فلاسفة عصر التنوير في اوربا فرنسيس بيكون( القسم الثاني )

عبد الجبار منديل
salal17@yahoo.com

2010 / 1 / 8


في القرون الوسطى دعم الملوك والاباطرة سلطة الكنيسة ولكن الكنيسة امتصت بشكل تدريجي سلطة الملوك والاباطرة وتنامت تنامياً كبيراً ثروتها ونفوذها الى درجة انه مع بداية القرن الثالث عشراصبحت الكنيسة تمتلك ثلث الارض في اوربا بأسرها وامتلأت خزائنها بالأموال الطائلة ولكنها بنفس الوقت فرضت على العقل الاوربي طوقا ًشديداً من الوصاية التي أدت به الى التوقف والجمود .

تحركت الفلسفة المدرسية داخل هذا الطوق من دون أن تستطيع النفاذ خارجه بل أن رجل الدين توما الاكويني حول فلسفة ارسطو المتحررة الى فلسفة دينية للقرون الوسطى . وكل ذلك كما يقول (فرنسيس بيكون ) قد جعل الانسان يدور حول نفسه من دون ان ينتج شيئاً جديداً سواء في ميدان العلم او في ميدان الفلسفة لذلك فأنه بدأ يفكر في اعادة بناء الفلسفة وتجديدها

لقد قام بيكون بتفسير اسباب ركود الفلسفة بسبب التشبث بالاساليب القديمة ووضع تصنيفاً جديداً ًللعلوم وقام بوصف طريقته الجديدة في تفسير الطبيعة والعلوم الطبيعة وبحث في ظواهر الطبيعة وكانت افكاره تتميز بأنها تتجه الى الناحية العملية اكثر من الناحية النظرية ووضع الاسس لأهمية التجربة والنتيجة التي تميزت بها الفلسفة الانكليزية كما وضع الاسس لأنشاء موسوعة بريطانية وتصنيف المعارف والعلوم . وكان يقول بأنه لا يمكن ان نسود الطبيعة ما لم ندرس قوانينها وان طريق العلم هو طريق وعر وكثير الالتواءات لذلك يجب دراسة كل علم من العلوم ووضعه في مكانه المناسب وتفحص عيوبه وحاجاته وطبيعة المشاكل الجديدة التي يثيرها .

لم يكن( بيكون ) يريد النظر الى الحقائق المنعزلة خارج سياقاتها وعلاقاتها من غير اعتبار وحدة الطبيعة لذلك فأنه ينظر الى العلوم نظرة اجمالية حيث ينبغي تطوير العلوم وفقاً لنظرة مستقبلية وينبغي ايجاد قوة ونظام خارج العلوم لتنسيقها وتوجيهها الى هدف ومن غير الممكن سيرها في الطريق السليم بدون تحديد اهداف مسبقة لتطورها وان من يقوم بهذه العملية هو الفلسفة التي تعمل على تنسيق الاهداف والنتائج العلمية بشكل منظم من اجل ان تحقق هذه العلوم النجاحات المطلوبة .

كما كان يرى انه لا يجب ان تترك ادارة شوؤن الدولة الى الجهلاء من رجال السياسة لذلك فأنه يدعو الى ان يتحول الفلاسفة الى ملوك والملوك الى فلاسفة من اجل ان تتمكن البشرية من اصلاح شوؤن العالم.

يقول (بيكون ) ان استيعاب العلم والوصول به الى مرتبة الكمال والسيطرة على النظام الاجتماعي يضع العلم تحت تصرف البشر واشراقهم وبهذا يتم تحقيق المدينة الفاضلة المثالية التي علق الانسان آماله عليها منذ آلاف السنين وقد شرح شكل العالم الذي وصفه في كتابه الموجز والذي كان آخر انتاج له وهو( اطلنطس الجديدة) والذي نشره قبل عامين من وفاته. ويقول الكاتب الانكليزي هربرت جورج ولزعنه بانه (اعظم خدمة قدمها بيكون للعلم ) .


رسم بيكون في هذا الكتاب صورة المجتمع الذي وجد فيه العلم مكانه الذي يستحق بمثابة السيد للاشياء وحيث ان العلم هو دستور الحياة في هذه المدينة الفاضلة وحيث يحكم العلماء بأسم العلم وعن طريق العلم .

كان افلاطون في كتابه (تيماوس) قد ذكر اسطورة اطلنطس القديمة القارة الغارقة في البحار الغربية وقد شبه بيكون امريكا القارة الجديدة التي اكتشفها كولمبوس بقارة الاطلنطس القديمة التي غرقت وقد تصور اطلنطس الجديدة بانها جزيرة نائية في اقصى المحيط الهادي وآفاقه المجهولة هذا المحيط الذي لم يعبره سوى ماجلان . وهذه الجزيرة بعيدة عن اوربا بالشكل الذي يسمح بأن تقدم مدى فسيحاً لتصور المدينة المثالية الفاضلة .

لم يستطع بيكون في حياته دخول ارض العلم الموعودة حيث انه توفي في سنة 1626 ولكنه استطاع ان يقف على حدودها ويشير الى جمال معالمها من بعيد .
ان اعمال بيكون الفلسفية استطاعت ان تحرك العقول وتغير العالم فقد دشنت بداية عصر النهضة الذي غير وجه العالم . وعندما قام كبار علماء وفلاسفة عصر التنوير الفرنسي بمهمة وضع المشروع الفكري العظيم وهو كتاب دائرة المعارف (الموسوعة ) اهدوها الى فرنسيس بيكون بأعتباره رائد حركة النهضة العلمية . وقال الفيلسوف ديدرو اننا مدينين بالكثير الى بيكون الذي وضع خطة قاموس عالمي عن العلوم والفنون في وقت خلا من العلوم والفنون . لقد كتب هذا العبقري الفذ عن الاشياء التي ينبغي تعلمها في الوقت الذي تعذر فيه وضع تاريخ للاشياء المعروفة )

لقد سارت جميع الاعمال الفكرية البريطانية على نهج فلسفة بيكون . فقد كان صوته هو صوت جميع الاوربيين الذين حولوا القارة الاوربية الى ارض كنوز العلم والفن والحضارة وجعلوا منها مركز العالم في حينه .

وقد سار على نهج بيكون واكمل مسيرته على طريق التنوير والثورة الفكرية فلاسفة افذاذ من امثال سبينوزا وفولتير وروسو وكانت وغيرهم ممن كان لهم الفضل الاول فيما وصلت اليه البشرية الآن من تقدم ورقي والذي تجني ثماره في منجزات علمية وصناعية هائلة غيرت درجة العالم .
وسوف نأتي على ذكر منجزات هؤلاء الفلاسفة في مقالات قادمة .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن