ملاحظات أولية في الشكل العيني التجديدي لخير الديمقراطية

جاسم المطير
j.almutair@kpnplanet.nl

2009 / 10 / 20

بعد سقوط دكتاتورية الحزب الواحد، حزب البعث العربي الاشتراكي، عام 2003 لم يكن هذا يكفي، لوحده، من أجل تغيير واقع الحال السياسي في العراق. بل كان ينبغي اتخاذ إجراءات سريعة وضرورية للسير في الطريق الجديد، المعلن عنه من قبل سلطة الاحتلال الأمريكي والسلطة العراقية الجديدة أيضا، أي طريق الخلاص من موروث الدكتاتورية والبحث الجدي عن النقطة المفقودة، الديمقراطية، لكي يمكن تمثيل إرادة أكثرية الشعب العراقي كوعي أول لتحقيق مطالب إرادة الأكثرية من فقراء الشعب العراقي الذين كانوا محرومين من حق ومتعة المساهمة في الحياة العامة طيلة 35 عاما

غير أن الواقع الذي شهدته السنوات الست الماضية أثبتت ضعف المساهمة الجماهيرية في مشاريع السلطة القائمة (سلطة التحالف) فقد كانت "النخب" وحدها تساهم في تلك المشاريع وأحيانا تكون المساهمة شكلية أو غير كاملة.

مثلا في مرحلة كتابة الدستور لم يثبت أي نائب في لجنة الصياغة ولا أي موظف في وزارة حقوق الإنسان انه استند ولو إلى بعض أفكار مئات من الكتاب العراقيين الذين نشروها في الصحف والمجلات العراقية والعربية وعلى مواقع الانترنت أيضا مما يعني أن المسؤولين عن صياغة الدستور تجاوزوا تلك المقالات والدراسات وربما أنهم لم يطلعوا عليها أصلا انطلاقا من استصغار رأي "الآخر" مهما كان.

لو عدنا إلى محافل التاريخ العالمي لوجدنا أن الديمقراطية الصناعية التي نشأت في الدول الغربية لم تكن من صنع النخب في الأحزاب السياسية الرأسمالية وحدها بل شاركت فيها النقابات العمالية الكبرى والصغرى وهذا يعني أن"الآخر" في هذه الحالة كان محترما.

في ما يتعلق بالاشتراكية الثورية والاشتراكية الديمقراطية في ألمانيا وروسيا وغيرهما، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، لم يكن نشوؤهما من قبل "النخب القيادية"، حسب، بل كان "الآخر" العمالي ورأيه حاضرين في المناقشة والتكوين.

هكذا في كل سجال في أي بلد متحضر من بلدان العالم يكون "الآخر" حاضرا بشكل من الأشكال لإضفاء الشرعية على الموقف النهائي المتخذ تحت واجهة وظلال الديمقراطية وليس قائما على الاكتفاء بالأقوال دون الأفعال. لكن هذا الشكل الديمقراطي لم تتطلع إليه الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003 حتى الآن إذ لم يعتمد أي وزير أو رئيس وزراء ولا أية لجنة برلمانية على أسلوب خصخصة السجال الديمقراطي (أي جعله شعبيا) استنادا إلى ما تكتبه أو تناقشه صحف الأحزاب الوطنية أو المنظمات الجماهيرية أو منظمات المجتمع المدني، الصغيرة والكبيرة . كما لم يستند أي جهد حكومي أو برلماني على آراء أفراد من ذوي الذهنية النقدية الذين حملوا راية الديمقراطية وناضلوا تحتها في أحلك الظروف وأشدها قمعا سواء أثناء وجودهم مضطهدين داخل العراق أو خلال وجودهم مضطرين في المنفى.

أول مفهوم من مفاهيم وتطبيقات الديمقراطية هو أن يبقى الأفراد والجماعات الإنسانية المتنوعة (أحزاب وطنية + منظمات المجتمع المدني + أفراد موهوبون في الآداب والفنون والعلوم) بعيدين عن تبعية وضغط "نفوذ" الحكومة و "سلطتها" لأن فرض مثل هذه التبعية لا تعني غير ظاهرة من ظواهر الاستبدادية. بل أن هؤلاء يشكلون أساسا من أساسات التعبئة الجماهيرية والثقافية والاقتصادية القادرة على تغيير العراق تغييرا حقيقيا. يجب أن نعرف أن من المستحيل تطبيق الديمقراطية في بلادنا من غير نضال حقيقي واسع ويومي للرجال والنساء، بمعنى أن الحكومة وأجهزتها وبرلمانها غير قادرة على تشييد ديمقراطية عميقة في المجتمع من دون مشاركة الجماهير الشعبية ومن دون الإصغاء لمطالبها وأفكارها. نعم يمكنني القول هنا أن السنوات الست الماضية شهدت علاقات "ديمقراطية تشاورية" بين رئاسة الوزراء و"بعض" القوى المجتمعية.

الديمقراطية التشاورية التي اعنيها، هنا، تظل بكل الحالات وأحسنها داخل نطاق "الحرية السلبية" و داخل إطار "العلاقة السلبية". إن هاتين الظاهرتين السلبيتين في العلاقة والحرية لا تحققان تصورا عميقا للتطبيق الديمقراطي ولا تحققان "تعددية" المشاركة، كما لا تؤديان إلى بناء مجتمعنا العراقي على أفضل أنواع المؤسسات وأصلحها مما يسمح لكل مواطن أن يقدم للمجتمع قيمه وتجاربه ومعتقداته باعتبارها تنوعا يسهم في تطوير العملية الديمقراطية تطورا سريعا. بالإمكان إيراد الكثير من الأمثلة التي حملت بمضمونها "خيرا" ديمقراطيا لكنه "خيرا" ناقصا. كان سن الدستور الجديد عام 2004 "خيرا" ديمقراطيا لكن سرعان ما اكتشف الجميع في الأحزاب الوطنية وفي الحكومة وفي البرلمان أن الدستور لم ينبسط أمام العقل الديمقراطي الحقيقي ولا ينبسط أمام العمل الديمقراطي وهذا ما استدعى الجميع إلى احترام الأصوات المنادية بتعديل الدستور.

مثال آخر أظهره قانون النزاهة، أثناء تطبيقاته. فقد ظل قانون النزاهة عاجزا عن قدرة ٍ واقعية ٍ نافذة ٍ بإحالة فورية للمتهمين بالفساد إلى القضاء، بل كانت هناك ثغرات في القانون تترك المتهمين الفاسدين الكبار أحرارا ومتمتعين بحماية ما وقادرين على الهروب إلى خارج العراق في الوقت المناسب.

كما أن قانون الانتخابات يتضمن بعض "الشر" لديمقراطية الانتخابات مما استوجب كفاحا وطنيا عاما لتعديله، خاصة ما يتعلق بالقائمة المفتوحة وبجعل العراق دائرة انتخابية واحدة وبحماية كوتا النساء في البرلمان وزيادتها. كما يستوجب القانون تعديلا أو إضافة كل ما يؤمن للمرشحين والناخبين حرية الاجتماعات الانتخابية وحرية الرأي وضرورة ابتعاد الدولة عن كل شكل من أشكال فرض المعتقدات الدينية والأخلاقية على المرشحين والمرشحات أو على أعضاء المجلس المنتخبين من الرجال والنساء.

من الضروري التذكير هنا، كمثال، بالصاعقة التي ضربت البرلمان الكويتي حين شكك بعض النواب الإسلاميين بأحقية نائبتين (الاولى هي الدكتورة رولا دشتي والثانية هي الدكتورة اسيل العوضي) هما غير محجبتين فجرى التشكيك بصواب عضويتهما في المجلس الكويتي، وهو ما أثار استغراب العالم المتحضر كله، مما يستوجب كفاحا كويتيا صادقا من قبل الحكومة الكويتية والنخب السياسية المتنورة لإعادة الاعتبار للنائبتين اللتين صارتا ضحية بؤرة ثقافة رجعية بالرغم من الادعاء بوجود الديمقراطية البرلمانية في دولة الكويت الشقيقة. من المعروف أن المرأة الكويتية حققت لأول مرة فوزًا تاريخيًّا أوصل 4 سيدات دفعة واحدة إلى قبة البرلمان من دون اعتماد أي نظام للكوتا، هن الدكتورة معصومة المبارك، والدكتورة رولا دشتي، والدكتورة أسيل العوضي، والدكتورة سلوى الجسار، بينما منيت التيارات الإسلامية المنظمة كالتجمع السلفي والحركة الدستورية الإسلامية (الإخوان المسلمون) بخسائر فادحة، تمثلت بخسارة السلفيين لـ5 مقاعد من المقاعد الـ6 التي كانت بحوزتهم. تعتبر رولا دشتي الآن واحدة من أكثر النساء العربيات تأثيراً في العالم العربي.

من خلال الأمثلة التي قدمتها يمكن الاستنتاج أن تصورات الديمقراطية أو تطبيقاتها قادرة على أن تحمل "خيرا" للمجتمع في بعض أجزائها، مثلما يمكن أن تحمل بعض "الشرور" إذا غاب الوضوح عن نصوص القوانين الديمقراطية أو أن قيمها التطبيقية كانت ناقصة. أقول، هنا، للتحذير أيضا أن لــ"الخير الديمقراطي" أشكالا متعددة مثلما لــ"الشر" أشكال متعددة، فما هو "خير" هذا اليوم يمكن أن يكون "خيرا ناقصا" غدا أو يكون "شرا" بعد غد. العالم يتطور والعقل الإنساني يتطور وتجارب الناس تتطور، ولكي لا يظل المجتمع قلقا في مكانه أو ثابتا مترجرجا فلا بد من تجديد الحياة الدستورية والعلاقات القانونية، تجديدا متواصلا، على أساس الدراسات الموضوعية القائمة على نتائج التجارب العملية. لا بد أن نعرف ويعرف الجميع أن التفكير الحر يتنامى مع التغيير الاجتماعي والتغيير القانوني. لا بد من إدراك حقيقة أن وجود عصر ديمقراطي ذهبي أو دولة ديمقراطية ذهبية، بدون مشاركة الجماهير الواسعة ومن دون تغيير قانوني مستمر، أمر مستبعد. كما أن التغيير نفسه لا يمكن انتظاره حتى يحصل لوحده، بل يتطلب نضالا نخبويا متحدا مع النضال الجماهيري بأوسع مدى وصولا إلى استبدال "الحرية السلبية" المتوفرة، الآن، في العراق إلى "الحرية الايجابية" القادرة على قيام الديمقراطية الحقيقية .

الديمقراطية ليست حرية الكلام في الشاشات الفضائية رغم أهميته. الديمقراطية ليست نقاشا بين أحزاب، فحسب، رغم فاعليته. الديمقراطية ليست سلوكا فرديا فاعلا داخل المجتمع، فحسب، بل هي تزويد الجماهير الشعبية بما يساعدها على صنع الخير العام ــ دون أية شرور ــ لتطوير المجتمع عن طريق المساهمة الفعلية مباشرة أو بصورة غير مباشرة في الأمور السياسية والثقافية وفي صلب الشؤون الاقتصادية أيضا، تحت ظل حرية الصحافة وحق التعبير.

إن خطرا قد يكون خفيا يواجه الديمقراطية دون أن يعي الديمقراطيون هذا الخطر، أقصد به تحول الدولة إلى ضمانة مؤكدة لمصلحة "الأقوياء" الأغنياء المتركزين في السلطة والبرلمان وإهمال مصالح "الضعفاء" الفقراء وهم الأكثرية في مجتمعنا في الوقت الحاضر، لكنهم لا يملكون تمثيلا جوهريا لا في السلطة ولا في البرلمان. أول شيء يعنيه هذا الخطر هو حرمان الفقراء الضعفاء من المشاركة في العملية الديمقراطية بينما هذه الطبقات هي الأكثر استعدادا في التضحية بكل شيء في سبيل المصالح الوطنية العليا تماما مثلما كانت في ظل النظام الدكتاتوري السابق. في ظل هذا الحرمان تنبعث من جديد حالة "الخوف من الدولة" ليس من "قمع الدولة" الذي يفترض أنه ولـّى إلى الأبد لكن "الخوف على الدولة" من "ضعف كيان الدولة" أومن قصور أجهزتها على تلبية حاجاته المعيشية مع تقدم الإنتاج الوطني ومع تحسين معدلات الدخل الوطني. في مثل هذا التقصير من الدولة أو من قادتها يمكن عند ذاك أن تتوقف الجماهير عن الاندفاع إلى أمام أو تضعف إرادتها عن الاستنهاض الوطني لتحقيق ضبط "خير الديمقراطية" في وقت تزداد فيه "الشرور" من داخل البلاد أو من خارجها بأيدي الإرهاب الدولي وأزلام النظام السابق، خاصة حين لا تكون الديمقراطية شديدة البأس وحين تضعف قدرة الثقافة الديمقراطية على حماية التنوع الجماهيري ووحدة العلاقة بين الحرية وحق المواطن، أي بين مبادئ حقوق الإنسان وواجبات المواطن وطلباته. أرى ضرورة التأكيد أن ليس معنى الديمقراطية بعد نيسان 2003 أن تكون بديلا اسميا مجردا لعرش صدام حسين، الذي اسقط هو ونوعه السياسي إلى الأبد. إن الديمقراطية الحقيقية تعني انه لم يعد ثمة عرش دكتاتوري في العراق ولا ثمة نموذج لشخص صدام حسين أو مثيله. الديمقراطية الحقيقية التي يريدها الشعب هي من نوع السلطة الوطنية التي في ظلها يعيش العدد الأكبر من المواطنين، وهم الأكثر فقرا، الراغبين أن يبنوا حياتها دون أي خوف ومن دون الخضوع لأي نوع من "الشرور".

ينبغي عدم نسيان أن المواطنين، خاصة المواطنين الأكثر وعيا، يتحولون في ظل الديمقراطية إلى مقاومين ضد أي شر من الشرور المحتملة الناتجة من أخطاء الديمقراطيين. يظل المواطنون الواعون "يقاومون" باسم الحرية، من اجل حماية الحرية لأن النظام الديمقراطي هو بالأصل الصيغة السياسية التي تزود الجماهير الشعبية بأكبر حجم من الحرية التي تحمي مكاسب الديمقراطية في الدولة الدستورية القائمة على القوانين والمؤسسات الرصينة. إن احترام حريات المواطنين وحريات الأحزاب وحريات المنظمات الجماهيرية، هي البديل لكل شكل من أشكال المحاصصة ذات النوع الضيق، فكريا وسياسيا.

في هذه الايام بالذات ترتفع أصوات عقلانية، من قبل مثقفين عراقيين ومن أحزاب ديمقراطية عراقية عديدة من ضمنها الحزب الشيوعي العراقي، ومن تجمعات وطنية، ومن كتل برلمانية، وكذلك ترتفع أصوات متنورة في الشارع العراقي للمطالبة بإصدار قانون الانتخابات الجديد الذي ينادي به الجمع العراقي الأنف الذكر كخطوة من خطوات المزج بين الفكر العقلاني الانتخابي في القائمة المفتوحة، والحرية الشخصية للناخب، وترسيخ الهوية الثقافية لعلاقة المواطن بالتطبيق الديمقراطي، مما يقتضي الجمع بين الوحدة والتنوع في القانون الجديد الذي ينبغي أن يقوم على القواعد الأساسية التالية:

(1) اعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة .

(2) الأخذ بقاعدة القائمة المفتوحة.

(3) ضمان حصول النساء على الحصة المقررة لهن دستورياً وهي ربع مقاعد مجلس النواب.

(4) ضمان أن يتراوح عمر الترشيح لمجلس النواب العراقي بين 25-30 سنة.

(5) ضمان حق العراقيات والعراقيين المقيمين في الخارج المشاركة في الانتخابات.

من المهم جدا أن يشرع القانون الانتخابي الجديد بصيغ تجعل الديمقراطية الانتخابية أساسا فعالا بين المواطن العراقي ومستقبله وان يتخذ القانون الجديد دافعا للاعتراف بهذا المواطن كفرد حر يستطيع ان يساهم بمقدرة عالية في التنمية الاقتصادية والثقافية باعتباره منتميا للتجمعات الاجتماعية وعاملا فيها ومن داخلها لتطوير بلادنا على أسس الديمقراطية الحقة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بصرة لاهاي 17- 10- 2009
ــــــــــــــــــــــــــــ
نقلا عن جريدة طريق الشعب في 20 - 10 - 2009



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن