الوجه البريء للبرنامج النووي الايراني

دياري صالح مجيد
diyary_mageed@yahoo.com

2010 / 3 / 3

في ظل صراع الارادات الذي يجتاح اعصاره اليوم مجمل منطقة الشرق الاوسط وينذر دوما بتصعيد الحرب الكلامية , التي تطل علينا بوادرها عبر التوقعات التي تشير تارة الى حرب جديدة يشنها الجيش الاسرائيلي على الجنوب اللبناني او حرب قادمة بين امريكا وايران , الى مستويات متقدمة في ظل التوجه الامريكي الذي اُرسيت العديد من دعائمه في ظل الادارة الامريكية السابقة التي تَحكم بمسارات توجهاتها الاستراتيجية وبالذات في هذه المنطقة ما يُعرف بالمحافظون الجُدد , لذا واجهت ولا تزال ادارة اوبوما الكثير من الصعوبات في محاولاتها اعادة تلميع الصورة الامريكية التي لحق بها قدراً كبيراً من صبغة الدم القاتم الحمرة في ظل الحروب التي قادتها ضد العديد من دول العالم , لياتي فريق اوباما اليوم محاولاً العمل على اعادة الالوان بطريقة جديدة اُطلق عليها تسمية القوة الناعمة , وكأن في ذلك اعتراف بان القوة تقسم الى قسمين خشنة واخرى ناعمة , في محاولة لتبرير الموقف الوسطي الذي تحاول ادارة اوباما اعتلاء ناصيته في التعاطي مع ملفات المنطقة الشائكة , دون ان يكون هنالك اشارة الى ان الهدف الحقيقي والنهائي للقوة بكل اشكالها هو فقط العمل على السيطرة بصورة مباشرة او غير مباشرة على الشعوب الاخرى وربما من منظور المنهج السايكولوجي في العلاقات الدولية العمل على الضغط على صناع القرار السياسي في دول المنطقة اما لاجبارهم على ارتكاب الحماقات ومن ثم استثمارها بشكل امثل امريكياً كما هو الحال مع الغزو العراقي للكويت او اعمال القاعدة وما آلت اليه من تواجد عسكري مكثف للامريكان في المنطقة , او العمل على اعتماد الاليات والسبل الكفيلة بعملية فرض الطريقة التي تحكم سلوك احدى الدول او الاقاليم السياسية بما يخدم ايضاً امريكا بشكل خاص .

في ظل هذه الفكرة بدا الضغط الامريكي يتصاعد بشكل كبير في الاونة الاخيرة على الملف النووي الايراني باستخدام الوسائل التي من شانها فك الارتباط الجيوبولتيكي الذي يجمع ايران بروسيا او الصين بشكل خاص , وهو ما لم يتحقق بالطريقة التي يشتهيها صناع القرار السياسي الامريكي , والهدف وراء مجمل ذلك هو العمل بالضرورة على فك عناصر الارتباط بين ايران ومهددات المصالح الامريكية في الشرق الاوسط , لتحقيق السلم والامن الدوليين وفقاً للمفهوم الامريكي للسلام الذي نادى به عالم الجيوبولتيك الامريكي نيكولا سبياكمان في كتابه جغرافية السلام عندما دعا بلاده الى السيطرة على منطقة الهلال الخارجي الذي اشار له رائد الجيوبولتيكا البريطاني , الذي يحسب على المحافظين , في نظريته قلب الارض , لذا تنظر امريكا بعين الاهتمام الى مجمل دول اوربا الغربية وكذلك مجمل الدول الساحلية التي تحيط بهذا الامتداد المكاني المطوق لروسيا بشكل خاص على اعتبار ان الجيوبولتيكا الروسية تسعى اليوم الى اعادة احياء الامبراطورية السوفيتية بالتعاون مع دولة او بعض من دول هذا الهلال , والذي تُرجمت توجهاته في العلاقات الروسية – الايرانية والعلاقات الروسية – الصينية – الايرانية و كذلك في محاولة خلق مجال حيوي روسي في اسيا الوسطى والقوقاز ليكون منصة للتواصل الجغرافي مع هذه الدول الحليفة وكذلك البحث عن طرق ما للتواصل من دول اوربا الغربية .

في ظل مجمل هذه التطورات انتعشت افكار الجيوبولتيكا في ايران عبر التاكيد على استثمار الجغرافيا الايرانية في تدعيم قوة الدولة وتوجهاتها التي تُغلف بعامل الخوف من الاجتياح الامريكي للبلاد خاصة بعد عملية التطويق الجيبولتيكي لها اثر احتلال افغانستان والعراق والتواجد المكثف للقواعد العسكرية في ارض ومياه الخليج والبحث عن موطيء قدم راسخ في دول الحد الشمالي لايران , لذلك كانت الفكرة الجيوبولتيكية التي امن بها صناع القرار السياسي في ايران تقوم على اساس المقولة التالية (( ان مصير العالم مرهون بالسيطرة الامريكية على منطقة الهلال الخارجي الذي يمكن ان نطلق على بعضٍ من اهم دوله تسمية قلب الارض النفطي , وبالتالي فان عملية تفويت الفرصة تلك يكون عبر التحالف الاستراتيجي بينها كدولة ذات ثقل جغرافي كبير في هذا الاقليم مع اهم دولة في العالم ذات توجه مناقض لتوجهات امريكا وهي روسيا وكذلك الصين المتخوفة من التوجه الامريكي في المنطقة , لذا امنت كل هذه الاطراف بان :
من يسيطر على هذه المنطقة يهدد الامن الاقتصادي للصين وروسيا
و من يهدد الامن الاقتصادي لهاتين الدولتين يحد من تطلعاتهما المستقبلية
ومن ينجح في ذلك يحكم اقدار العالم بلا منازع

الفكرة الجيوبولتكية هذه تسعى الكثير من الدول التي تؤمن بها وبالذات منها تلك التي تتسم بالتوجه المعارض لامريكا , الى العمل على امتلاك الاسلحة المتطورة ومنها السلاح النووي الايراني الذي لم يكن بمعزل عن تعاون روسي – صيني اكبر في ظل تشابك مصالح اطراف هذا التعاون , لذا نجد ان ايران اليوم تسعى من جانبها تارة الى محاولة التاكيد على حقها في ضمان عدم تعرضها للغزو الامريكي من جهة ومن جهة اخرى تؤكد على ان مشروعها النووي ياتي مطابقا للمشروع الياباني في كونه مخصص للاغراض السلمية وهو ما دفع احد المسؤولين الايرانين ( السيد علي لا ريجاني ) في زيارته الى طوكيو مؤخراً الى التاكيد على هذا الامر حين قال (( ان بلاده ستعمل على اتباع النموذج الياباني في برنامجها النووي , فاليابان تملك تكنولوجيا نووية الا انها لا تمتلك اي اسلحة نووية , لذا فان ايران ستتبع الطريق نفسه في برنامجها النووي )) , ومن جهة اخرى نجد ان ايران بدات تعمل في ظل الرغبة الامريكية الاخيرة الرامية الى نشر الدرع الصاروخي في دول الخليج بعد اجراء نوع من التفاهمات مع روسيا حول عدم نشره في اوربا الشرقية , بانها تعمل على تعزيز علاقات التعاون العسكري مع بعض دول الخليج ومنها الاتفاقايات العسكرية التي وقعت اخيرا ما بين ايران وقطر التي تعد من الدول الصغيرة في منظور الجغرافيا السياسية للمنطقة ففي الزيارة الاخيرة التي قام بها وزير الدفاع الايراني الى قطر بتاريخ 24 – 2 – 2010 اكد على (( انه من الضروري زيادة التعاون الدفاعي لايران مع الدول الاقليمية طالما ان تعزيز الاستقرار وادامة الامن في اقليم الخليج يعد اولوية عليا للدبلوماسية الايرانية . كما اكد بان التعاون الدفاعي الاقيلمي يعد الطريقة الوحيدة لمعالجة الازمات الامنية في هذه المنطقة . ومضى الى القول بان ايران تستعمل قدراتها الدفاعية من اجل المساعدة على ادامة الامن والاستقرار في الاقليم واشار الى ان القدرات الدفاعية لبلاده لا تشكل مصدر تهديد لاي امة )) , وهو ما يؤشر الى ان الجيوبولتيكا متجذرة كفكر رئيسي في توجيه مسارات السياسة الخارجية لايران في محاولة اظهار الوجه البريء لامتلاك السلاح النووي الذي ترى بانه واحدة من اهم الضمانات لحماية امنها الوطني والمساهمة في رسم معادلة جيوبولتيكية جديدة للمنطقة تتزامن مع تصاعد تيار ما يعرف بدعاة الاوراسية الجدد في روسيا , في مقابل تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الامريكية .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن