العلمانية والديمقراطية ومأزق العراق الجديد

عبد الرحمن دارا سليمان
sulimaner@yahoo.fr

2009 / 8 / 15

ليست العلمانية غاية وهدفا في حد ذاتها، ولا قيمة عملية لها، ما لم تصبح مدخلا للتحولات الديمقراطية في الدولة والمجتمع والسياسة، وتخلق نظام المؤسسات القانونية والمدنية، وتحقق مساواة الأفراد أمامها بغض النظر عن انتماءاتهم المختلفة، كي تصبح إطارا عاما، نظريا وعمليا، لتحقيق وضمان حرية الفكر والمعتقد على حد سواء . فالدولة العلمانية التي تخشى وتتوجس من الديمقراطية الحقيقية وتتحايل عليها، وتتفادى استحقاقاتها، وما يترتب عليها من تجديد والتزامات قانونية وأخلاقية جوهرية وعميقة، ستعيش حتما مأزقها السياسي الداخلي عاجلا أم آجلا ، وهو ما حصل ويحصل في نماذج الدول الاشتراكية السابقة ونموذج الدولة التركية حاليا، وكذلك الكثير من الدول العربية أيضا .

ولذلك، فالدولة العلمانية ليست بالضرورة هي دولة ديمقراطية، ولا هي بالفردوس المفقود الذي ستتولد عنها الحريات السياسية وحرية الاعتقاد، وتضع حدا للمشاكل السياسية والاجتماعية والثقافية العديدة . في حين أن العكس من ذلك هو الصحيح تماما، فالدولة الديمقراطية لا يمكن لها إلا أن تكون دولة علمانية في الوقت نفسه .

فالصراع الراهن في مجتمعاتنا، ليس صراعا نظريا وفلسفيا ترتبط نتيجته ويتوقف مصيره الأخلاقي على هذه الجماعة أو تلك ، ولا على مشروعية وصحة وتوجهات هذا الخطاب الفكري أو ذاك . ولكنها معركة الديمقراطية الواسعة والكبرى من أجل حرية الضمير والرأي والوعي والاعتقاد، ومعركة إزالة كل أشكال التمييز بين المواطنين، وهي وحدها الكفيلة بنقل الصراع من الهامش إلى المتن ، ومن الجزء إلى الكل، وبدون افتعال المعارك الجانبية التي لا طائل ولا ضرورة ولا فائدة منها، والتي تمنع من رؤية الحلول المناسبة والصحيحة والممكنة لمشاكل الواقع الاجتماعي المترابطة .

إن المعركة الحقيقية هي معركة السياسة ومفاهيمها وأهدافها و أغراضها وطبيعة العلاقات والنزاعات السائدة بين نخبها والقائمين عليها، والتي قاومت وما تزال تقاوم أي محاولة من محاولات المشاركة الجماهيرية والتطوير والتجديد فيها منذ عقود طويلة، الأمر الذي قاد إلى جمود السياسة وفسادها، ومن ورائها فساد المجتمع بأكمله، وانهيار منظومات القيم والأواصر الاجتماعية التي توجه سلوك الأفراد والجماعات وتحافظ على التوازن والنظام وتحفظ أسس المدنية التي راكمتها طوال تاريخها الحديث، وما نجم عن تلك السياسات البائسة من تحويل للبلدان والأوطان ، بكل ثرواتها وخيراتها وأنهارها وجبالها وإنسانها، إلى مزارع شخصية وجمهوريات وراثية، لحفنة من المجانين والمعتوهين والمستهترين ومعدومي الضمير .

فالنظم السياسية العربية التي أصرت على تزيين دساتيرها بالعبارة المألوفة " الإسلام دين الدولة " ، لم تكن تبتغي حقيقة من وراء ذلك، إلا نشود شرعية داخلية مفتقدة وترضية للحس الإسلامي العام، أو تماهيا شكليا مع غالبية المجتمع وتأمين مشاركتهم النظرية في أحسن الأحوال، ولم يخطر ببالها إطلاقا ، أنها تفتح بذلك بوابات الجحيم الاجتماعي والسياسي على السلطة والدولة والمجتمع معا .

إذ أن الكثير من الحركات والجماعات الإسلامية التي تم تحييدها تاريخيا أو تعالت وحدها واستنكفت طويلا، على الدولة العربية الحديثة منذ تأسيسها، أو تماهى بعضها الآخر معها، وانحصر ميدان نشاطها الديني عموما داخل المجتمع فقط ، عادت لتطالب وتجاهد وتسعى وبقوة وعنف وخطاب مقبول جماهيريا نتيجة الأزمة السياسية العامة ، للحيلولة محل الدولة منذ نهاية السبعينات ومع بدايات الثورة الإيرانية على وجه الخصوص ، وكأنها تريد بذلك أن تسترجع دستوريا حقها المنصوص عليه في الدولة الحديثة .

وقد يكون الدستور العراقي الحالي مثلا، من أكثر دساتير الدول عرضة للسخرية ، حين تتضمن فقراته: " لا يجوز سن القوانين التي تتعارض مع الديمقراطية " وفي نفس الوقت: " لا يجوز سن القوانين التي تتعارض مع أحكام الإسلام "، فهو بذلك لم يتخطى الدساتير العربية التقليدية فحسب ، وإنما أضاف إليها من عناصر الحيرة والالتباس والشلل والجمود والموت، الشيء الكثير .

ثمة مراجعات ومناقشات وتغييرات جارية في " لجنة التعديلات الدستورية " في البرلمان العراقي حول هذا الأمر، وسوف يعرض على الاستفتاء العام كما هو مزمع عليه، ومن واجب كل المثقفين والكتاب وقادة الرأي العام، أن يقوموا بأدوارهم المطلوبة منذ الآن .

لا تدعوا المؤامرات تمر عليكم بهذه السهولة، لكي لا نبكيها فيما بعد، أشعارا وكلمات مستهلكة .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن