محنة الصمغ العربي الي متي؟

محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي
selfatih1@yahoo.com

2009 / 8 / 12

هذه السلعة الإستراتيجية الفريدة، تتعرض لضربات موجعة ومتتالية من جوانب عدة، أدت الي تدهور قطاع الأصماغ وأضعفت المنتجين وشردتهم وأبعدتهم من حلبة الإنتاج، والمسئول الأول في ذلك الدولة من خلال سياساتها الإقتصادية الإنتقائية المنحازة لبعض القطاعات دون الأخري. فبالإضافة للخلل البائن في السياسات الإقتصادية الكلية التي تنحاز للكبار، علي حساب الفئات المنتجة بالمجتمع السوداني من المزارعين والمنتجين والحرفيين وغيرهم، عجزت الدولة عن حماية الإنتاج المحلي من التهريب، حيث تقوم بعض الدول بتهريب الصمغ وتصديره كخام، و بعض الدول يقوم بتصنيع الصمغ ومن ثم إعادة تصديره مرة أخرى, مما يفقد السودان الميزة النسبية التي تمتع بها عبر تاريخه الطويل والتي بدأ يفقدها منذ عقد التسعينات.
وعلي الرغم من قرار البرلمان بفك الاحتكار وتحرير تجارة الصمغ العربي, وقيام مجلس الصمغ العربي (بالرغم من معارضة بعض الآراء يقرار إلغاء الامتياز) إلا أن التدهور الذي حدث لأشجار الصمغ وللمنتجين لم يتوقف ولن يتوقف، وتوالت شكاوى منتجي الصمغ العربي، والتجار والشركة نفسها، وبات الكساد يخيم علي سوق الأصماغ، ويشجع علي المضاربات، ويقلل من فرص الأسعار المجزية للمنتج. ولنا أن نتصور حال المزارعين المنتجين في قطاع الأصماغ في ظل هذا الواقع المؤلم والمجحف وفي ظل سياسات الدولة الإقتصادية المختلة والظالمة، لتبين لنا مدي خطورة الموقف الحالي والمستقبل القريب، بالنسبة لهذه السلعة الإستراتيجية وللمنتجين وللإقتصاد القومي. لقد فقد منتجو الأصماغ استقرارهم كمنتجين وكمواطنين، واتجهوا تحت وطأة الفقر والحاجة وفي ظل الإهمال المتعمد من قبل الدولة، إلى قطع شجرة الهشاب والأشجار المنتجة للأصماغ الأخري.
هذا الواقع يوضح لنا بجلاء أن المشكلة الأساسية تكمن في إهمال المنتجين وتهميش دورهم، ولنا أن نتسائل من الذي يجعل الدولة في أعلي مستواياتها التحرك والتسابق نحو شركة كنانة، وهي ليست شركة سودانية خالصة، بهذه الصورة والتي تجعل الحكومة تعقد أحد إجتماعاتها بمقر الشركة، وفي نفس الوقت لا تبالي بالإتحاد العام النوعي التعاوني لمنتجي الأصماغ، والذي يضم 1560 جمعية تعاونية ويخدم أكثر من 2 مليون من المزارعين المنتجين للأصماغ؟. ولماذا تهتم الدولة بالشركات الكبيرة ذات العائد المادي الكبير والمتجدد مثل شركات الإتصالات وغيرها والتي توظف بضعة آلاف، ولا تهتم بتلك الكيانات المنتجة من المزارعين والحرفيين وغيرهم وهم بالملايين؟
الإجابة واضحة والخلل واضح، ويكمن في الطريقة التي تدار بها عجلة الإقتصاد بالبلاد والتي تفرد مساحات واسعة للعمل الهامشي والإستهلاكي، البذخي (المطاعم، والكافتيريات، والسوبرماركت، والمزارع الكبيرة حول العاصمة والمدن الكبري...الخ)، وتحجم بسياساتها الظالمة فرص العمل الإنتاجي والمنتج للقطاعات الساحقة من المواطنين في الريف والحضر ومنهم المنتجين بقطاع الأصماغ، وذلك بفرض الرسوم الباهظة والضرائب العالية، وضعف الخدمات والتسهيلات مقارنة بتلك التي يتحصل عليها الكبار.
إن محنة الصمغ العربي كسلعة وإنتاج محنة ناتجة من خلل أساسي يتعلق بوضع السياسات الإقتصادية الكلية التي يجب أن تتجه نحو المنتج الحقيقي، ولذلك تطوير صناعة وإنتاج الأصماغ ضرورة تقتضي أن يكون المزارع المنتج المحور الأساسي في عملية التطوير، ويتطلب ذلك تعاون كافة الجهات المعنية مع إهتمام ودعم ورعاية الدولة. كل ذلك من أجل تفعيل تجارة الأصماغ داخليا وخارجيا حتى يتمكن هذا القطاع من المساهمة الفاعلة والحقيقية في الناتج الإجمالي المحلي.
إذا أردنا استقرار هذا القطاع فلابد من وضع السياسات الصحيحة واستدامة عطاء منافع حزام الأصماغ وخاصة الصمغ العربي الاقتصادية والاجتماعية والبيئية من خلال الإهتمام بالمزارع المنتج، وذلك بتقديم الخدمات اللازمة له، من صحة وتعليم ومياه شرب نقية،وغيره من الخدمات الأخري.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن