العراق الجديد : الصراع بين القديم والأقدم

عبد الرحمن دارا سليمان
sulimaner@yahoo.fr

2010 / 2 / 13

بقدر ما أدخلت عملية التغيير السياسي للنظام الديكتاتوري في العراق عام 2003 من مفاهيم ومعايير وقيم مرتبطة بالحرية والعدالة والمساواة وحكم المؤسسات القانونية والقضائية والحياة الدستورية ، فقد شكّلت التجربة لحدّ اليوم نفيا عمليا لجوهر تلك القيم والمثل العليا نتيجة التنامي المتزايد لروح المواجهة والتحدّي والإقصاء بين الأطراف السياسية الفاعلة وعجزها عن توليد نخب ديمقراطية حقيقية تستلهم تلك القيم وتنشرها في صفوفها وداخل الرأي العام، وهي تعكس عمق الإنقسام السياسي والإجتماعي وتعبّر عن تفاقم أزمة الإجتماع السياسي الشاملة التي تعاني منها السلطة والمجتمع معا، اللتان أربكتهما تلك المفاهيم أكثر من إستيعابهما لمضامينها الإنسانية العميقة والهادفة أساسا إلى جعل المواطن في مركز الإهتمام السياسي وجوهر عملية الإصلاح والتغيير .

وبسبب هذا الإنقسام، تتحول السياسة بما هي من تجديد للقيادة الإجتماعية دوريا،وتثبيت للروح الوطنية، إلى تأكيدات وصراعات وتناحرات مستمرة على التمايزات الشكّلية والرمزية، أخذت صيغة الصراع الطائفي وكادت أن تشمل الأثني أيضا خلال السنوات القليلة الماضية، واليوم تأخذ صيغة الإصطفاف الديني من جهة والمدني من جهة أخرى، ولا يخلو الأمر بطبيعة الحال عن دور التأثيرات الإقليمية والدولية في هذا الإصطفاف .

ورغم أن الكثيرين من المراقبين للوضع العراقي عن كثب، يعتقدون بأن ما يحصل هو بمثابة خطوة متقدمة صوب بناء الدولة المدنية، وهو أمر قد يكون صحيحا إن كان ناتجا عن تنامي الوعي الإجتماعي الداخلي ونضوج الخيار المدني بموازاة الإخفاق والفشل الذريع في معالجة الأزمات العراقية الداخلية من قبل قوى وتيارات الإسلام السياسي خلال السنوات الاخيرة .

غير أن ما يختفي وراء هذا الإصطفاف يشي من طرفه المدني بمحاولة الرجوع الى البديل التقليدي القديم الذي هو في الواقع إمتداد للنظام السياسي العربي السائد في عموم المنطقة مع الحفاظ على الشكل الديمقراطي الخارجي عموما، وكما يبدو لحدّ الآن، أن هذا الخيار يحظى بالقبول ويتوافق مع التوجهات الدولية والعربية في آن، بمواجهة القوى والتيارات الدينية الشيعية التي باتت تشعر بالخطر الوشيك ولا تملك إزاءه حاليا سوى بعث فكرة "البعث" في المخيلة الجمّعية وتسويق المخاوف في الأذهان، تمهيدا لما سوف تتمخض عنه نتائج الإنتخابات المقبلة في مطلع الشهر القادم وبعدها سيكون لكل حادث حديث .

فجوهر المشكلة هذا اليوم كما كانت بالأمس، يتعلق كما أكّدنا في مقالات سابقة، بتحليل قواعد وعمل الدولة وآلياتها، والسياسة وغاياتها والغرض منها ، وكيفية تحرير الدولة وإنتشالها من براثن الحزبية والمعتقدات، لدفعها نحو فضاءها الحيادي المجرد والمفترض فيها أن تكون، فسواءا كانت الوصاية والسيطرة والهيمنة عليها من طرف الدين أو من أي طرف آخر، فإن الهيمنة الدينية على الدولة سينتج عاجلا أم آجلا ، الخطر على الإعتقاد والرقابة على الضمير ويقود بالتالي إلى التعصب ، فالقومية المغلّفة بالمدنية والعلمانية، بدورها يمكن أن تتحول إلى فاشية ونازية ونظرية عنصرية إن سيطرت على الدولة، وخصوصا أن ثقافة ونزعة الإحتكار هي التي توشح السياسة في الحالتين .

ولكي تتحرر الدولة وتخرج من حلبة المتصارعين عليها وحولها ، لا بدّ أن يتوفر لها الحدود الدنيا من الإستقلال عن الجماعات السياسية كي لا تصبح رهينة بين أيدي الحزب أو تآلف الأحزاب الحاكمة بصورة دورية والتي سوف تستخدم مواردها وإيراداتها وأجهزتها وأدواتها من أجل إنشاء المشاريع والشركات الكبرى وتغطية النفقات الحكومية وعقد الصفقات التي تصبّ قسمها الأكبر في أرصدتها الحزبية الخاصة .

وفي هذه الحالة، تتوقف الدولة عن تمثيل الفضاء السياسي العمومي والمشترك الذي تنمو وتنضج في إطاره التوازن والتضامن والتوزيع بين القوى والمصالح المختلفة داخل المجتمع، وتكفّ عن كونها دولة قانون ومؤسسات ومواطنين أحرار ، لتصبح دولة أحزاب تتصارع على إمتلاكها وتقاسمها بالتناوب، ويصبح مواطنها الأول والمتميّز هو العضو الحزبي وتغدو حقوق المواطنين العاديين أقرب إلى المكرمات والعطايا السلطانية منها إلى فكرة مساواة الأفراد أمام القانون، وبلا حاجة منهم إلى التحايل والتوسط والرشوة كقواعد للتعامل أصبحت شبه ثابتة من أجل إنجاز أبسط المعاملات في دوائر الدولة .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن