الخطاب النسوي المعاصر قراءة في خطاب نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي

تركي علي الربيعو

2002 / 6 / 14

الخطاب النسوي المعاصر

 قراءة في خطاب نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي


تركي الربيعو (كاتب من سوريا)


1- قراءة في خطاب نوال السعداوي

ينطوي فعل القراءة على تأويل للمقروء يجعله ذد معنى في آن واحد. وذا معنى بالنسبة لمحيطه الفكري والاجتماعي والسياسي وأيضا بالنسبة لنا نحن - القارئين - فمن جهة تحرص هذه القراءة على جعل المقروء معاصرا لنفسه من جهة على صعيد الاشكالية والمحتوى المعرفي والمضمون الايديولوجي ومن هنا معناه بالنسبة لمحيطه الخاص، ومن جهة أخرى تحاول هذه القراءة أن تجعل المقروء معاصرا بالنسبة لنا نحن بإضفاء صفة الفهم والمعقولية على النص المقروء. (محمد عابد الجابري، نحن والتراث، ص 6) كان الجابري يرى أن أية قراءة للتراث يجب أن تقوم على خطوتين منهجيتين الفصل والوصل فجعل المقروء معاصرا لنفسه معناه فصله عنا.. وجعله معاصرا لنا معناه وصله بنا.

هذه المقالة تقوم على قراءة معاصرة لما سميناه بالخطاب النسوي المعا هو كتعريف إجرائي. ونقصد بالخطاب النسوي المعا هو الخطاب الصادر عن كاتبات عربيات والمحكوم بها حسب تحرير المرأة. لمزيد من الدقة سوف أتناول وعبر قراءة مختلفة خطابات كل من نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي المبدعة دوما، مع تركيز بالغ على خطابات المرنيسي فمن وجهة نظرنا أن خطاب المرنيسي بخصوصيته وبانفتاحه على المستجدات الحديثة في مجال العلوم الانسانية في معالجة النصوص ليقوم على أحداث قطيعة ابستمولوجية مع خطاب السعداوي ولعل هذا هو ما دفعنا الى قراءة خطاب السعداوي. وما نقصده بالقطيعة الابستمولوجية هنا أن خطاب المرنيسي لا يلفي خطاب السعداوي ولا يسعى الى أن يحل محله، إنه خطاب مغاير في جهة في موضوعه، وبطريقة معالجته والأدوات المعرفية والذهنية التي يعتمدها من جهة ثانية. بقي أن أقول أن الخطاب النسوي المقروء هذا، هو خطاب يمتد على طول مسافة زمنية تمتد من أواسط عقد السبعينات حتى أواسط عقد التسعينات لذا فهو معاصر بكل معنى الكلمة وحاضر، في ظهرانينا بكل ثقله الايديولوجي والعلموي والمعرفي...الخ.

في كتابه الموسوم بـ "إرادة المعرفة " والذي يشكل الجزء الأول في تاريخ الجنسانية الذي لم يكتمل أبدا بسبب من وفاة فوكو، يلمح فوكو ذلك التفاوت الهائل والمفاجيء بين حقلين معرفيين متميزين وذلك على طول فترة تاريخية طويلة، بين ما يسميها بيولوجيا التناسل والتي تطورت باستمرار وفقا لمعيارية علمية عامة ودقيقة وبين طب للجنسانية خاضع لقواعد تكوينية مختلفة جدا، وما يلحظه فوكو أنه لا يقوم أي تبادل حقيقي بين الحقلين ولا أي تركيب بنيوي متبادل. كما لو أن مقاومة أساسية كانت تتصدى لقيام خطاب عقلاني عن حقيقة الجنس. وفوكو يعزي الاختلاف بين الحقلين أي بين بيولوجيا التناسل وبين طب الجنسانية، أن الأول خضع ومنذ البداية لإرادة معرفة شاسعة، كانت ركيزة لتأسيس الخطاب العلمي في الغرب، بينما يخضع طب الجنسانية لإرادة عدم معرفة عنيدة (فوكو، إرادة المعرفة، ص 70).

من أواسط السبعينات حيث كتبت السعداوي "المرأة والجنس " "جزءين " وبالأخص جزأه الثاني والذي يحمل عنوانا فرعيا بالغ الدلالة يقول فيه أن " الأنثى هي الأصل " وكذلك (الرجل والجنس - 1976) الى أواسط عقد الثمانينات وخطاب السعداوي هو السائد والأكثر شهرة ورواجا وليس هذا فحسب بل أنه يبلغ في صراحته حدا يخدش الحياء التقليدي والذي لا يعترف بمكان آخر للجنس الا غرفة الأبوين وعلى حد تعبير فوكو (إرادة المعرفة، ص 8) فالسعداوي لا تطالب بتبديل جذري، للعلاقات بين الجنسين، بل إنها تقترح اشكالا في المتعة الجنسية يقرها العلم كما تقول وتقوم على انقلاب جذري في نمط الممارسة الجنسية. من ( المرأة والجنس - 1974) الى "الرجل والجنس " الى "المرأة والصراع النفسي – 1977" نجد أنفسنا أمام خطاب عنيد يهدف الى قول حقيقة الجنس، الحقيقة التي يحجبها مجتمع تقليدي شيعته الكذب والنفاق كما تقول وخاصة في مجال حقيقة الجنس. لا بل إنها وفي إطار سعيها لقول حقيقة الجنس تشكل لنا ما يسميه فوكو بـ "أرشيف الملذات الجنسية " وبخاصة في كتابها الموسوم بـ "المرأة والصراع النفسي " والذي تنقل لنا فيه الاعترافات الجنسية لعدد كبير من النساء الشابات المصابات بالمرض النفسي والذي هو بمثابة نتيجة لنمو جسدي ونفسي غير سوي.

وفي رأيي أن السعداوي تستعير بواعث التعبير عن تجربتها من التراث الكنسي المسيحي الذي تهاجمه السعداوي. فهذا التراث من وجهة نظر فوكو - ويقصد بذلك التراث المسيحي - طور شكلا طقوسيا يهدف الى قول حقيقة الجس هذا الطقس هو طقس الاعتراف والذي شكل وكما أسلفنا أرشيفا كبيرا للملذات الجنسية وطقس الاعتراف هو الشكل الوحيد الذي طورته المسيحية الغربية بهدف قول حقيقة الجنس وارساء القواعد لما يسميه فوكو بـ "علم الجس ".

يشي خطاب السعداوي بالسعي الحثيث الى تشكيل علم للجنس يهدف الى تحرير المرأة والرجل من ميمنة قرون من التقاليد والاضطهاد والتشويه والتجاهل لحقيقة الجنس. وفي إطار سعيها لقول حقيقة الجنس تربط السعداوي بين بيولوجيا التناسل وطب الجنسانية إنها لا تمل من الاستشهاد بالبيولوجيا. لتؤكد على أن الأنثى هي الأصل. في عالم النبات حيث تستمر المدقة (العضو الأنثوي) في الحياة خلافا للسداة (العضو الذكر)، الى عالم الحيوان حيث تحمي الدجاجة فراخها

الى عالم الانسان حيث يبدأ الجنين نموه في الأصل كأنثى.

إن نوال السعداوي تجد في البيولوجيا ملاذها لتؤكد على القدرة اللامحدودة عند الأنثى على الاخصاب، وكذلك ميزة الانجاب التي تزود الأنثى بقدرة لامحدودة أو لانهائية على أن المرأة بيولوجيا أرقي جنسيا وأكثر قدرة على الاثارة والمتعة من الذكر. بل انها تندفع باستمرار الى حقل طب الجنسانية، الحقل الذي يهدف الى معرفة علمية لحقيقة الجنس، معرفة ظلت محكومة بإرادة عدم معرفة عنيدة. وباندفاعها تدفع القاريء الى متاهات طبية تتعلق بحقيقة الأنثى الجنسية وذلك في إطار سعيها الى التأكيد على أن الأنثى هي الأصل.

والسعداوي تذهب الى أكثر من ذلك فهي تستنجد بالتاريخ لتأكيد صحة فرضياتها العلموية، تاريخ الأقوام البدائية حيث كانت الأمومة موضع اعتزاز وقداسة ومكانة متميزة للمرأة وتاريخ مصر الفرعونية حيث لم تعرف المرأة المصرية الحجاب وكانت تختلط بالرجال. والسعداوي هنا تستند في قراءتها الى الفرضيات الاناسية (الانثربولوجية) والتي جاءت من اجتهادات "إناسيو المقاعد الوثيرة " والتي تم تجاوزها منذ زمان بعيد. إن السعداوي التي يحركها ميل أكيد لقول حقيقة الجنس عن طريق بيولوجيا التناسل، تفاجئنا الى حد الذهول عندما تصر على أن الفارق بين الرجل والمرأة هو فارق على مستوى الثقافة، لنقل على مستوى ثقافة ذكورية وجدت امتدادها على طول تاريخ حضاري طويل قام على نكران الغرائز، لنقل مع السعداوي نكران الجنس والذي رسب في النفوس احساسا بالذنب والنقص، وانطلاقا من أن تاريخ الحضارة هو تاريخ الدين، عندها ستجد السعداوي نفسها وجها لوجه مع الحقل المسيج بالألغام وعلى حد تعبير محمد أركون. إنها تشتكي مرارا من وعورة الطريق ومن الأرض المليئة بالألغام وعلى حد تعبيرها، المليئة بالمقدس والخزعبلات (هكذا تربط السعداوي بين المقدس والخزعبلات وهو ربط يشي بغيابها عن انجازات هامة في هذا المجال)، ولكنها - وهي الجريئة دائما - تحاول أن تقترب من دائرة المقدس اليهودي - المسيحي وذلك عبر مجموعة من الأسئلة التقليدية والمحكومة بهاجس العقل التعليلي ممل: لماذا سمع آدم كلام حواء؟ ولماذا سمعت حواء كلام ابليس ؟ نعم، إن السعداوي تطرح السؤال الذي اعتبره فوكو أساسا لمشروعه في قراءة الجنسانية (من وجهة نظر فوكو أن الجنس مرتبط أشد الارتباط بالجنسانية لم والسؤال هو لماذا ربط الناس طويلا بين الجنس والخطيئة. إن السعداوي تطرح السؤال بالشكل التالي لماذا نظر الى الجنس على أنه إثم. واذا كان الجواب ذا مرجعية ثقافية. فإن السعداوي ومن وجهة نظري لا تفلح في قراءة المرجعية الثقافة بالرغم من إصرارها على أن قضية المرأة في النهاية قضية سياسية ؟ ومن هنا أهمية عمل المرنيسي ؟

2- قراءة في خطاب فاطمة المرنيسي الحريمي والقدسي والسياسي

في رأيي أن خطاب السعداوي هو خطاب لا تاريخي، إنه يبحث عما يبرره في حقل البيولوجيا وطب الجنسانية وهو بذلك يمارس هروبا الى الامام عندما يتجاهل الارث التراثي الكبير ليبحث عن الحل في مكان آخر. من هنا تأكيدنا على أن خطاب المرنيسي يمنة قطيعة ابستمولوجية مع خطاب السعداوي. إن الموضوع واحد عند الاثنتين، فالمرنيسي والسعداوي هاجسهما الوحيد هو تحرير المرأة. لكن ما يميز المرنيسي هو تأويلها للمقروء التراثي، التأويل الذي يجعله معاصرا لنفسه ومعاصرا لنا في آن. وهي تتقدم في هذا المجال الوعر خطوات كبيرة إن لم نقل مفارز، وهي بذلك تدير ظهرها لـ "بيولوجيا التناسل " التي تعيرها السعداوي اهتماما كبيرا. المرنيسي على وعي تام بأن الجنس في حالة تبعية تاريخية للجنسانية (الجنسانية في مصطلح فوكو هي الصياغة العلموية للجنس وما يكتنفها من جاهز يات المعرفة والسلطة) ولذلك فهي تتجه مباشرة الى حقل السلطة / المعرفة علها تقرأ ما لم يقرأ بعد وهذا ما تفعله. وفي تعاملها مع النص التراثي كشبكة من علاقات معرفية وسلطوية بأن تقوم بإخضاع النص التراثي لعملية تشريحية دقيقة وعميقة تحوله بالفعل الى موضوع للذات، الى مادة للقراءة. انها تستخلص معنى النص من ذات النص نفسه أي من خلال العلاقات القائمة بين أجزائه وهي توظف ل هذا المجال دون أن تصرح بتلك المكتسبات المنهجية التي وفرتها الثورة في مجال.العلوم الانسانية فهي تمزج المعالجة البنيوية والتحليل التاريخي للنص التراثي. دون أن تغفل عما يسميه الجابري بالطرح الايديولوجي والذي بدونه يظل التحليل التاريخي ناقصا وصوريا مجردا. إذ أن الكشف عن المضمون الايديولوجي لفكر ما هو الوسيلة الوحيدة لجعله فعلا معاصرا لنفسه مرتبطا بعالمه (الجابري، نحن والتراث ص24).

مع بداية عقد الثمانينات من هذا القرن، صدرت الترجمة العربية عن دار الحداثة في بيروت لكتابها الموسوم بـ"السلوك الجنسي في مجتمع رأسمالي تبعي" في هذا الكتاب كانت المرنيسي مشغولة تماما بالدور التخريبي الذي يلعبه النظام الرأسمالي في الأطراف لنقل في مجتمعات رأسمالية تابعة كحالة المغرب العربي. كان الكتاب وبمقدار ما يبحث في قضية المرأة واستغلالها في الأطراف الا أنه كان بمثابة بيان عن التخلف التاريخي والانحطاط لبورجوازيات الأطراف والذي هو بمثابة نتيجة. وكان هذا يعني أيضا الاندفاع الى حقل الأدبيات الثوروية والدفاع عن تحرر مجرد للمرأة. وسر عان ما اكتشفت المرنيسي أن وضع المرأة العربية مشدود الى ربقة السلف التراثي وأنها مربوطة في عجلة المقدس. وكان الأمر يقتضي البحث لسنين عديدة في حقل مسيج بالألغام كما صرحت بذلك ويقتني الصبر والاعداد المنهجي وقبلت المرنيسي التحدي ومع نهاية عقد الثمانينات صدرت النسخة الأولى من "الحريم السياسي " وتتابعت الكتب فصدر في عام 1994 كتابها الموسوم بـ "السلطات المنسيات: نساء رئيسات دولة في الاسلام " وكذلك كتابها "الخوف من الحداثة: الاسلام والديمقراطية - 1992)".

في هذه المقالة سوف أقف عند كتابها الموسوم _ "الحريم السياسي،، والذي يحمل عنوانا فرعيا دالا "النبي والنساء" ثم انتقل بعد ذلك جيئة وذهابا في مجموع نتاجاتها اللاحقة. وقد جاء اختياري لهذا الكتاب لعدة أسباب الأول أنه يسير في الحقل المسيج من الألغام والثاني كونه يؤسس لمنهج جديد في التعامل مع التراث وثالثها لأن موضوعه يقتني الحذر والدقة واستقلالا للموضوع عن الذات لنقل عن ذات محكومة بهاجس البحث عن الحقيقة في ركام ورفوف الكتب الصفراء.

كأن عنوان الكتاب يشي بالجمع بين المتضادات، بين الحرام والسياسة، لنقل بين المقدس والسياسي، ففي جميع الأدبيات الا ناسية (الانثربولوجية) نجد أن ما هو حرام (تابو) بمثابة إحالة الى ما هو مقدس. لا بل أن الكتاب يعلن صراحة أن إشكالية تحرير المرأة هي في النهاية إشكالية سياسية. إذ أن دونية المرأة لا تمت الى حقيقة الاسلام كنص بل الى الاسلام السياسي التاريخي والذي هو عبارة عن تراكمات لمعارف وخبرات إسلامية وغير إسلامية تمتد الى العصر الجاهلي وصولا الى عصرنا الحاضر.

مقدمة الكتاب تفصح عن الأسئلة المنهجية التي توجه مسار البحث والمضمرة في ثنايا الدراسة. فما هو الأثر الذي يجب اقتفاؤه من أجل فهم أفضل للنصوص الدينية التي يعرفها الجميع، والتي لم يسبر أغوارها أحد باستثناء سلطات هذا المجال: الملا والامام ؟ والى أي مدى يمكن أن نعتسف ونتعسف في تأويل النصوص المقدسة ؟ والى أي مدى نستطيع أن نقرأ بكل بساطة نصا يلتقي فيه السياسي بالمقدس فيذوبان ويختلطان الى درجة يصعب معها تمييزهما؟ وأخيرا هل البحث في المؤلفات الدينية بمجلداتها العديدة الذي يصل الى حد الارباك أمر يسير؟

التساؤلات السابقة التي توجه مسار البحث تفني من جهة أخرى الى الكيفية التي تتعامل فيها

المرنيسي مع النص المقدس.

الثابت البنيوي في خطاب المرنيسي هو أن الاسلام سل ثورة شاملة بالنسبة للتقاليد الدينية اليهودية - المسيحية وعلاقتها بالمرأة. وأنه منكر ثورة في العلاقات النسوية (الحريم السياسي ص 99)، بل أن المرنيسي وعلى طول صفحات كتابها الموجه أصلا الى قراء فرنسيين لا تمل في الثناء على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى تعامله الانساني والنادر في التاريخ مع المرأة. إن المرنيسي تقبل التحدي وتسافر في الزمن، ليس لأن الحج الى مكة فرض _ على حد تعبيرها _ وانما لأن تحليل الماضي من منظور لا يرده أسطورة أو ملاذا، يصبح أمرا ضروريا وحيويا. وفي سفرها عبر الزمن تقف عند محطات هامة عند أحاديث معادية للمرأة رواها بعض صحبة رسول آلله صلى الله عليه وسلم وعند الحجاب حيث تمارس تحليلا لغويا وتاريخيا لهذه الظاهرة الدينية، وعند مصالح الرجال وأهوائهم ونزعاتهم التي مسها الاسلام عندما طالب بمساواة المرأة بالرجل وكان هذا يعني مسا بامتيازات الرجال تجاه النساء كما جسده التنظيم الجديد للارث الذي جاء به الاسلام فمنطق المصلحة أو لنقل مع الجابري منطق الغنيمة كان يتطلب من الرجال أن يعملوا على خنق البعد الاسلامي في المساواة.

لمزيد من التوضيح فإن المرنيسي في بحثها عن أحاديث معاوية للنساء تقف عند الحديث الذي رواه الصحابي الجليل أبوبكرة والذي جاء فيه أن رسول الله (ص) قال "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " والحديث من الأحاديث الصحيحة التي اعتمدها البخاري، صاحب الأرضية العلمية في تسجيل الأحاديث الصحيحة والذي لم يكن ليسجل حديثا قبل أن يتحقق بدقة من سلسلة الاسناد وقبل أن يصلي ركعتين والذي يمثل في نظر المرنيسي منهجا أين منه منهج الانثربولوجيين المعاصريين ؟

تقول المرنيسي بما أنني امرأة ملسمة فلا شيء إذن يمنعني من القيام ببحث مزدوج: تاريخي ومنهجي حول الحديث ومن رواه ولاسيما حول الظروف التي استعمل فيها لأول مرة. فمن روى هذا الحديث ؟ وأين ومتى ولمن، ولماذا؟ (الحريم السياسي، ص 65).

وفي إطار بحثها المزدوج هذا تعتمد المرنيسي منهج البحث من داخل الغابة المنهج الذي أسسه الجابري منذ سنوات في تحليله لأزمة الخطاب العربي المعاصر والذي يحظى باحترام المرنيسي. أقول في هذا الاطار تقوم المرنيسي بقراءة صحيح البخاري وفتح الباري في شرح صحيح الامام البخاري لابن حجر العسقلاني وتاريخ الطبري بهدف التعرف على شخصية راوي الحديث أي الصحابي أبوبكرة ومجموعة أخرى من أهم الكتب. وفي إطار هذه القراءة تتساءل المرنيسي لماذا استجر الصحابي أبوبكرة رضي الله عنه ليستدعي ذكرياته ويبذل جهدا عجيبا كي يتذكر كلمات كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نطقها قبلا منذ 25 سنة خلت ؟ والتحليل الأول من وجهة نظر المرنيسي بعد قيامها باستقصاءات عديدة هو أن الصحابي الذي جلده الخليفة العادل عمر بن الخطاب على قذفه المغيرة بن شعبة كان قد تذكر هذا الحديث أو حديثه وعلى حد تعبير المرنيسي (ص 71) بعد موقعة الجمل، الموقعة التي أعدمت فيها أم المؤمنين عائشة سياسيا بعد أن صرع ثلاثة عشر الف رجل من أنصارها في ساحة المعركة. هكذا يرتبط المقدس بالسياسي ويكون شاهدا على تاريخ نحن بأمس الحاجة الى إعادة قراءته على طريقة المرنيسي ومن جديد.

لا يخفى على القاريء أن خطابي هذا مضمر بالاعجاب بما تكتبا المرنيسي بالرغم من أن هذا يمثل تجاوزا للنظرة الموضوعية والأكاديمية الباردة بأنه، لابد أني أشاركها خوفها المبثوث في ثنايا كتابها الموسوم -"الخوف من الحداثة " فالعناوين الرئيسية لفصوله تثير حالة من الرعب، إنه الخوف من المجهول بالرغم من نبرة التفاؤل التي تقع في متن أعمالها، الخوف من الغرب حيث تغرب الشمس هناك ويجن الليل ويمتليء جنا ورعبا، والخوف من الحاكم والامام ومن حرية التفكير والحرية والماضي والحاضر، فمن بين عشرة فصول تشكل متن الكتاب نجد سبعة منها تبدأ عنوانها بالخوف. أعود للقول إن اعجابي بما تكتبه المرنيسي متنوع وعديد، إلا أنه يمكن اختصاره بالقول إنه يتمحور حول تلك الإرادة من المعرفة التي تحكم أعمالها في البحث عن الحقيقة لنقل في البحث عن تاريخ آخر، عن تاريخ منسي ومقفل عليه بالرتاج، وفي البحث في المناطق الموحلة والهامشية والذي يشكل الآن منهجا حديثا في خطاب العلوم الانسانية يندرج في إطار ما يصطلح تسميته باللامفكر فيه.

إن البحث في اللامفكر فيه، هو بحث في تاريخ لما يزل مموها ومحجوبا في آن، وهو بحث من شأنه أن يكشف لنا كيف يمكن اغتيال التاريخ على يد مؤرقين لاحقين ومؤد لجين وتسكنهم هو ابس الخوف من النسوية، ويستعيرون بأن بواعث التعبير عن عدائهم للمرأة من مكبوتات جاهلية ظت محايثة للاسلام الروحي ووجدت طريقها الى الاسلام السياسي وأين هم بالقياس مع المؤرخين الأوائل كالطبري وغيره والذين كانوا يعتبرون كتابة التاريخ بمثابة مهمة دينية وعلى حد تعبير المرنيسي. تقول المرنيسي في صدر بحثها عن التاريخ الآخر، عن تاريخ سلطانات منسيات مارسن السياسة وتجاوزن عتبة الحريم وكسرن الحلقة المفرغة التي تربط بين الجنس والسياسة تقول: لفهم تاريخ النساء في الاسلام، على الأخص في الاسلام، فإنه محكوم عليه كتاريخ الفلاحين أو الفقراء بالا يعبر عنه مطلقا في الخطاب الرسمي، لقد آن الأوان للبده في عمل تاريخ للمسلمين بالذهاب الى ما وراء إسلام الامام /الخليفة / رئيس الجمهورية، تاريخ القصر وعلمائه ويتجاوز إسلام الأسياد، وبالدخول - من أجل هذا العمل - الى مناطق موحلة وقاتمة من الهامشية والاستثنائية، أي تاريخ التوترات الدينامية، تاريخ النظام المتعارض، تاريخ الرفض والمقاومة تلك هي القراءة التاريخية الوحيدة الجديرة بأن تعطي المسلم من جديد عظمت الانسانية، بإظهاره لنا، ليس كمطيع آلي وانما ككائن مسؤول، قادر على رفض الطاعة عندما يؤمر بأن يشوه نفسه، وأن يتخل عن أمليته في التفكير بحياته " (السلطانات المنسيات ص 143).

إن فعل القراءة هذا التي تقترحه المرنيسي وتمارسه، ليسر محايدا، إنه رد فعل واع على عملية التجهيل المستمرة من جهة وعلى الجهل  بالماضي من جهة ثانية والذي يستخدم باستمرار كسلاح ضد "نا" حيث الـ "نا" هذه تعود ليس على النسوة فحسب بل على الجميع ممن يشعرون أنهم خارج التاريخ الرسمي وضحية له في وقت واحد. وفي إطار فعل القراءة هذا لا تنسى المرنيسي أن تؤكد على حقيقتين الأول أن قراءتها للتاريخ الهامشي هذا إن جاز التعبير تتجاوز كونها باحثة وأستاذة جامعية بل تصدر في آن عن التزامها كامرأة مسلمة ملتزمة (ص 13). والثانية انها في بحثها في التاريخ تقوم بالتمييز ما بين الاسلام الروحي والاسلام السياسي التاريخي وهذا ما تؤكده باستمرار وعلى طول سيرتها الفكرية تقول المرنيسي "تحاشيا لكل سوء فهم وكل تشويش، فأنه من الطبيعي، في كل مرة أتكلم فيها عن الاسلام دون أي وصف في هذا الكتاب، فإني أقصد فيه الاسلام السياسي، الاسلام كممارسة للسلطة وأعمال الرجال المدفوعين بمصالحهم والمشبعين بالأهواء، وهو ما يختلف عن الاسلام - الرسالة، الرسالة الالهية،الاسلام المثالي المدون في القرآن الكريم. وعندما أتكلم عن هذا الأخير فإنني أعبر عنه بالاسلام كرسالة، أو الاسلام الروحي" (ص 18). الحقيقتان الأولى والثانية تشيدن بالحضور الكبير لتيار سلفي يرى في التاريخ الرسمي على أنه التاريخ وأن كل محاولة في البحث عما أسمته المرنيسي بالتاريخ الهامشي تتضمن محاولة للنيل من الاسلام.

بين الجنس والسياسة لغز لا تدعي المرنيسي أنها قادرة على حل لغز هذا المشهد المزدوج، ولا المعالجة بالتفصيل للالتباس الذي يخيم على الحقوق السياسية للنساء المسلمات (ص 13). وفي المقابل فهي تؤكد أنها في بحثها في كتابها هذا - عن السلطانات المنسيات وعن الحقوق السياسية للنساء، لا يكمن هدفها في وصف الجدات العظيمات بدون أخطاء، المتمتعات بكل المزايد وبخاصة منهن اللواتي لا يمكن مجاراتهن في ألاعيب السلطة، سواء أكان ذلك بعامل السياسة أو الحب ". إن المرنيسي سرعان ما تخيب أمل النساء الباحثات اللاتي أضناهن البحث عن مرحلة الأمومة وعن سيادة المرأة في بدء فجر الانسانية، واللواتي كن ضحية لنزعة أيديولوجية تساوت وتحكمت في رقاب علم الاناسة (الانثربولوجيا) وكذلك في حقل الاركيولوجيا (علم الاثار).

فالمرنيسي التي تحكمها إرادة معرفة في البحث عن الحقيقة، أو لنقل عن تاريخ حقيقي حكمت فيه النساء المسلمات، لا تمنعها - أي هذه الإرادة - من رؤية الوجه الآخر- وهذا هو نتاج إرادة المعرفة - الوجه الذي يؤكد على أنه في كل مرة حصلت فيها النساء على السلطة مارسن الفظائع التي لم يأت بها الرجال على عظها ومارسن الاغتيال السياسي (ص 76).

هل يعني هنا أن قراءة المرنيسي هذه تمثل خيانة لطموح نسوي يريد أن يجعل من الفترة التي حكمت فيها النساء فترة مزدهرة كما تصف لنا الأسطوريات القديمة التي تتحدث عن عهود مزدهرة حكمت فيها النساء والجواب: لا.. تقول المرنيسي: وسواء أعانت الملكات اللواتي ندرسهن الآن ذوات شخصيات مبتذلة، طموحة، أو ماكرة أو ارتكبن أعمالا خرقاء، فإن ذلك لا ينبغي أن يزعجنا، فواقع المحاولة بأن نجعل من التفاهة أو النواقص ورقة رابحة، وتحدي المصير والترتيبات التي تسنده، هو الذي يشكل عظمة الكائنات البشرية،فالعادي والانساني هما اللذان يتحركان عندما تراقب حياة هؤلاء الملكات، كذلك الأمر في تأمل حياتنا. لقد كان هؤلاء الملكات قتاليات دائما، ولكنهن نادرا ما كان الانتصار حليفا لهن " (السلطانات، ص 147).

إن عمل المرنيسي وعلى طول الساحة الفكرية لها، يفيض بهاجس الأسئلة المضمرة أحيانا والصريحة في أحيان كثيرة ومن هذه الأسئلة التي تشكل غيضا من فيض والتي تطال الماضي والحاضر.

- من أين يأتي هذا النزاع بين النسوية والسياسة ؟

- اذا كان الاسلام الروحي كما جاء في القرآن الكريم وعلى لسان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) قد ساوى بين المؤمنين والمؤمنات فكيف تمكن الاسلام السياسي التاريخي من تجاوز هذا العمل بالمكبوت التاريخي؟

- لماذا نجد أنفسنا حاليا إزاء ذاكرة اسلامية مبغضة للنساء وبنمط واحد؟

- هل القرار السياسي كان ولا يزال امتيازا ذكوريا على مدى خمسة عشر قرنا؟

- هل يمثل اخفاء تاريخ النسوة اللواتي تولين السلطة في الماضي مظهرا من مظاهر الاغتيال التاريخي؟

- كيف ترتبت الأمور لأخذ السلطة في دول تعرف السياسة فيها على مستوى المبادي، بأنها محصورة بالذكورة ؟

- وأخيرا - كيف نجحت نساء الأزمنة القديمة من المسلمات في الوصول الى السلطة واللواتي يفترض أنهن أقل تأهيلا منا والقول للمرنيسي في حين فشلنا نحن العصريات بشكل مثير للشفقة..؟ وما هو سر الملكات اللواتي حكمن، وكيف نجحن في الوصول الى السلطة دون خوف هن الرجال، وما يتضمنه هذا الوصول من تجاوز للعتبة التي تفصل عالم الحريم عن عالم السياسة الذكوري؟

في قراءتها للتاريخ المنسي تتوقف عند عصر الجواري أو ما تسميه بثورة الحريم، والتي كانت عميقة ومستمرة لأنها عزفت على وتر الحب وما تسميه بالفن الشبقي الذي أتقنته مدارس بغداد في ذلك العصر. الحب الذي أصبح جسرا للمرور الى السياسة كما هي حالة حبابة مع الخليفة الأموي التاسع يزيد والذي مات كمدا على معشوقته التي قتلتها حبة من الرمان، وكما هي حال المهدي العباسي مع الخيزران التي مالت وجالت في عالم السياسة. إن المرنيسي تقرأ حالة السلطانات الخمس عشرة اللواتي حكمن البلاد ومارسن السياسة. سلطانات المماليك (رضية وشجرة الدر) والملكات المنفوليات (الحواتين) وملكات الجزر والملكات العربيات في اليمن وملكات سبأ الصغيرات وسيدة القاهرة المدعوة بـ"ست الملك " وفي قراءتها ولنقل في تأويلها للمقروء والذي يمثل سفرا في الزمان، تعثر على التاريخ المنسي المضحى به على مذبح التاريخ الرسمي والذي ينوس بين حدي الاغتيال السياسي والاغتيال التاريخي ومن هنا تكمن أهمية قراءتها لأكثر من مرة.

الخوف من الحداثة

إن المرنيسي المتفائلة جدا بإمكانية نهضة العالم العربي وتجاوزه لكبواته، يحدوها حدسها كامرأة بالتفاؤل. حدسها المفرط إن جاز التعبير والذي قلما أخطأ وعلى حد تعبيرها والذي يدفعها لأن تكون عرافة هذا الزمان. كانت زرقاء اليمامة قد تنبأت بعقلها وليس بعينيها المكحلتين بالاثمد كما تقول الروايات أن العدو على الأبواب. وهاهي المرنيسي تدفع بتفاؤلها الى أقصاه والذي هو ناتج تحليل لواقع عربي مهزوم وهذا لا يعني أنها لا ترى العدو، فبصيرتها ثاقبة ومفرطة في شقتها تقول المرنيسي "سينطلق العالم العربي. هذه ليست نبوءة، إنها حدس امرأة. والله - العليم بكل شيء - يعلم بأنها نادرا ما تخطي،" (الخوف من الحداثة، ص 189) أعود للقول أن المرنيسي المفرطة في تفاؤلها لا تنسى أن تحدثنا عن الخوف هذه المرة، بالأحرى وكما تقول عن المخاوف وعن كل أنواع الخوف. عن أشكاله المتدفقة في جميع انحاء العالم والتي تملأ ظهر البسيطة رعبا ودما، عن عنف الداخل وعنف الخارج، عن ذلك الخوف القادم من الشرق أو من الغرب على السواء عن خوف يتضاعف بفعل المرايا المتعاكسة حتى اللانهاية، عن مخاوف فردية وقد تدفع الى هاوية اليأس والانتحار وعن مخاوف جماعية تجد تعبيرها في فقدان الأمن وضياع الهوية واستمرار حالة الجوع والتدهور العام كما يشهده العالم الآن. إن العنوان الرئيسي لكتابها الجديد هو الخوف من الحداثة، لابد أن العناوين الرئيسية لفصوله تثير حالة من الرعب كما أسلفنا إنه الخوف العام. الخوف من الغرب الغريب حيث تغرب الشمس هناك ويجن الليل

 ويمتليء رعبا. والخوف من الحاكم والامام والخوف من الديمقراطية ومن حرية التفكير والخوف من الحرية ومن الماضي والحاضر، فمن بين عشرة فصول تشكل متن الكتاب نجد سبعة منها تبدأ عنوانها بالخوف، وهذا يعني أننا أمام حالة من الخوف الهيستيري التي يعيشها العالم العربي. والمرنيسي التي تؤكد على حالة الخوف هذه والتي تجعل منها حالة عامة لا يفوتها أن تستشهد بأقوال مفكرين عرب يؤازرونها في هذا المجال. إنها تأتي بأقوال المفكر التونسي هشام جعيط والذي يقول بأسى وبحزن بالغين "أشعر بأنني ذليل لانتقائي الى دولة بلا أفق وبلا طموح، دولة متسلطة حين لا تكون استبدادية، حيث لا يوجد لا علم، ولا عقل، ولا جمال للحياة، ولا ثقافة حقيقية. هذه الدولة تقمعني. وفي مجتمع الاقليم الريفي أختنق. واني كمثقف أعيش حالة عصاب نفسي. وأن من الانسانية والشرعية أن أسقط ضيقي على مجتمعي. لكن الاحتجاجات الشعبية موجودة هنا لتشهد بأن ذلك الضيق ليس من صنع المثقف "  الخوف من الحداثة ص 63.

عن ماذا تنشأ حالة الخوف هذه. إن المرنيسي تقودنا الى الاجابة عندما تروي لنا حكاية من "ألف ليلة وليلة ". عن الليلة التي قلق فيها الخليفة العباسي هارون الرشيد وأصابه الأرق فطلب من وزيره البرمكي أن يصحبه وحامل السيف مسرور برحلة في نهر دجلة. وبعد أن يتنكر الثلاثة بثيابهم التنكرية، يطلب الخليفة المتنكر من البحار أن يأخذهم في جولة مقابل مبلغ كبير من المال. لكن هذا الأخير يرفض العرض لأن هناك أمرا يمنع السير في النهر في هذا الوقت لأن قارب الخليفة الرشيد قادم في عرض دجلة وأمام دهشة الخليفة الرشيد يشير البحار بإصبعه الى القارب الجميل الذي يقل الخليفة وجواريه وعبيده ممن يرتدون الحرير الأحمر. وفجأة يجد الرشيد نفسه وجها لوجه مع نفسه وعندها يتملكا خوف غريب من رؤية الذات على حقيقتها. إن المرنيسي ترى المجتمع العربي على حقيقته، عاريا بلا وتوش. وقد سبق للسعد اوي أن نبهت أن المجتمع العربي لا يريد أن يرى حقيقته ولا يريد أن يواجهها أو بالأحرى كيف له أن يواجه حقيقته المخفية عنه منذ زمن بعيد، أو لنقل حقيقته التي يجهلها منذ زمن بعيد.

إن السؤال المحايث لعمل المرنيسي هذا هو لماذا يخاف العرب من الحداثة، هو بمثابة إحالة من وجهة نظرنا الى التساؤل هل يخاف الاسلام الحداثة ؟ والذي تتفرع عنه أسئلة عديدة أهمها ما موقف الاسلام من قضية المرأة. وهل يخاف الاسلام من الديمقراطية أو يقف بالتضاد معها. هذه الأسئلة تتزاحم الآن في أجهزة الاعلام الغربي وعل يد إعلاميين مفعمين عن بكرة أبيهم بالاستشراق ويبحثون عن اسلام جامد وقر وسطي يرفي أحكامهم الجاهزة ونظراتهم القبلية للاسلام. على صعيد السؤال الأول الذي يتعلق بموقف الاسلام من المرأة فقد سبق ولاحظنا قدرة المرنيسي على كسر الأقفال السلفية وفتحها أما على صعيد السؤال الثاني هل يخاف الاسلام من الديمقراطية، فالمرنيسي ترى أن التحليل العقلاني للاسلام كرسالة يجعله من الصعب أن يكون في خدمة الطغاة (الخوف من الحداثة، ص 34) وهنا تنتقد المرنيسي بشدة رؤية الغرب التي تقدم الاسلام حاليا على أن معقل الاستبداد والتزمت وحيث لا مكان للعقل فيه، وتنتقد بأن أجهزة الاعلام الغربية التي تتجاهل التيار الانفتاحي داخل الاسلام وتشير هي الى الجابري كمثال. وتصر في تعاملها - أي أجهزة الاعلام - على القادة الاسلاميين الذين يحكون المقام الأول على الشاشات الأوروبية وذلك لأنهم كما تقول المرنيسي أكثر مطابقة للقوالب الجاهزة للاسلام المتزمت.

إن التزمت والخوف من الحداثة هما بمثابة نتيجة لواقع تاريخي معاصر. وأن الأصولية التي يجري تضخيمها في الغرب وفي أجهزة الاعلام التابعة والتي تعطي انطباعا قويا للحالة التي يرتبط فيها العنف بالقداسة هي الأخرى ضحية. صحيح أن المرنيسي تجنح في تحليلها لهذه الظاهرة باتجاه الخطاب الأيديولوجي السائد الذي يربط الأصولية بالنفط والبتر ودولار، إلا أن هذا لا يمنع المرنيسي من رؤية الحقيقة والقلق الحضاري على وجه الشباب المسلم المتردي الى هاوية الخوف واليأس والذي يجد ملاذه في المقاومة والتحدي في الاسلام كرأسمال رمزي يجذر المقاومة ولا يدفع الى الاستسلام. تقول المرنيسي في خطاب شاعري: "إذا ركزنا آلة التصوير على عنف الأصولي - كما تفعل أجهزة الاعلام الغربية - فالاستراتيجية تقني بقتله. وبالمقابل إذا ركزناها على ضيقه. على خوفه من أن يكون منسيا في ذلك الاحتفاء الكبير للمعرفة، الذي هو أحد الوعود الأكثر جاذبية لها، إذن فالحل يكون بالسماح له بالمشاركة. من هنا تأتي أهمية العودة الى الكعبة الشريفة في العام الثامن، عندما لم يكن الاسلام سوى أمل بالسلام، كي يتشبث برسالته وبأ رضية كفاحه " الخوف من الحداثة ص 117 إن التساؤل الذي يستشف من عمل المرنيسي هذا، هو هل ثمة إمكانية لنزع معطف القداسة عن العنف. والجواب نعم، فالتحليل العقلاني للاسلام لا يضيف القداسة على العنف. والمرء الذي يعرف، أي يشارك من موقع متكافي ء في مهرجان المعرفة الانسانية - لا يستطيع أن يكون عنيفا وفظا، خاصة وأن الاسلام هو دين الرحمة. إذن فالعنق هو بمثابة نتيجة لعملية إبعاد للآخر، ونتيجة لطغيان واستبداد يمارسا الداخل والخارج معا. هكذا تعيد المرنيسي الكرة باتجاه صناع القرار هناك، لنقل - وعلى حد تعبيرها - باتجاه "مومس سان فرانسيسكو" وتشير الى ميثاق الامم المتحدة الأكثر عدوانية مما يمكن تخيله (ص 84) والذي هو بمثابة واجهة تبرر عنف الأخر علينا نحن العرب.

أعود في النهاية الى التساؤل عن سر التفاؤل الذي يدفع بالمرنيسي الى التبشير بإمكانية النهضة خاصة وأننا في زمن تحجب فيه كل أشكال المقاومة إذ أن تحجيب المرأة هو تحجيب للمقاومة على حد تعبيرها. المرنيسي تعزو هذا التفاؤل الى إرادة التغيير التي تتملك الشعب العربي وعلى رأسهم الأصوليون على حد تعبيرها. إنها الهجرة الجماعية باتجاه حاضر أخر. وهاهي قوى الاحتجاج الراديكالية تأخذ مواقعها والمرنيسي هنا تشير الى المواقع الجديدة التي دخلتها المرأة، المواقع الممنوعة لاسيما الجامعات العربية حيث تصنع المعرفة هنا. وهذا ما يجهله الغرب المقيد بفكرة المرأة المحجبة. فالنساء لم يعدن مزر وبات في الحريم ولسن بصامتات كما عودنا هذا الخطاب الاعلامي المشدود الى ربقة الأحكام القبلية والجاهزة.

المراجع:

1- محمد عابد الجابري، نحن والتراث (بيروت، دار الطيعة، 1980).

2- ميشيل فوكو، إرادة المعرفة ترجمة مطاع صفدي وجورج ابي صالح (بيروت، مركز الانماء القومي 1990).

3- نوال السعداوي:

أ- الرجل والجنس (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1976).

ب- الأنثى هي الأصل (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1976)

جـ- المرأة والجنس (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1974).

د- المرأة والصراع النفسي (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات، 1977).

 4- فاطمة المرنيسي:

أ- الحريم السياسي (دمشق، دار الحصاد، 1993) ترجمة عبدالهادي عباس.

ب- السلطانات المنسيات (دمشق، دار الحصاد، 1994) ترجمة عبدالهادي عباس وجميل معلى.

جـ- الخوف من الحداثة (دمشق، دار الباحث، 1994) ترجمة محمد دبيات.


Nizwa 11



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن