخائن" وطالب عدد من أعضاء الكنيست إغلاق الصحيفة أو مقاطعتها. ويجري بث حالة رهاب تشير إلى أن الصحيفة سوف تتعرض لمضايقات لسبب قضية بلاو. فقد طالبت عضو الكنيست من حزب الليكود، يوليا بير كوفيتش،بسحب ترخيص الصحيفة.
فأين حرية التعبير ، وأين الديمقراطية التي ينبهر بها دول الغرب فتتغاضى بموجبها عن جرائم إسرائيل وممارسات الاحتلال والاستيطان والتهجير؟! مقالات الصحفي بلاو نشرت مواد تدين بجرائم حرب قريبة مما ورد في تقرير غولدستون حول انتهاك قواعد الحرب. من جملة الوثائق لقاء على مستوى رفيع اتفق خلاله على تجاهل قرارات المحكمة العليا ومواصلة تنفيذ أحكام الإعدام ضد قادة فلسطينيين في الأراضي المحتلة. إسرائيل لم تنتهك القوانين الدولية فقط إنما كسرت قوانين إسرائيل وقرارات المحكمة العليا الإسرائيلية كذلك. وتتضمن الوثائق المنشورة ما مفاده أن بناء مستوطنات إسرائيلية قد تم انتهاكا ليس للقانون الدولي إنما للقانون الإسرائيلي . ازدراء القانون الإسرائيلي هو ما فضحته الوثائق المسربة إلى الصحفي بلاو. ويتساءل أحد الصحفيين في إسرائيل : كيف نحكم على قرارات أصدرها قضاة بناء على شهادات مكتوبة من جانب أجهزة التحقيق بحجة أن إفشاءها يلحق الخطر بأمن إسرائيل؟!
كتب عكيفا الدار، الصحفي في هآرتس، يقول " في وزارات الدفاع و الخارجية والجيش يجلس في هذه اللحظات مئات من الموظفين والضباط الذين لا يجرؤون على الاتصال بصحافي وإبلاغه بأن وزراء وقادة في الجيش يعرضون للخطر مستقبل أبنائهم. كم منهم يحتفظون لأنفسهم بالقصة الحقيقية الكامنة خلف الكذبة الكبيرة لإيهود باراك, شاؤول موفاز وموشيه يعلون: "عرفات خطط للانتفاضة", وهي الكذبة التي اشتقوا منها كارثة "لا وجود لشريك". إن القصة الحقيقية مكتوبة في وثائق مصنفة "سري جدا". والجميع سيرى عنات كام وسيرتدعون. لأنه ليس ثمة من يريد أن يقبع في السجن مدى الحياة بتهمة التجسس لمصلحة العدو."
وبالفعل فهذه هي التهمة الموجهة لكل من المجندة والصحفي في هآرتس ، ليس من قبل أجهزة التحقيق والادعاء فقط ، بل ومن قبل الجمهور الإسرائيلي بأغلبيته الساحقة بشرائحه صحفيين وبرلمانيين ومثقفين . لا يراد لأكاذيب التحريض على الحرب وتلفيقاتها أن تنفضح ، ولا يراد تعرية حقيقة تشبث حكام إسرائيل بلعب دور مقاول صراعات لصالح مخططات اليمين الأميركي ومن خلفه الاحتكارات عابرة القارات المتطلعة لنهب ثروات المنطقة، ولتحقيق هيمنتها الكونية
ونصرعلى قطع الطريق بوجه إحداث تغيير على نهج الإدارات الأميركية .
علق جيف هالبر، رئيس جمعية مناهضة هدم البيوت الإسرائيلية، مشككا فيما إذا كان المقصود استعادة الوثائق من أيدي بلاو ، بل وترمي إلى حمل بلاو على كشف شبكة مخبريه.... أصدر الجيش لصحيفة هآرتس أمرا بإتلاف نسخ من إحدى الطبعات تضمنت تحريات بلاو بعد أن أجازها المراقب العسكري . ولم تظهر المادة، وقدمت عضو الكنيست حنين الزعبي استجوابا لوزير الحرب الإسرائيلي بصدد موضوع المنع.
تقول حنين الزعبي انه لمن المثير للغضب أن المادة التي أُتلِفت بقيت محجوبة عن الرأي العام هذه المدة الطويلة بعد انتهاء العدوان على غزة. وهي تقول أن المادة مهمة لأن التقارير تفيد بقتل مئات الأبرياء ولأن تقارير لاحقة تفيد أن القادة العسكريين سعوا للحصول على استشارات حقوقية قبل عدة أشهر من شن الحرب من شِانها التلاعب بنصوص القانون الدولي . وتتضمن الوثائق خطة المرحلة الثالثة من العدوان، حيث الهجوم البري قصد منه تهجير أكبر عدد ممكن من سكان غزة خارج القطاع . غير أن مقاومة الهجوم وإغلاق السلطات المصرية للحدود أفشل الخطة.

أكد ماركس إن شعبا يضطهد شعبا آخر لا يكون حرا. واثبت الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية صواب المقولة. والاضطهادات النازلة بالجماهير الفلسطينية وبمعارضي الاحتلال داخل إسرائيل وتلويث الجمهور بالعنصرية الفاشية ، وكذلك الإجراءات المتخذة بتوجهات عنصرية تبث الكراهية وتعد لمزيد من الحروب إنما تعكس الأزمة التي يعيشها الاحتلال وتعيشها إسرائيل بسبب الإصرار على اضطهاد الشعب الفلسطيني.
وقد نشرت كاونتر بانش الإليكترونية مقالة للصحفي جوناثان كوك جاء فيها : "قابلت قبل بضعة أسابيع أوزي أورنان ، البروفيسور ابن السادسة والثمانين من جامعة التخنيون بحيفا . وهو يحمل بطاقة هوية تصنف جنسيته "عبري". معظم سكان إسرائيل يصنفون " يهودي" او "عربي"، والمهاجرون ممن رفض الحاخامات اعتبارهم يهودا يصنفون حسب الديانة او البلد الذي قدم منه. والجنسية الوحيدة التي لن تجدها بالهويات هي " إسرائيلي". ولهذا يكافح البروفيسور اورنان وعشرات معه من خلال المحاكم ويودون تسجيلهم بالهويات "إسرائيليين". وهي قضية كبيرة من المحتم أن يخسرها أصحابها.
يفسر الصحفي الإسرائيلي الأمر فيقول : انها تتعلق بالأبارتهايد في إسرائيل. وقد عرفته الأمم المتحدة عام 1973بأنه " أي إجراء تشريعي موجه لحرمان مجموعة أو مجموعات عرقية من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والتعمد في إقرار ظروف تمنع تطور تلك المجموعات ". وتحتوي المادة على الحقوق التالية :حق مغادرة البلد والعودة إليه ، الحق في الجنسية ، الحق في حرية التنقل والسكن ، الحق في التعبير الحر عن الرأي ". يطبق في إسرائيل ثلاثون قانونا تميز بين اليهود وغير اليهود ، والعرب لا يتمتعون بالمواطنة التامة . وتظهر استطلاعات الرأي العام مدى تفشي العنصرية بين اليهود .
والسبب واضح لتغذية النزعة العنصرية في إسرائيل؛ فإذا جرى تصنيف سكان إسرائيل بالجنسية الإسرائيلية وكان هناك قانون واحد للجنسية يترتب على ذلك نتائج درامية . وأبرز النتائج أن قانون العودة إما أن يتوقف تطبيقه على اليهود او يطبق بالتساوي على اليهود والفلسطينيين ، فيسمح لهم بدعوة أقاربهم للعودة، شأن اليهود.
وهناك عواقب أخرى متوقعة من الجنسية المتكافئة للجميع. هل بمقدور المستوطنين اليهود بالضفة الاحتفاظ بالمكانة المميزة لو كان للفلسطينيين في جنين او الخليل أقارب داخل إسرائيل يتمتعون بنفس حقوق اليهود؟ هل يواصل جيش الاحتلال امتلاك القدرة على التصرف كجيش احتلال في دولة ديمقراطية حقا؟ وهل بمقدور المحاكم في دولة المواطنين المتساوين أن تواصل غض النظر عن وحشية الاحتلال؟ التمييز العنصري في إسرائيل ضرورة تستوجبها مواصلة الاحتلال وإجراءاته الاقتلاعية.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن