-أُمُّ اللجان- يجب ألاَّ تكون ل -الحكومة-!

جواد البشيتي
jawadlbsht996@gmail.com

2009 / 3 / 18

.. وبقيت "أُمُّ اللجان"، "لجنة الحكومة"، التي فيها تكمن "أُمُّ العقبات"، فهل يمكن تخطيها بما يشبه "الشعوذة السياسية"، التي نراها واضحة جلية في مفردتي "الاحترام" و"الالتزام"؟!

ما التزمته منظمة التحرير الفلسطينية هو ذاته الآن ما يسمى شروط ومطالب اللجنة الرباعية الدولية، التي هي الآن في منزلة القيادة الدولية العليا للشرعية الدولية الخاصة بالنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، وبسبل وأسس ومبادئ تسويته.

وجوهر تلك الالتزامات هو "الاعتراف بإسرائيل"، و"نبذ العنف"، أي اتخاذ التفاوض السياسي، الذي لا يخالطه شيئا من "أعمال العنف"، طريقا إلى تسوية هذا النزاع، بما يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، المعترف بها فلسطينيا عبر منظمة التحرير الفلسطينية، ومن ثمَّ، عبر السلطة الفلسطينية، برئاستها وحكومتها على وجه الخصوص.

ولكن ما هي الخاصية الجوهرية للحكومة الفلسطينية المقبلة، أو الجديدة، التي تتوفر "أُمُّ اللجان" على خلقها، وكأنها تجترح معجزة الخلق من العدم؟

إنها تكمن في كون تلك الحكومة مدعوة (مدعوة من الواقع، ومن أُمُّ الحاجات الفلسطينية، في المقام الأول) إلى تلبية شروط المانحين الماليين الدوليين لبدء إعادة الإعمار في قطاع غزة، والتي هي في الوقت ذاته تلبيةً لشروط فتح المعابر جميعا، ورفع الحصار نهائيا، مع الحيلولة بين قطاع غزة وبين عودة الحصار إليه مستقبلا.

هل تذلِّل حركة "حماس" العقبة، أي أُمُّ العقبات، من طريق قيام "حكومة إعادة الإعمار، وفتح المعابر، وإنهاء الحصار، ومنع تكراره" عبر "احترامها" أم "التزامها" الاتفاقيات الموقعة من قبل بين إسرائيل والمنظمة (والسلطة) مع ما تتضمنه تلك الاتفاقيات من مبادئ؟

المفاضلة بين "الاحترام" و"الالتزام" اختلفت، هذه المرة، فالدمار الهائل الذي أحدثته آلة الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، مع قرب قيام حكومة نتنياهو ـ ليبرمان، أضاف ثقلا جديدا وكبيرا إلى "كفة الالتزام"، فـ "المعمرون الدوليون" لن يعمروا إلاَّ إذا رجحت "كفة الالتزام" على "كفة الاحترام".

إنَّها "الشعوذة السياسية" بعينها أن يُقْتَرح الحل الآتي: "حماس" تحترم رأي (أي التزامات) المنظمة؛ ولكنها لا تلتزمه. ولو كان لي أن أُفاضل لفضَّلتُ التزام هذا "الرأي" على احترامه.

إذا كان هذا هو القول الفصل لـ "حماس"، فما هو قول الحكومة نفسها؟!

هل تقول هذه الحكومة إنها، في برنامجها السياسي، تحترم التزامات المنظمة (والسلطة) ولا تلتزمها؟!

لِمَ كل هذا اللعب السياسي الذي كله ضرر ولا نفع فيه أبدا؟!

الحكومة المقبلة لن تكون في الصفة التي ينبغي لها أن تكون فيها، أي صفة "حكومة إعادة إعمار.."، إذا لم تستوفِ شروط الاعتراف الدولي بها، أي إذا لم تَظْهَر في برنامجها السياسي على أنها تلتزم، ولا تحترم فحسب، التزامات منظمة التحرير الفلسطينية (والسلطة).

وهذا إنما يعني أن تختلف تلك المفاضلة قليلا، فـ "حماس"، إذا ما استمرت أسيرة المفاضلة (غير المفضَّلة) بين "الاحترام" و"الالتزام"، لا بد لها من أن تقول إنها تحترم التزامات تلك الحكومة (التي هي نسخة من التزامات المنظمة والسلطة) ولا تلتزمها.

لقد حان لهم نبذ هذه اللعبة، فـ "حماس" مدعوة إلى أن تُعْلِن على رؤوس الأشهاد أنها، وبصفة كونها حزبا فلسطينيا، لا تعترف بإسرائيل، ولا تقبل شروط اللجنة الرباعية الدولية؛ و"فتح" مدعوة إلى أن تؤيدها في موقفها هذا.

وتأسيساً على هذا الموقف السياسي المبدئي الذي لا لبس فيه، تتعاون الفصائل جميعا، وفي مقدَّمها "فتح" و"حماس"، على تأليف الحكومة الفلسطينية لإعادة الإعمار..، والمستوفية شروط الاعتراف الدولي بها. وعندئذٍ، لا مانع في أن تتمثل "حماس" في هذه الحكومة عبر وزراء غير أعضاء فيها، ولكنهم يحظون بثقتها.

"أُمُّ اللجان" لا بد لها من أن تظهر إلى حيز الوجود، على ألاَّ تكون "لجنة الحكومة"، فتضافُر الجهود الفكرية والسياسية للفلسطينيين جميعا على إبداع حلٍّ للتناقض (الذي قد يستمر زمنا فلسطينيا طويلا) بين "الشرعية الدولية" و"الشرعية الفلسطينية الديمقراطية الانتخابية"، هو ما يحتاج حقا إلى أن تكون له لجنة، هي "أُمُّ اللجان".

حتى الآن لم يعرف الفلسطينيون تقويما لهذا التناقض بما يعود عليهم بالنفع والفائدة، فظلت الهوة تتسع وتتعمق بين الشرعيتين، وكأن لا أثر لـ "هيجلية" و"الميكيافيلية" في العقل السياسي الفلسطيني!

هذا التقويم ممكن، بل ضروري، فالنظام السياسي الفلسطيني لا مهرب له من أن يزدوج بما يعكس هذا التناقض (المقوَّم) بين "الشرعية الدولية" و"الشرعية الفلسطينية الديمقراطية الانتخابية"، والتي يمكن ويجب أن تتخذ من "التمثيل النسبي" قانونا انتخابيا لها.

هيئات السلطة التنفيذية في المنظمة والسلطة يجب أن تكون في تصالح مع الشرعية الدولية، التي هي احد جناحي الطائر السياسي الفلسطيني؛ أما الهيئات التمثيلية الفلسطينية (كالمجلس الوطني والمجلس التشريعي) فيجب أن تكون في تصالح مع الشرعية الفلسطينية الديمقراطية الانتخابية، والتي هي الجناح الثاني للطائر السياسي الفلسطيني.

وقد يؤدي تقويم هذا التناقض إلى ازدواجية في النظام السياسي الفلسطيني لا مثيل لها، فنرى المجالس التمثيلية، التي أنتجتها الانتخابات الديمقراطية الحرة الشفافة النزيهة، في قبضة الرافضين للاعتراف بإسرائيل، ولكنها مقترنة وجودا، بقوة الضرورة السياسية، بهيئات تنفيذية متصالحة مع الشرعية الدولية.

الشرعيتان، وعلى تضادهما المتزايد حتى الآن، يجب أن تتصالحا بما يخدم المصالح العليا للشعب الفلسطيني، فالطائر السياسي الفلسطيني، وعلى ما أثبتت وأكدت المآسي الفلسطينية، لا يمكنه الطيران إلاَّ بالجناحين معا، فَلْتَقُم الحكومة من أجل إعادة الإعمار..، ولْتُجرى الانتخابات المقبلة بما يسمح لخيار المقاومة بأن يتخذ من المجالس المنتخَبة قلاعاً له.





http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن