قيامة العنف

سعد محمد رحيم

2009 / 6 / 29

كل شيء من حولنا يتطور بشكل غير مسبوق ( العلوم، التكنولوجيا، مناهج البحث والتعليم، وسائل الإعلام، أساليب الحياة، المدن، الطرق والمواصلات، العمارة، الفنون والآداب، الخ، الخ.. ). ومع هذا فإن ميل الإنسان إلى العنف ضد أخيه الإنسان وضد الطبيعة وكائناتها التي تشاركنا المعيشة على الكوكب لم يهدأ ولم يُلجم، إن لم نقل إنه ازداد استعاراً، متخذاً هذه المرة صوراً جديدة مبتكرة ( فعلية واقعية ) و ( رمزية مقنّعة ). وحين نمعن النظر في مشاهد حياتنا نعجب للكم الهائل من مظاهر العنف التي تصيبنا بالرعب والدوار. والعنف في السلوك يتجسد في أشكال شتى مختلفة؛ في الكلام العصبي الغاضب.. في التهديدات التي تُطلق حتى في أثناء الخلافات العائلية.. في الطرق المدوي لقطع الدومينو على مناضد المقاهي.. في شتائم سائقي السيارات بعضهم لبعض عند زحام الطرقات.. في الاتهامات المتبادلة بتشنج بين الساسة. وحتى مزاحنا لا يخلو من حركات وإشارات مباشرة أو غير مباشرة لها طابع العنف.. وقبل مدة في حافلة للنقل العام لفت انتباهي سلوك رجل يريد المزاح، كان يكرر كلمة ( أذبحك ) مع ابن صديق له ( طفل في الرابعة أو الخامسة ) وهو يضحك ويؤشر إلى رقبته ورقبة الطفل بعلامة السكين مردداً هذه الكلمة المخيفة والطفل الذاهل يبتسم حيناً وتنكمش ملامحه خوفاً حيناً.
طبعاً هذا إلى جانب ما يحصل في كل مكان من العالم من جرائم ( عابرة أو منظمة ) وحروب ( مباشرة أو بالإنابة ) وإرهاب ( جماعات ودول ) وتدمير للبيئة الحيوية وقتل كائناتها.
هناك عنف في منازل كثيرة، بين الزوج وزوجه.. بين الأبوين والأبناء، وبين الأبناء أنفسهم.. وعنف في الشوارع والمقاهي والمتنزهات.. وعنف في المدارس.. عنف في أزقة المدن وفي الأرياف لأتفه الأسباب. وهكذا يولد الطفل وهو يتعرف على محيطه ليرسخ في ذهنه ووجدانه كما لو أن العنف جزء أصيل من كينونة البشر ومن طبائع الأشياء.
نحكي عن السلام والوئام والاستقرار والأمن والأخوة الإنسانية والرحمة والتسامح والحب والضمير الحي والحفاظ على البيئة، ثم يحاصرنا العنف بألف ألف شكل ومظهر وصورة أمام أعيننا، وفي نشرات الأخبار والبرامج والتقارير الإعلامية وفي المسلسلات التلفازية، والأفلام السينمائية، حيث باتت عشرات القنوات الفضائية تعرضها على مدار الساعة؛ أفلام تختنق بمشاهد القتل المروعة والجثث المتناثرة ومناظر الدم والأشياء المحطمة. ومن ثم يظهر لك البطل، في النهاية، مبتسماً مرتاحاً يقبّل حبيبته بحرارة وكأنه لم يشترك لتوِّه في مجزرة أودت بحياة، لا أفراد العصابة الشريرة فحسب، بل وبحياة عدد من زملائه ومن عابري السبيل الأبرياء.
ليس من السهل استئصال جذور ثقافة العنف .. الثقافة السائدة والمنتصرة على سواها في عالم اليوم؛ في أجهزة الإعلام وإستراتيجيات الجماعات والمؤسسات، وفي سياسات الأحزاب والحكومات. وأحسب أن آليات عمل وانتشار هذه الثقافة هي الأخطر على مستقبل الإنسان فوق سطح الأرض. بالمقابل فإن المشكلات المتفاقمة التي تبدو في الغالب وكأن لا حلول لها وحتى أمد طويل تفرض علينا إيجاد إستراتيجية ثقافة وتربية وتعليم تجذ ِّر قيم المحبة والتسامح والحوار والسلام علّنا نخفف من غلواء العنف ودوافعه المسيطرة على عقول ونفوس أعداد هائلة من البشر. وهذه مهمة مشتركة لجميع الداعين إلى تلكم القيم في بلادنا، وفي كل بقعة من العالم.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن