رقصة الأشباح

سيف عطية
saifataya@yahoo.com

2009 / 12 / 29


كانت تحلم كالنساء، تحلم في عش الحياة بالشهب بالنبع والصفاء، بأطفالاً يرثون جمالها العفوي المشرق بالنماء...
كانت تحلم بأمجاد الفرسان، بالشعر والشجاعة واللقاء ، تحلم بالخفاء ، بين الجدران وتحت السماء، ستدمر كل العقبات وستقتل اليأس والموت ، تستنشق الحياة من جديد وتسمع الصوت، والصدى يمزق الحدود ويكسر القيود، سيمسح دموعي ويأخذني الى ماوراء الدهر ويعلمني كل الأسرار ويثير الحب المتغلغل في أعماقي ويعلمني الشعر والهمس وحتى الهمّ.
ليبني قصري وحديقتي وكياني، لينقذني من بين بنات حواء. وليغرس سنابل شهد الغد في أطفالي ليكونوا أمراء الأرض وتقودهم بركات الرب لربيع الخير وسعادة الأيام وشهادة حق في بحر الظلمات...
فتمردت عواطفي بأن يقبض عليّ فيحملني بقوة، وينهش لحمي بأنياب لا تحمل غير الخلود ولذة سنين الحرمان حتى يعلن الإستسلام. ضع سهمك في صدري ! غازلني! فأنوثتي تعشق كل الكلمات ، إسقيني من سواقي الهوى والشباب ودعني أرتوي وأسقي جسدي وقلبي العليل، دعني أستسلم للحب فأنا مخلوقة، دعني أمزق كل قيود الأجيال وعاهات الأنسان، دعني أتمرد ودعني أعلنها للحاكم والسجّان وأدخل مملكة الحب.
وأنا أعلم ، سيتفننوا بخلق الأسماء ويلونوه بأساليب الفقهاء وسيقولوا عيباً بل عار، وسيستأنسوا بحفلة العزاء...
دع نور النهار يكشف عن خفافيش الظلام ويهدم كل الجدران ويطرد العابث بالأحلام، ودعني أودع الحشرات، دعني بين يديك وخذني ... بقراري....
فسجنك جنة فردوسي وبساتيني ونور الكون.. لو كل عروش الأرض تناديني، تحدق بي، تتلهف لي، سأسقطها وأحطمها بقراري...
خذني وأنقذني من لعنة جدراني وأعطيني يديك من الأبواب، خذني وإحملني الى الفضاء والصفاء، فأنا طفلتك وصديقتك وحبيبتك، وسأرويك بأسرار الجمال وسأهديك لكنوز الزمان فلا تجعلني اسيرتك ولا تحرمني من الشوق والحنين ولهفة الأنتظار.. فحقولي تشتاق للمطر ولكن السماء صافية..
والفراشات تبحث عن الأزهار في الصحراء..
والطفل يبحث عن أمه في ديوان الرجال..
لا تتركني لليأس والشجون، فأنا ضعيفة من دون شموخك
أريدك لي، عانقني، قبلني كما يفعل الرجال... أريد أن أستنشق الهواء والزلال.. واريد أريد أريد....
كانت تحلم وستبقى وتخفي كل مذكرات اليأس والحب ثم تهمس وتخاطب ذاتها ، أريد أن أكون إمرأة كسائر النساء وأرقى!
وتكتب المذكرات، الأيام تمر كالبرق.. وأجراس عنوستي تدق وتتراكم السنين ، أكتب قصتي وإن لم أذق طعم الحب، بحثت عن فارسي الذي لم يظهر، أشفق على نفسي وإبتهالاتي المتكررة ، لم يطرقوا الباب! ولم يظهر الأحباب، فأنا اليأس والبؤس وحكاية إمرأة عانس .. رجموني بالعنوسة بعد أن طوقوني بالأغلال، ومنعوني أن أحب، أو أتلاعب بالكلمات من أجل عريس الغفلة في الظلال، أعلنت السواقي الجفاف وعصافير الحقل تبحث عن الماء، عن مأوى ورحمة المساء.
ما أزال المرأة الشرقية، أنا الجمال والوئام والوهم والشقاء، أنا قارورة الحب ولذة السماء، وشهوة الحالمين في الليل والنهار، لهم كل حقوق العزف على الأوتار وأصحاب القرار، لا يأبه بوجودي وميولي ورغباتي أي إنسان ، أنا البضاعة في زمن الولاء ولا أملك أي خيار.
ما أزال أرقب شهر العسل رغم عنوستي وكل صبايا الحي إرتشقوه، وأسمع عن كل الأعراس وعرسي في طي النسيان.
ثم تأخذ قسطاً من الراحة على وسادتها المعطرة ، فتسمع الصمت!
تجلس مرة أخرى ورهبة السكون وزلال أرواح الأشباح تثير إشمأزازها ويقضتها المزعجة من كوابيس الساعة. أصبحت تضمحل وتهفوا الى بئر اليأس الى الأعماق. ثم تذكرت تلك الأيام التي رفضت فيها كل أكاليل الزهور وتيجان الماضي وأصبحت تخفي وجهها المتصدع بالخوف والأرهاق.
تمسح الدموع ويأخذها الصمت وتحتسي ذل الوحدة ولوم القدر. تتأمل يوماً يدخل عليها ويطوي الماضي وستصفح عن ذلك الرفاة الملقي في زاوية الدار.
رفعت رأسها لسقف الحجرة في لحظات.. قالت: يارب ، ساعدني وسامحني فأنا أصلي لمن يطرق الباب، نسيت الحب، أو حتى لا أعرف أن أحب، أنا الجائعة لا أملك حتى الخبز، والقمر في النهار، والعمر في زمن الحصاد والنجوم في الخفاء والحبر قد جفّ من الشكوى، لا تخذلني وأرحمني بمن يفجر ما أخفيه من براكين أخفاها القدر.
لا الشفاء بالدموع ولا اللقاء بالدعاء والنار في الرماد وظلّي وأنا سنرقص رقصة الأشباح. وتسمع الشهيق المتقطع- تحاول الصراخ- لا تستطيع الصراخ- أو تنادي، ترتخي على السرير وترقب نور الشمعة الضعيف، ويدخل الظلام عينيها وتشعر بجسدها المتثلج، فتطفئ عيناها ويحل السكون، تمد ساعدها وتفتح يدها وتسقط الذكريات ويدخل الردى.

سيف عطية
Saif Ataya



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن