قراءة نقدية لمواقف الحزب الشيوعي العراقي حول موضوعة المناطق المتنازع عليها !

جمال محمد تقي

2009 / 4 / 16

في البداية وتجنبا للوقوع في المواقف الانتقائية وتجسيدا للمنهج العلمي في التناول لابد من العودة الى الوراء لمعاينة خلفيات الوشائج التي ساهمت والى حد بعيد في انتاج المواقف الشاخصة في الوقت الراهن ، ومما لا يخفى على احد من المطلعين والمتابعين للشأن العراقي عموما والشأن المتعلق بمواقف مختلف القوى السياسية العراقية وعلاقاتها مع الاحزاب القومية الكردية ، خصوصا ، تواترات هذه العلائق بين مد وجزر والتي اتسمت بها المواقف المختلفة مع تغير ادوار اصحابها ، بين احزاب سلطة او مشاركين فيها او معارضين لها !
ـ المواطنة العراقية اولا واما الباقي فهي تفاصيل حقوقية وادارية وثقافية لا يجب ان تتسرب لها الشياطين ـ على اصول هذه القاعدة المبدئية ينظر كل عراقي وطني يساري كان ام يميني الى نفسه كمواطن او الى المحيطين فيه من مواطني بلاده العراق ، هكذا هي السليقة ، ولكن ليس الكل يعمل وفقها فهناك النعرات وهناك المصالح الطبقية الانعزالية ـ للطبقات المتخلفة شبه الاقطاعية ، الملاك والكولاك والاغوات ـ وهناك العوامل الخارجية ، فالعراق كوطن هو ليس وليد غير شرعي لتقاسمات الدول الامبريالية كما يلمح الى ذلك اصحاب النظرة التقسيمية ، العراق كيان طبيعي ديمغرافيا وجغرافيا وتاريخيا ، فالاشوريون اصحاب مملكة نينوى التي ملكت الشمال كله هي تاريخيا حارسة لبوابة بلاد مابين النهرين ، وما يسمى بارض كردستان تجاوزا هي ارض الاشوريين اولاد عم البابليين واولاد عمومة السومريين والاكراد والعرب والتركمان اقوام جاءت فيما بعد واندمجت مع الاقوام الاصلية ، ومن الثابت ان الساميين هم اصل هذه البلاد شمالا وجنوبا وبحكم الاختلاط تحت الهيمنة البابلية والاشورية تزاوجت الامم ففي الاصل السلالي الكردي هناك عنصر سامي وهكذا في الاصل السلالي السامي عرق اري من الصنف الايراني تعاشق بواسطة مد الامبراطورية الايلامية والساسانية !
عليه فان محاولة تلبيس مفهوم حق الامم في تقرير مصيرها على مكونات الوطن العراقي امر كان فيه تجني وفيه تطير طفولي منساق وراء تاثيرات تجارب القوى الكبرى المهيمنة وقتها ، في موسكو او في واشنطن !
المقصود بهذا المفهوم اصلا هي الامم المحتلة والتي في الاصل هي كيان مستقل ، او مكون مستقل ، وتشهد على ذلك مباديء ولسن وفيما بعد الامم المتحدة !
بحسب معطيات علوم الاركولوجيا والانثغرافيا والديمغرافيا الحديثة وحسب المفاهيم الحداثية في فلسفة الدولة والسكان ، فان مفهوم الامة لا ينطبق على العرب ولا على الاكراد ولا على التركمان ، فلا وجود لامة كردية لا قديما ولا حديثا ، والعرب كذلك لهم امة ولكنها الان ممزقة ، ومفهوم الامة بحد ذاته هو مفهوم اقتصادي اكثر ما هو ثقافي فاوروبا المتحدة يمكنها ان تكون امة واحدة رغم تعددها اللغوي ـ كيان سياسي اقتصادي موحد بانتماء ثقافي متقارب ـ
صحيح ان العرب اقرب من الاكراد لانجاز مشترطات الامة الحديثة بحكم كياناتهم المستقلة وتقاربهم الاقتصادي والسياسي والثقافي لكن ذلك ليس مدعاة للقفز على الوقائع وحرق المراحل بدافع النعرات والمصالح الضيقة للطبقات السياسية المتنفذة !
لاسيما وان منطقتنا خالية تماما من النقاء القومي والرسي ، فاذن المشكلة ثقافية ، لا غير ويمكن علاجها بدواء المواطنة من الدرجة الواحدة بتعددية ثقافية خاصة وان سكان العراق عموما متقاربين في مكنوناتهم الثقافية !
الديمقراطية الحقيقية للعراق كل العراق ، هو الشعار الاكثر ملائمة وموضوعية ومنطقية لحل مشكلاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الحاضر والمستقبل ، من شعارات الحزب الشيوعي السابقة والاحقة ـ الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان ـ فهذا الشعار يضع كل العراق بكفة وكردستان بكفة اخرى ومن جهة اخرى فهو يمنح العراق الديمقراطية ويمنح كردستان الحكم الذاتي ، وكأن حاجة كردستان لحكم ذاتها اكثر من حاجتها للديمقراطية ، مما يعطي انطباعا وكان الديمقراطية لا تعني الاكراد بقدر عنايتهم بانعزالهم بمناطقهم !
اما الشعار الثاني الذي انبثق عن الاول والذي رفعه ايضا الحزب الشيوعي العراقي بتحول نوعي مساير للتطلعات الانعزالية للقيادات الكردية عن توجهات ومشاغل عموم الحركة الوطنية العراقية بكل مكوناتها ـ الديمقراطية للعراق والحكم الفدرالي لكردستان ـ وتحديدا جاء بعد ان اعلن مجلس الامن الدولي اعتبار منطقة شمال خط العرض 36 منطقة ملاذ آمن اي في عام 91 ، وبعد ان كرس الحزب بلورة قيام حزب شيوعي كردستاني عام 90 !
الشعار يعكس مدى تماهي قيادة الحزب الشيوعي العراقي مع نهج القيادات المتنفذة في مناطق شمال العراق !
ان معاينة علاقة الحزب الشيوعي بالحركة الكردية ومنذ فترة مابعد انقلاب 63 نجدها علاقة تمتاز عموما بالخضوع رغم وجود فترة محدودة من العداء بين اعوام 72 ـ 75 ، فبعد الانقلاب الذي جاء مباركا من الحركة الكردية ذاتها ، ضعفت قوى الحزب وتضعضعت مكانته وبرزت قيادة الحركة الكردية كفيصل مهم في موازين القوى الداخلية وراحت تستغل احتماء القيادات الشيوعية في مناطقها لفرض نوع من الوصاية على تحركاتها ، حتى انها ارادت ان تضع جماعة القيادة المركزية تحت جناحها ، وعندما حصل التقارب الكردي البعثي بعد اعلان بيان 11 اذار ومن ثم تقارب الشيوعي والبعث واعلان قيام الجبهة الوطنية عام 73 والتي رفض دخولها الحزب الكردستاني مما عجل ذلك في تشتيت الجهد الوطني لدفع عملية التحول ، فدخلت العلاقة بين القيادة الكردية والحزب الشيوعي مرحلة الخصام حتى التقاتل ، وعندما ساءت العلاقة بين البعث والكردستاني عام 74 وقف الحزب الشيوعي بالضد من مواقف الحزب الكردستاني واصما اياها بالقيادة اليمينية في الحركة الكردية ،اما البعث فكان يوصمها بالجيب العميل في الحركة الكردية ، بعد انفراط الجبهة ، وانضمام الحزب الى معارضة الخارج ، كان الطالباني ـ اوك ـ وسامي عبد الرحمن ـ القيادة المؤقتة ـ هما من يتواجدان على ميدان المعارضة في الشمال وعندما التحق الحزب الشيوعي بهم كان البارزاني " ادريس ومسعود " قد عادا من جديد الى الساحة ، وعندما اندلعت الحرب العراقية الايرانية صار طرفي الحركة جلال ومسعود يتسابقان لنيل ود ايران ، وكان الشيوعي بينهما يتلقى شظايا صراعاتهما وثاراتهما وبعد ان تثبتت اقدام جماعة مسعود في بادينان تقارب الحزب معها اكثر ، وقتها راح الطالباني يتعاون مع نظام صدام 82 ـ 83 وحصلت حينها مذابح بشتاشان حيث قتل الجلاليين الرفاق العرب من بين صفوف الشيوعيين اثناء المعارك بينهما ، وبعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية وخروج مقاتلي الاحزاب من شمال العراق تكدس الجميع في دمشق واوروبا ، حتى حرب الخليج الثانية وقيام الزوم الامن في شمال العراق ، رجعت الاحزاب الى الشمال مع مقاتليها وبضمنهم الحزب الشيوعي الذي لم يتبقى لديه وقتها سوى عناصر القيادة وابناء المناطق الشمالية من رفاقه لان اغلبية قواعده قد طلبت اللجوء في الدول الغربية وتركت الحزب الذي لم يعد كما كان لا شكلا ولا مضمونا !
استمر هذا الحال مع تعزز سلطات مسعود في بادينان والطالباني في سوران واصبحا اقوى من كل الاطرف الاخرى في الشمال مجتمعة ، واثناء ذلك تعززت وشائج الاخضاع والمصالح الضيقة بل انصهر الشيوعيون بالسياسات الكردية وراحوا يصبحون عرابين لها ، وما زالوا هم كذلك لهم الحضوة والاحترام عند الطرفين الطالباني والبارزاني ، ولكن الاحراج كان كبيرا عندما تقاتل الطرفين واستنجد احدهما مسعود بجيش صدام لتحرير اربيل من سيطرة جلال عام 96 ، وقتها بان موقف الحزب علانية بانه لا يحل ولا يفل ، حتى صار عرفا عند الرفاق : جماعة بادينان يتبنون مواقف مسعود وجماعة سوران يتبنون مواقف جلال ليحافظ الجميع على وجوده ورزقه !
بعد ان اتفق الحزبان اصبح الشيوعي تابعهم اللدود ، وعندما احتل العراق صار الشيوعي ذراعا اضافيا بيد الاحزاب الكردية في بغداد وغيرها !
بعد تضخم الحزبين الكرديين وتغولهما بسبب تحولهما الى احزاب حاكمة بامرها بكل ما للكلمة من معنى في مناطقها وكذلك شريكة باكثر من الثلث في كل محاصصات الوضع العراقي ، راح الحزبان يستغلان فرصة غياب الدولة ووجود الاحتلال لتوسيع مناطق سيطراتهما ، وعملا على تكوين حزام امني عازل يحيط بالمحافظات الثلاثة التي يسيطران عليها ، وهذا الجدار هو عبارة عن تمدد امني في كل محافظات كركوك وديالى والموصل !
بعد ان تمكنا من السيطرة الميدانية ، عملا على انتزاع اقرار مركزي بحق ضم اجزاء واسعة من هذه المناطق الى اقطاعياتهما التي تسمى الاقليم ، ولكن اهالي هذه المحافظات والقوى الحية فيها تقاوم هذه المحاولات وراحت تنظم نفسها وتحكم الامريكان والامم المتحدة بالسلوكيات والنوايا غير الخيرة للقادة الكرد واتباعهم في هذه المناطق والصراع مازال على اشده بالسر والعلن والضرب متواصل تحت وفوق الحزام !
القوى الوطنية العراقية خارج وداخل العملية السياسية ـ مثل التيار الصدري وبعض اجنحة حزب الدعوة وحزب الفضيلة وهيئة علماء المسلمين وقائمة الحدباء وقائمة الحوار والجبهة التركمانية وعشائر كركوك والموصل وديالى وصلاح الدين وغيرهم المسنودين بجماهير المناطق المراد اقتطاعها يعتبرون هذه التحركات تقسيمية وتاتي بهدف ابتزاز ضعف الدولة العراقية ، وان اي استفتاء او تصويت مع عمليات التهجير والنزوح الجارية ومع عمليات التزوير ما هي الا محاولة مخادعة باسم القانون لفرض نتائج لا قانونية ، وتعمل هذه القوى على عرقلة المساعي التي تستعجل استغلال الفراغ وعدم تناسب القوى الحالي لتحقيق اكبر قدر من المكاسب على حساب العراق كله !
موقف قيادة الحزب الشيوعي العراقي متطابق مع موقف الحزبين الكرديين فهو يتبنى المواقف الكردية بخصوص كركوك وسهل الموصل وخانقين وغيرها ويسعى لضمها الى الاقليم دون ضجة حتى لا تثار عليه حفيظة العراقيين الوطنيين في الوسط والجنوب ، لقد تحالف انتخابيا مع القوائم الكردية في الموصل المنافسة للاكثرية العربية فيها وحصل منهم على مقعدين ، وتحالف مع الكردستاني ايضا في مافظات ديالى وصلاح الدين ولم يحصل منهم الا على مقعد واحد في صلاح الدين !

لقيادة الحزب مواقف رمادية ازاء التجاوزات الكردية فيما يخص النفط والميزانية والعلاقة بالمركز ، ولكل واحدة من هذه الامور ادلة وعلامات ، والطاغي على خطابه هو غياب الموقف والتعويم كي لا يزعل منه احدا ، فعندما تطالبهم بموقف ازاء كركوك مثلا يقول الحزب ان موقفه واضح هو تطبيق المادة 140 والحل عبر الحوار وهذا كلام يقوله الاكراد ايضا لكن الممارسة تقول مثلا ان رائد فهمي عضو المكتب السياسي في الحزب والوزير التكنلوجي اختير من مجلس الوزراء ليكون مشرفا على بعض لجان التطبيع في كركوك وهو منحاز للاكراد ولا يتنبس بكلمة دون موافقتهم على حساب عرب كركوك وتركمانها !
السؤال هنا اذا كان حق تقرير المصير يفسر بهذه الطريقة الانتقائية وغير العلمية وغير المفيدة ، لم لا نطبقه ايضا بحق التركمان ايضا !
هناك تفاصيل مملة عن تعاون كامل للحزب الشيوعي الكردستاني والعراقي مع التحالف الكردستاني لضم كركوك ومناطق سهل الموصل وخانقين الى اقليم كردستان وبكل الوسائل الشريفة وغير الشريفة
الرشاوى ، تزوير شهادات الولادة والسكن وغيرها من الممارسات ، اضافة الى اسناد وجهة النظر الكردية امام مندوبي الامم المتحدة ، ناهيك عن دور قوات البيشمركة والاسايش !
لا يوجد بلد في العالم تتنازع على حكم مناطقه سلطات متعددة تدعي جميعا تبعيتها لدولة واحدة الا في العراق بلد العجائب والغرائب ، ولا يوجد دستور في العالم طبخ بنار الاكلات السريعة الا دستور العراق

نرجع الى القاعدة ـ المواطنة العراقية اولا والباقي تفاصيل قانونية وادارية وثقافية لا يجب ان تدخلها الشياطين ـ ونرجع للشعار الحق ـ الديمقراطية للعراق كل العراق ـ اي لا عربستان ولا كردستان ، فما الفائدة التي سيجنيها العامل الكردي اواليزيدي او الشبكي او الكلدو اشوري او التركماني اذا اصبحت كردستان فدرالية يحكمها حزب واحد والحزب الواحد تحكمه عائلة واحدة ، ما الفائدة التي سجنيها الكادح والمثقف الكردي بغياب الديمقراطية في امارة تعج بالسجون وكتم الاصوات والفساد ، ان الديمقراطية الحقيقية هي الحل للشمال والجنوب في دولة المواطنة الواحدة ، هذا هو الموقف الطبقي الصائب الذي يخدم عمال وكادحي ليس كردستان وحسب وانما كل العراق ، فاين مواقف الحزب الشيوعي من كل ذلك وطنيا اوطبقيا ؟ انه لا يملك بمواقفه تلك ما يقنع به احدا من الاصلاء الحريصين على العراق وشعبه !


القاعدة التي ذكرناها مبثوثة حتى في دستور العهد الملكي ، ثم غذيت بشطحات راديكالية في الدستور المؤقت للجمهورية العراقية عام 58 ، لانه تماهى مع حالة التعدد القومي في الاتحاد السوفياتي ، وراح ينسج شيئا على منوالها الذي لا يستقيم تماما مع حالة الوطن العراقي وكان ذلك نتيجة لتألق المد الاحمر حينها والذي شهد العراق فصولا منه مازالت تفاصيله محفورة بذاكرة التاريخ والناس ، فالوطن ليس شراكة بين عرب واكراد وليس هو اتحاد طوعي من قوميتين متآخيتين ، العراق بلد عربي اسلامي الثقافة لان 80 % من سكانه عرب 95 % مسلمين وفيه اقليات قومية منها وحسب التسلسل الكرد والتركمان والكلدو اشوريين الكرد فيليين ، واليزيديين والشبك والصابئة والجميع يجب ان يتمتع بحقوق وعليهم واجبات متساوية في نظام ديمقراطي حقيقي في دولة المواطنة الواحدة ، مايقيمة ان يحكم الصابئة انفسهم مثلا بحكم عشائري لا ديمقراطي ، ليشارك الجميع وعلى قدم المساواة في دولة لا انتماء قانوني فيها غير المواطنة العراقية !



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن