هموم عراقيــة حغــد !!

إبراهيم إسماعيل

2002 / 6 / 13

  

 

فيما تتزايد القناعة كل يوم بالإنحسار التام لشعبية النظام وحزبه بين العراقيين، وتآكل مرتكَزّي سياسته : التضليل والمال، فإن هذه الزيادة ترتبط بعلاقة خطية مع الإحساس بتقصير المعارضة الوطنية عن ملئ الفراغ وتعبئة الناس لتحقيق المرتجى : عراق حر وديمقراطي! وإذا كنا نجد في القمع الفاشي، بعضاً من العذر لقصور المعارضة في الداخل، فإن الهوة التي تفصل بينها وبين ما يزيد عن أربعة ملايين عراقي يتوزعون اليوم في جميع منافي العالم، أمر لانجد  له تفسيراً سوى عجز بنيوي يستدعي وقفة جادة تماثل ما نتج عنها من مخاطر جسيمة، بدت أولى ملامحها في غياب أو زعزعة مصداقية الكثرة من أطراف المعارضة العراقية لدى المنفيين ، وهو ما تجسد في حركة ( الغاسلين إيديهم – حغد )، العفوية وغير المعلن عنها رغم نموها السريع وإشتداد التأثير العمودي والأفقي لفكرتها، وانضمام اعداد جديدة كل يوم لصفوفها وخاصة ممن يمكن لهم أن يلعبوا دوراً متميزاً في حركة شعبنا، كالمناضلين الذين تقاعدوا قبل الآوان ونخبة من المبدعين والمثقفين ورجال العلم والفكر.


هل نستطيع في عجالة أن نتلمس جوانب هذا العجز؟ قد تبدو الآجابة سهلة لحد التعقيد، فالعجز رغم وضوحه أشبه بشجيرة قميئة، تستسهل قلعها قبل أن تعرف ما لشبكة جذورها من عمق وامتداد. والخاسر رغم وعيه بحجم المصاب ما إنفك يصارع ليجد عكازاً ولو من ورق ليقنع نفسه بأن الحياة ستزكي استنتاجاته. وقبل ثلاثة عقود قال لي استاذ في فن الدعاية بأنه يبني فكرته على آية قرآنية تقول ( لايبدل الله ما بقوم حتى يبدلوا ما بأنفسهم ) ! ولهذا كان لابد من تعاون عاجل ليشخص كل منا ما يعرفه من ملامح العجز، عسى أن يستطيع الجميع تبديل ما بأنفسهم .

أعلام .. أم كلام

النظرة الساخرة لعين صديقي الذي صار عضواً أصيلا في ( حغد ) وهو يحدق بي وانا أقرأ عدداً من صحف المعارضة نبهتني الى أن أكثر ما لا ينطبق عليهم الحديث الشريف ( رحم الله رجلاً عمل عملاً فأتقنه )، هم كثرة من العاملين في اعلام المعارضة العراقية . فقبل أن أنهي قراءة عاجلة لعشرة من هذه الصحف، تبددت لهفتي وجثم على الفؤاد ملل واحباط قاتل. فعوضاً عن أن أجد في كل ما قرأت جديداً يشدني أو لغة تأسرني أو اسلوب عرض يجعلني اتساءل أو مجموعة أسئلة تثير لديّ حماسة للبحث عن اجابات لها، وجدت لغة معلبة وديباجات مترهلة ومكررة وممجوجه تجبرك على قطع قراءة المقال المكتوب، وصراخاً غير مبرر واعتماداً سلبيا على المسلمات والقسم بأغلظ الإيمان بصحتها بدلاً من إذكاء بريقها عبر ما تطرحه وقائع الحياة ومستجداتها.

وإذا انتقلنا الى وسائل الإعلام الأخرى لفجعنا بفشل غالبية ساحقة من المعارضين الذين تتوفر لهم فرصة الظهور على شاشات التلفاز أو الحديث في الإذاعات، في التأثير الحقيقي على المستمع أو المشاهد المحايد.. فناهيك عن الصراخ ونشر الغسيل المتسخ والتنابز بالألقاب والادعاء المضحك بأمتلاك الحقيقة، فإن من النادر أن تجد متحدثاً يمتلك فن الالقاء ويركز على ما يهم المتلقي معرفته فيوضح له ما هو غير مفهوم لديه، أو أن يكون قادراً على الاستماع للآخر ومحاججته بموضوعية .

إن اعلاماً كهذا هو سبب جوهري لأتساع دائرة المنتمين الى ( حغد ) وهو قد يكون احيانا وبالا على المعارضة التي ليس لبعض اطرافها غير النشاط الاعلامي ضد الطغاة.

أن اعلامنا أيها السادة يحتاج تماماً لعملية تثوير حقيقي تبدأ من اعداد سليم للدعاة والمحرضين واعتماد جاد على التقنيات الحديثة التي وفرتها الثورة المعلوماتية، ورفض للأسترخاء والرضا الكاذب عن النفس. وإذا ما اصطدمت هذه الآمال بشحة الامكانيات ، فمسيرة الالف ميل لا تبدأ الا بخطوة واحدة!

حق الأختلاف مع " الآخرين "

وربما بسبب كل هذا العناء المر الذي ابتلينا به مذ قفزت حفنة من الطواطم لسدة الحكم في بلادنا، لم يعد هناك من احد لا يضع الديمقراطية وصفة ناجعة لكل مصائبنا. وإذا كان الجميع محقين في استنتاجهم هذا، فإننا لا نجد وللأسف تمثلاً صادقاً لما يقال في ما ينجز. إذ يغيب عن خطاب الكثيرين الفهم العلمي لمسار التحول الديمقراطي ومستلزماته الذاتية والموضوعية واستحالة تحقيقه عبر ترديد الشعارات مهما أتقنت صياغتها، كما لا يزال هناك من يعتقد جذلاً بأنه يمتلك الحقيقة لوحده وإن منتقديه إنما هم من المأجورين لأعدائه أو ربما للنظام نفسه، فيما نصّب البعض انفسهم اوصياء على الناس الى الحد الذي دفع احدهم الى وصف المطالبين بمحاكمة جنرال سابق يعتقد بأنه ارتكب مجازراً في حلبجة والأنفال، بأنهم حفنة من الرعاع.

إن الديمقراطية لدى الكثير من هؤلاء تعني حق الأختلاف مع الآخرين فقط! بمعنى إنه يعطيك الحق للأختلاف مع الآخرين وليس الأختلاف معه !!

الا يكفي هذا النزر اليسير من ملامح الوضع ليكون سبباً في اتساع دائرة ( حغد ) !!

 



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن