قوة التغيير والخلاص من قوة سطوة الجبرية الدينية

كريم الهزاع
kareem.h.9@Gmail.com

2009 / 5 / 31

عندما تُكشف نواة الكائن كصيرورة اجتماعية يمكن عندئذ أن يبرز الكائن الذي ظل غير واع هذه الحقيقة، يمكن أن يبرز كنتاج للفاعلية الإنسانية كما يمكن لهذه الفعالية بدورها أن تبرز كعنصر حاسم في تطوير الكائن نفسه وتبديله وهكذا يصبح الإنسان ذات الصيرورة وموضوعها وبذلك لا يعود كافياً أن ينعطف الفكر نحو الواقع فحسب بل يصبح لزاماً على الواقع أن ينعطف نحو الفكر.
والكلية التي نعتمدها في سياق هذا البحث ليس معناها الكائن في صيرورة تمام العالم وإنما كلية النشوء والارتقاء التي تجري عبر التجربة الاجتماعية والتاريخية كما تتكون وتكشف عن نفسها بالممارسة الاجتماعية ومن خلالها ، إنها جماع الأحداث المعروفة كلها التي ترد في التحليل الأخير إلى كونها نتاج البشر وتسمى الكلية. وللتاريخ تركيب باطن يرجع إلى تحول الواقع البسيط للظواهر الجزئية ولكل ما يمضي دون توقف وهو لا يصير تاريخاً إلا باتحاد الكلي مع الفردي بحث يتخذ، في ضوئه وكل صفاته، أهمية لا يمكن الاستغناء عنها ويصير كلياً على نحو ما، أي عبوراً يتحقق في الوجود.
إن اعتبار الظاهرات الاجتماعية من وجهة نظر فردية لا يمكن أن يقود إلى الكلية وأقصى ما يمكن بلوغه هو إدراك هذا المظهر أو ذاك في مجال جزئي أو إدراك أجزاء متفرقة على شكل «أحداث» لا رابطة بينها وإلى قوانين جزئية مجردة. إن الكلية لا يمكن إبرازها أو عرضها إلا إذا كانت الذات التي تعرضها كلية أيضاً وحتى تعي الذات نفسها ينبغي لها أن تعي الموضوع ككلية. هذا وأن النظرة إلى الكلية كذات لا يمكن أن تستقيم إلا للمجاميع التي تمثلها في المجتمعات المعاصرة.

ولا يمكننا أن نفهم دور الفرد البارز إلا من خلال الصيرورة والكلية والجدل إذا أردنا أن يظل واقعه ودنياه واقع البشر ودنياهم. إن دور الفرد البارز وتمكنه من صنع الأحداث لا يتم في فراغ أو عزلة وإنما يتم من خلال الواقع التاريخي في تداخل جدلي متصل بالظروف الموضوعية وبالناس الذين يصنعون التاريخ. والفرد البارز من خلال هذه الجدلية ليس مشاهداً حيادياً بل مشاركاً وفاعلاً.

إن فرد الفعل البارز هو الشخص الذي امتلك علم الممكن التاريخي وهو بوعيه هذا وسلطته وتمثيله للطبقة أو مجموع الشعب يبدل الوسط أي جماع العلاقات التي يشكل كل فرد جزءاً منها ويشغل فيها حيزه الثابت المتخير.
وصورة الفرد البارز من خلال الواقع الجدلي ، أي من خلال التداخل بين دور الفرد أو الأفراد، ومن خلال القوى التي انبثقت عن علاقات الناس وخرجت عن رقابتهم ، تجعلنا ننظر إلى هذا الفرد البارز بوصفه يشكل جزءاً من كل وهو يؤثر في هذا الكل بمقدار ما يستوعب تأثير الضرورة، في الصيرورة والكلية، ويتكيف بمقتضاه فعل الإرادة . ومن المؤكد أن مفهوماً مادياً عن الإرادة ينسجم تماماً مع أكثر الفاعليات العملية نشاطاً. وأن جميع التعاليم الدينية التي حاولت أو قوضت الإرادة البشرية افترضت، مبدئياً أن عدم أهلية هذه الإرادة فاستبعدت بذلك هذا الاختيار الحر وألقت بالعالم في أحضان الجبرية. وسلمت ذات الإنسان للمجهول ، وأسقطته في فخ المقدس الذي ظل يشوش حواسه ويلغي تفكيره تحت قوة الخوف من الجحيم والترغيب بالجنة ، بحيث لم يعد يستطع توجيه أي سؤال في ظل ثقافة التلقين والحفظ ثم الحفظ ثم الحفظ كي يتحول إلى ببغاء لاتستطيع كشف المتناقضات ولا تأويل النصوص أو قراءة مابين السطور أو من أين جاءت ، وهل تمت مقارنتها بنصوص سابقة عليها ؟ وما علاقتها بالأسطورة وتاريخ الأفكار الإنسانية ؟ لذا على الفرد الذي يبحث عن التغيير عليه الخلاص أولاً من سطوة الجبرية الدينية .





http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن