مدخل إلى تفكيك الجذور التاريخية للحجاب

يوسف المساتي
elmoussatiyoussef@gmail.com

2010 / 4 / 10

يعتبر الحجاب من أكثر الظواهر إثارة للجدل، بسبب رمزياته و دلالاته، و إذا كنا قد حاولنا أن نستنكف عن الخوض في هذا الجدل لإيماننا العميق بأنه –الحجاب- يدخل في إطار العلاقة الشخصية بين العبد و ربه، إلا أن الطريقة التي يتم توظيفه بها –سواء من طرف معارضيه أو مؤيديه- دفعتنا لتخصيص هذه المساهمة لإظهار بعض المغالطات التي يلجأ إليها –عن قصد أو غير قصد- مؤيدوه و مشرعوه.
يعتمد مؤيدو الحجاب على بعض الآيات الواردة في القرآن الكريم، غير أن هذه الآيات نفسها تنفي وجوبه بشكل يكاد يكون قطعيا، و ذلك ما سنوضحه في الآتي، غير أنه قبل ذلك لابد أن نوضح أن كافة الأحاديث النبوية التي سنوردها هنا هي صحيحة و واردة في صحيح البخاري، الذي يكاد يقدسه الكثيرون، و يعتبره أغلب الفقهاء أصح الكتب بعد القرآن الكريم:
لعل أول ما يلفت الانتباه أن كلمة الحجاب لم ترد إلا في الآية 53 من سورة الأحزاب حيث جاء فيها:"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا". إن سبب نزول هذه الآية معروف و لا داعي لتكراره، غير أن أهم ما نستنتج منها هو أن حكم الحجاب هنا خاص بزوجات الرسول (ص) تمييزا لهن عن بقية النساء، فهذه الآية إذن مقيدة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، و هذه الخصوصية يؤكدها حديث وارد في صحيح البخاري يروي فيه أنس قصة زواج الرسول (ص) بصفية "... فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين، أو مما ملكت يمينه، فقالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه...ومد الحجاب بينها و بين الناس". و هو الأمر الذي لا يدع مجالا للشك في أن تشريع الحجاب في هذه الآية مرتبط بزوجات النبي دون غيرهن.
و قد يرد البعض على كلامنا هذا، بالقول بأن التخصيص سيلغى بما ورد في آية أخرى من السورة نفسها، و نقصد هنا الآية 59 و التي جاء فيها:" أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا". و هو قول على صحته الظاهرية ينطوي على مغالطات عديدة يفضحها سبب نزول الآية، حيث ورد في صحيح البخاري عن عائشة:" أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، فكان عمر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب".
و لابد لنا أن نتوقف عند رفض الرسول (ص) أمر زوجاته بارتداء الحجاب، و هو الأمر الذي لا يمكن أبدا أن يكون اعتباطيا، بل انه جاء في اعتقادنا الشخصي لسببين. أولهما خوفه من أن يتحول هذا الحكم المخصوص بظرفية معينة –خروج النساء لقضاء حاجتهن- إلى حكم عام ينسحب على النساء في جميع الأحوال، أما الثاني فهو أن الحجاب كان منتشرا من قبل في شبه الجزيرة العربية –و هو ما سنقف عند أسبابه فيما بعد- و مما لاشك فيه أن الرسول (ص) كان يحاول التأسيس لقطيعة مع المجتمع ما قبل إسلامي –و هذا ما يتشدق به شيوخ الفضائيات و الدعاة الجدد و يعملون في نفس الوقت على ترسيخ نقيضه؟؟؟-، و رغبة الرسول (ص) هذه ستنعكس على الآية القرآنية التي نلاحظ أنها لم تأتي بصيغة تقريرية مطلقة، بل كانت أقرب إلى الترغيب منها إلى الأمر، و من ناحية أخرى تجنبت الإشارة إلى الحجاب بشكل صريح، و كل ما قررته هو إدلاء اللباس للحفظ من الأذى، تاركة تحديد الشكل و الطريقة لاجتهادات المفسرين.
غير أن هؤلاء المفسرين من مؤيدي الحجاب –عن حسن نية أو سوءها- إذا كانوا قد بنوا مجمل تأويلاتهم على موروثات ما قبل إسلامية، و على تفسير خاطئ لما ورد في الآية 31 من سورة النور و التي جاء فيها:" قُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ"، و إذا كان سيقولون أن هذه الآية مطلقة على كافة النساء، فإننا سنقول أن الأمر عكس ذلك تماما لأن اللباس السائد بشبه الجزيرة العربية كان يترك جيب القميص مفتوحا، و من خلاله كان يظهر ثدي المرأة، و الأمر في هذه الآية هو لتغطية فتحة الصدر لا للشعر، فأي علاقة يمكن أن نقيمها بينه و بين الحجاب؟؟؟. و هو ما يجعلنا نستنتج أن هذه الآية أيضا مقيدة أيضا بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
إضافة إلى هذا فإنه ثمة رواية في صحيح البخاري تضع الحجاب محط تساؤل كبير، حيث جاء في كتاب بدء الخلق أن سعد بن أبي وقاص قال:"استأذن عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك رسول الله، قال: (عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب). قال عمر: فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن، ثم قال: أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم". في اعتقادنا الشخصي يؤكد هذا الحديث و بشكل قطعي أن الحجاب ليس تشريعا دينيا بقدر ما هو تشريع فقهي، بني على موروثات ما قبل إسلامية، و على تفسيرات تراثية للقرآن الكريم في إطار ما يعرف بالاسرائليات، و دلك عندما قام مجوعة من اليهود الذين أسلموا بتفسير الآيات القرآنية انطلاقا من مفاهيم توراتية. و لتوضيح هذا الأمر لابد لنا من لمحة موجزة عن تاريخ الحجاب.
يمكن القول في هذا الصدد أن الحجاب يكاد يكون ظاهرة ملازمة لكل المجتمعات البشرية، و من بينها بلاد ما بين النهرين، و التي جعلت الحجاب معيارا للتمييز بين المرأة العاهرة و المرأة المتزوجة (الفاضلة)، و نعثر في العديد من القوانين البابلية على عقوبات تصل إلى حد الموت لكل امرأة متزوجة تخرج برأسها عاريا، و نفس العقوبة للعاهرة إذا غطت رأسها. و ستنتقل هذه النظرة الدونية للمرأة من الفكر البابلي إلى اليهودية عقب السبي البابلي الذي تم عندما قام "نبوخذ نصر" بدخول فلسطين سنة 597 ق.م، و أجلى اليهود منها، كما اصطحب عددا كبيرا منهم معه إلى بابل، حيث سيتأثرون بعادات و تقاليد المجتمع البابلي، و من المعلوم أن أغلب المؤرخين يرجعون بدايات تدوين العهد القديم و التلمود إلى هذه الفترة –السبي البابلي-، لذا من الطبيعي أن نجد الحجاب حاضرا في الديانة اليهودية، حيث تمنع المرأة من تأدية صلواتها بشعر مكشوف، إذ تجلعه موازيا للعري، كما أن التعاليم الثوراتية جعلت نزع غطاء الرأس نوعا من أنواع العقاب، و نستشهد هنا بما ورد في الإصحاح الخامس من سفر العدد أثناء الحديث عن طقوس نزع الغيرة من الرجل الذي يشك في أن زوجته قد خانته مع غيره حيث جاء:" 18وَيُوقِفُ الْكَاهِنُ الْمَرْأَةَ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَكْشِفُ رَأْسَ الْمَرْأَةِ، وَيَجْعَلُ فِي يَدَيْهَا تَقْدِمَةَ التَّذْكَارِ الَّتِي هِيَ تَقْدِمَةُ الْغَيْرَةِ، وَفِي يَدِ الْكَاهِنِ يَكُونُ مَاءُ اللَّعْنَةِ الْمُرُّ."، و في موضع آخر نجد أن عقوبة البنات الفاسدات هي نزع غطاء رأسهن كما جاء في سفر اشعياء في الإصحاح الثالث منه:" 16وَقَالَ الرَّبُّ: «مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَنَاتِ صِهْيَوْنَ يَتَشَامَخْنَ، وَيَمْشِينَ مَمْدُودَاتِ الأَعْنَاقِ، وَغَامِزَاتٍ بِعُيُونِهِنَّ، وَخَاطِرَاتٍ فِي مَشْيِهِنَّ، وَيُخَشْخِشْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ، 17يُصْلِعُ السَّيِّدُ هَامَةَ بَنَاتِ صِهْيَوْنَ، وَيُعَرِّي الرَّبُّ عَوْرَتَهُنَّ". باختصار، لقد جعل العهد القديم مجد المرأة و شرفها في غطاء رأسها.
من العهد القديم ستنتقل هذه النظرة إلى الديانة المسيحية، و غني عن القول أن أغلب الآباء المسيحيين الذين كتبوا أسفار العهد الجديد – بناء على ما يوحى إليهم من الإله- الأب حسب قولهم- كانوا يهودا تنصروا، و بالتأكيد أنهم سيضفون لمسة يهودية على كتاباتهم المسيحية –سواء بشكل شعوري أو لاشعوري-، و أنموذجنا هنا ما جاء في رسالة بولس الرسول –و هو يهودي تنصر- واضع شرائع المسيحية إلى أهل كورنثوس في الإصحاح الحادي عشر:" وَلكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُل هُوَ الْمَسِيحُ، وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ، وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ. 4كُلُّ رَجُل يُصَلِّي أَوْ يَتَنَبَّأُ وَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ شَيْءٌ، يَشِينُ رَأْسَهُ. 5وَأَمَّا كُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ وَرَأْسُهَا غَيْرُ مُغُطَّى، فَتَشِينُ رَأْسَهَا، لأَنَّهَا وَالْمَحْلُوقَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ. 6إِذِ الْمَرْأَةُ، إِنْ كَانَتْ لاَ تَتَغَطَّى، فَلْيُقَصَّ شَعَرُهَا. وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُقَصَّ أَوْ تُحْلَقَ، فَلْتَتَغَطَّ. 7فَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللهِ وَمَجْدَهُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ مَجْدُ الرَّجُلِ. 8لأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنَ الْمَرْأَةِ، بَلِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ. 9وَلأَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ، بَلِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَجْلِ الرَّجُلِ. 10لِهذَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا سُلْطَانٌ عَلَى رَأْسِهَا، مِنْ أَجْلِ الْمَلاَئِكَةِ. 11غَيْرَ أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنْ دُونِ الْمَرْأَةِ، وَلاَ الْمَرْأَةُ مِنْ دُونِ الرَّجُلِ فِي الرَّبِّ. 12لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ مِنَ الرَّجُلِ، هكَذَا الرَّجُلُ أَيْضًا هُوَ بِالْمَرْأَةِ. وَلكِنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ هِيَ مِنَ اللهِ. 13احْكُمُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: هَلْ يَلِيقُ بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُصَلِّيَ إِلَى اللهِ وَهِيَ غَيْرُ مُغَطَّاةٍ؟". نعتقد أن هذه الآيات غنية عن أي تعليق، و نترك للقاريء مقارنة هذه الكلمات بما يتفوه به شيوخ الفضائيات عن المرأة و الحجاب؟؟.
أما في الإسلام و برغم أن النص القرآني كما سبق و رأينا قد تجنب أي تحديد لمعنى الحجاب أو شكله، فإن مفسريه –و الذين كان عددا كبير منهم يهوديا أو مسيحيا قبل إسلامه- و بناء على ما ورثوه من مفاهيم توراتية سيقرون الحجاب بشكل تعسفي، متجاهلين حالات التخصيص التي ورد فيه، و سيساهم في هذا الأمر أيضا عادة تغطية المرأة لشعرها و التي كانت منتشرة في شبه الجزيرة العربية، و التي لم تكن مرتبطة بأي معنى تعبدي، بل جاءت نتيجة للظروف المناخية المتميزة بحرارة شديدة دفعت المرأة إلى حماية شعرها بتغطيته، و هكذا نرى أن الأمر لا يتعلق بعبادة مشروعة، بقدر ما يتعلق بعادة موروثة. إن الأمر في الحقيقة يرتبط بأزمة حقيقية يشهدها الفكر الإسلامي المعاصر -سنخصص لها مساهمات قادمة-، تخص علاقته بالماضي، و قدرته على مساءلة النصوص، و الخروج من هالة التقديس التي أضفيت على اجتهادات كانت وليدة ظرفية زمنية معينة، لا يمكن أبدا أن تكون بريئة من الناحية الإيديولوجية، إنها أزمة التأسيس لفكر جديد لا يتنافى مع العقل، و لا مع كرامة الإنسان.
إن تحرير المرأة من وهم الحجاب هو تحرير للفقه من أسر التقليد و التقديس، و تحرير للمجتمع من نظرته الدونية إلى نفسه.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن