المسيحيون في الشرق أقل تدينا وتطرفا من جيرانهم المسلمين

سامي الرباع
samialrabaa@yahoo.com

2009 / 4 / 10


في مقال سابق كنا قد أشرنا الى ان عدد المسيحيين - أو النصارى كما يحلو للبعض تسميتهم - المتمسكين بالديانة المسيحية بكل اتجاهاتها في أوربا قد تقلص في السنوات الماضية الى الثلث، يمارسون الطقوس الدينية عن ايمان يترواح بين عميق الى معتدل.

ويبدو ان هذا ينسحب ايضا على المسيحيين في الشرق العربي بشكل عام وعلى المسيحيين في المجتمع السوري بصورة خاصة. يؤكد ذلك دراسة اجراها فريق من الباحثين من جامعة بيليفلد الالمانية خلال الخمس سنوات الماضية.

حسب اخر الاحصائيات الرسمية يبلغ عدد المسيحيين في سورية حوالي 20% من عدد سكان البلاد يعيشون في شتى المدن والقرى السورية، معظمهم من الروم الارثوذوكس والروم الكاثوليك.

أكثر المسيحيين تدينا وتمسكا بطقوس الدين من ارتياد الكنيسة وغيرها هم من كبار السن. أما الشباب والشابات فهم أقل تدينا وممارسة لطقوسه. معظمهم يتردد على الكنيسة احيانا للقاء الاقارب والاصدقاء قبيل وبعد القداس.

غسان في الثلاثين من عمره قال: "الحقيقة انني أذهب الى الكنيسة علني أجد عروسا للزواج." اما سناء البالغة من العمر 16 سنة فانها تذهب الكنيسة ارضاءا لوالديها.

في الكنيسة يجلس عادة المصلون على مقاعد من الخشب، الرجال في جهة والنساء في جهة اخرى، يستمعون الى تراتيل القداس وما يقوله الخوري. بعض النصوص التي يقرأها الخوري تتطلب ان ينهض المصلون ويقفون على اقدامهم احتراما لهذه النصوص الانجيلية. بين حين واخر يرسم المصلون اشارة الصليب على الجزء الاعلى من اجسامهم، اشارة الى صلب المسيح.

قبيل انتهاء القداس يقف الخوري امام الهيكل ويلقي بكلمة – عادة ارتجالية – يدعو فيها الى المحبة والتسامح مشيرا الى السيد المسيح كقدوة في كل ذلك، دون التدخل في السياسة من اي نوع أو مهاجمة اي انسان او اي دين أو اصدار اي فتوى كما يفعل عادة شيوخ المساجد.

تشير الدراسة ايضا الى ان أقل من 2% من مسيحيي سورية قراوا الانجيل من الغلاف الى الغلاف، بعضهم تصفحه وقرأ بعض نصوصه.

بعد القداس يخرج المصلون من الكنيسة ويتجمهرون في بهوها يتبادلون التحيات والاحاديث الودية دون فصل بين الرجال والنساء في جو مفعم بالبهجة والتاَخي.

في يوم من الايام خلال اقامتي في دمشق دعاني أحد الشباب المسيحي لحضور حفل عيد ميلاده. لبيت الدعوة بكل سرور، وكانت حفلة رائعة حضرها عدد كبير من الشباب والشابات يتبادلون أطراف الحديث، يلقون النكات، وبعضهم نزل الى حلبة الرقص من الجنسين يتمايلون على انغام موسقى عذبة والسعادة مشرقة على وجوههم.

اضافة الى ذلك يذهب الشباب المسيحي من رجال ونساء في رحلات مشتركة دون تشنج ودون التركيز على المرأة على انها جنس "وبس" يعتبرها الكثيرون من المسلمين على انها فقط محرك لغرائزهم الجنسية ومصدرا رئيسيا من مصادر الاثم. ذهبت معهم في احدى الرحلات وأعجبني تعاملهم الحضاري فيما بينهم ولاسيما مع المرأة. فهي تعامل بالتساوي مع الرجل وبكل احترام. ولايحشرون الدين في كل شارة وواردة كما يفعل العديد من السملمين. لديهم بطرس وبولس ولوقا وغيرهم من معاصري السيد المسيح مقابل ابو هريرة وعائشة وأنس بن مالك وغيرهم من معاصري النبي محمد ولكن لاأحد يذكرهم الا في الطقوس الدينية.

من خلال المقابلات العديدة التي اجريتها مع بعض المسيحيين من مختلف الاعمار يستنتج المرئ ان أغلبهم لايأخذ الدين على محمل كبير من الجد ولايعرضونه في الساحة العامة كأقرانهم من المسلمين. قال سمير، في العقد الرابع من عمره: "أعتقد انني مواطن صالح، أقوم بعملي بقدر السمتطاع ولا أحاول ايذاء اي من الناس. لا أصلي كثيرا ولا أتردد كثيرا على الكنيسة الا في المناسبات ولكن العبرة ليست في التدين بل في العمل الصالح."

خلال تلك المقابلات أدهشني موقف العم أبو بديع، وهو رجل مسيحي اورثوذوكس سمعت مؤخرا انه توفي بعد أن تجاوز عمره المائة سنة. قال لي أبو بديع: "ترى لماذا ارسل الله كل هؤلاء الانبياء؟ اليس بوسعه أن يفتح السماوات ويصرخ بنا جميعا: اعقلوا ياناس ويدعونا مباشرة لعمل الخير ونبذ الشر دون اي وسيط أو أي رسول. انه بذلك يزيل الشك من قلوب الكافرين ويصبح العالم كله يدين بدين واحد هو دين الله. وبالتالي يريحنا ويريح نفسه."

كلام رائع رغم أن أبو بديع كان رجل أمي الى حد كبير (دوبه يفك الخط) ولم يقرأ الانجيل أو أي كتاب اخر.

في احدى المدن الصغيرة القريبة من دمشق تدعى قطنا التقيت بالسيد بديع ابن ابو بديع، ايضا مسيحي أورثوذوكس واستاذ في جامعة دمشق، يحاول مد جسور التعايش الديني مع الجالية المسلمة التي تشكل الغالبية من سكان المدينة.

بديع رجل محنك وعضو سابق في الحزب الشيوعي السوري، ترك الحزب بعد الانشقاق الذي حل به في الثمانينات. فهو يعلم بأن معظم المسلمين في بلدته هم من الاخوان المسلمين الاصوليين زاد تدينهم في المدة الاخيرة، الا أنه وجد في قيادة الجالية المسلمة في بلدته رجالا يمكن التحاور معهم بغية تعزيز أواصر التفاهم والتعايش الديني في المدينة على الاقل. "لذلك" يقول بديع، "في كل مناسبة دينية اسلامية وخاصة في عيد الفطر والاضحى أذهب مع بعض الاصدقاء لتقديم التهنئة لاخواننا المسلمين."

التقيت بدر الدين زعيم الجالية الاسلامية في قطنا. فبعد ان اطمأن الى انني ابحث عن الحقيقة "فتح لي قلبه" وقال: "ان السميحيين مساكين خايفين منا، لذلك يتوددون الينا. طبعا نحن لانريد الاذى لهم الا اذا عادونا. نحن طبعا متفوقون عليهم في ايماننا والتمسك بعقائدنا. لذلك دائما نطلب منهم المزيد من الحشمة وخاصة من نسائهم اللواتي يبرزن الكثير من اللحم وهذا طبعا لايرضي الله ورسوله صل الله عليه وسلم."

كلام خطير. اذ ان العديد من المحللين السياسيين يتوقعون ان يصبح الوضع في سورية كما هو عليه الحال في العراق اذا تم اجراء انتخابات برلمانية ديوقراطية حرة الى حد ما واقتحم من خلالها الاخوان المسلمون مجلس الشعب (البرلمان). يتوقع ايضا هؤلاء المحللون ان يسيطر المسلمون السنة على الحكم ويبدأون الاخذ بالثأر ضد العلويين والمسيحيين انتقاما لتعاونهم مع نظام الاسد البعثي، ولايستبعد ان تحدث انفجارات دموية تودي بحياة الكثيرين من الابرياء، بالضبط كما يحدث في العراق. وهذا سيناريو مخيف.

أشار بديع ايضا الى ان غالبية المسلمين قبل عشرين سنة لم يكونوا بهذا التدين والتعصب في قطنا . عدد المسلمات المحجبات كان يعد على أصابع اليد. اليوم ترى ان معظمهن يرتدون الحجاب وبعضهن النقاب. "جيراننا بيت أبو أسعد (مسلمون) كانوا يزوروننا بين حين واخر، منذ مدة طويلة انقطعت هذه الزيارات، حتى ان بعضهم لايحيينا." قال بديع بحسرة.

قالت ندى (مسيحية) "بعض المسلمين المتشددين يطليون منا التحجب ويقولون بصوت عال اتقوا الله ياكفرة."

بعض المتطرفين الاسلاميين يعتقدون بأن المسيحيين هم من بقايا الحروب الصليبية وبعضهم يعتقد انهم من الفيلق الخامس يرتبطون بالغرب المسيحي دينيا وعقائديا. وبعضهم يؤكد على الهوية الاسلامية للعرب ويتوعد بقمع النصارى اذا ماوصل الاسلاميون الى الحكم. وهذا مايحدث بالفعل في غزة وفي الضفة الغربية من فلسطين الى حد ما وفي العراق، ناهيك عن السعودية.

وصل الى ألمانيا مؤخرا 2500 لاجئ من مسيحي العراق وصفوا بكل وضوح حجم الماَسي التي تعرضوا لها على ايدي المسلمين في العراق.

الاسلاميون في كل مكان يدعون بأنهم يطبقون دينا يدعو الى التسامح ويستشهدون على ذلك باَيات قراَنية واحاديث نبوية لاحصر لها ولكن أثناء التطبيق يعملون بشعار: "طالما انت تطبق فهمي للتسامح فأنا متسامح معك، واذا خالفت ذلك فأنت خارج عن الطاعة الاهية." هكذا يفهم الاسلاميون "التسامح". وهذا مايطبقونه في بعض المجتمعات العربية والاسلامية، في السعودية والعراق وفلسطين ومصر والكويت وسورية الى حد ما.

وكما قال احد اللاجئين المسيحيين العراقيين هنا في المانيا "بوسع المسلمين تطبيق مايشاؤن من عقائدهم الدينية، فهم أحرار في ذلك. ولكن يجب عليهم عدم فرض ارادتهم على الاخرين." ولكن هيهات أن يقتنع الاسلاميون بذلك. فهم على قناعة تامة بأنهم يطبقون شرع الله وثوابهم عند الله الجنة. أنا طبعا لاأريد دخول هذه الجنة حتى لاألتقي بهم مرة ثانية والى الابد.




http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن