المهم- ديموقراطية- حتى لو سيطر عليها اصحاب النفوذ وعم الفقر فيها

سامي الرباع
samialrabaa@yahoo.com

2009 / 3 / 9

يحكم الغربيون على دول مايسمى بالدول النامية سياسيا بأنها ديموقراطية او عكس ذلك اذا تم الاقتراع عن طريق صناديق الانتخابات حتى لو وصل الى السلطة اصحاب النفوذ الاقتصادي والمالي، وهذا مايحدث بالفعل في العديد من دول العالم الثالث، في اسيا وافرقيا وامريكا اللاتينية، ولاسيما في الفلبين وتايلاند، على سبيل المثال. واذا ما وصل الى الحكم اشخاص وأحزاب ينادون بالعدالة الاجتماعية ويحاولون تطبيقها يتهمون بالدكتاتورية الاشتراكية كما هو الحال في فنزويلا وبوليفيا.

في مطلع عام 2009 زرت مع بعض الزملاء من جامعة بيليفلد الالمانية كلا من الهند، اقدم بلد ديموقراطي في العالم الثالث والصين بلد اختار الاشتراكية كنظام حكم طعمه خلال العقدين الماضيين بنظام السوق الحر. وجدنا الفرق واضحا بين بلد ديموقراطي واخر يحكمه حزب واحد، هو الحرب الشيوعي، ولاسيما فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي والبنية التحتية من مرافق عامة وخدمات.

في الصين التي تبلغ مساحتها اكثر من تسع ملايين كيلومتر مربع وعدد سكانها اكثر من مليار و300 الف تتمتع بنمو اقتصادي وصل في السنوات الماضية الى اكثر من 15%. الطرق المعبدة وصلت الى معظم القرى والنواحي النائية، هذا بالاضافة الى خدمات المياه والكهرباء. الخدمات الطبية (احيانا متواضعة) والمدرسية منتشرة في معظم المدن والقرى الصينية.

اما في الهند التي تبغ مساحتها اكثر من ثلاث ملايين كيلومتر مربع وعدد سكانها الذي يزيد على المليار لا يزال فيها الريف الذي يعيش فيه معظم الهنود يعاني من نقص حاد في معظم المرافق والخدمات العامة الانفة الذكر. والنمو الاقتصادي فيها لم يتجاوز ال 5% في السنوات الماضية.

أضف الى ذلك انه في الوقت الذي يبلغ فيه دخل الفرد العام في الصين اكثر من 5 الاف دولار سنويا يقابله في الهند نصف ذلك المبلغ.

في الفلبين وتايلاند يسطر على البرلمان في كلا البلدين اعضاء من أكبر اثرياء البلدين . بحسب احصائيات الامم المتحدة الاخيرة يعاني ثلث السكان في كلا البلدين مع فقر مدقع ويفتقرون الى ابسط الخدمات، وثلث اخر دخل افراده لايتجاوز الدولار الواحد في اليوم.

بالمقابل في فنزويلا التي يحكمها هوجو شافيز وبوليفيا التي يحكمها أيفو موراليس اللذان وصلا الى الحكم عن طريق انتخابات برلمانية نزيهة تم تأميم الثروات الطبيعية في البلاد ووضعت اموالها في خدمة الفقراء والطبقة المتوسطة. مثلا في فنزويلا تم بناء اكثر من مليوني وحدة سكنية لذوي الدخل المحدود.

في الوقت الذي يتناسى فيه الغرب (من سياسيين ووسائل اعلام) الفقراء في الفلبين وتايلاند ويصف هاتين الدولتين بالديموقراطية، يصف حكام فنزويلا وبوليفيا بالدكتاتوريات الاشتراكية.

الامر هنا واضح. فالغرب الرأسمالي ومن خلال سعيه الحفاظ على مصالحه الاقتصادية يفضل الدول "الديموقراطية" التي تتعامل مع نظام السوق ليصرف بضاعته حتى اذا كانت تحكمها حكومات وأحزاب لاتعير اي اهتمام لاحيتياجات الفقراء والاصلاح الاقتصادي والاجتماعي.

نفس الشئ ينسحب على تعامل الغرب مع الدول العربية. مثلا الاردن وسوريا. في الوقت الذي يمدح فيه الغرب "الديموقراطية" في الاردن لانه في الواقع يتعامل مع نظام السوق ويعتبرها حليفة له رغم الفقر الذي تعاني منه أكبر شريحة اجتماعية في البلد، يعادي الغرب النظام السوري (ليس فقط لاسباب سياسية) وانما لاسباب اقتصادية ايضا.

بعكس النظام الاردني، النظام السوري هو الموجه للاقتصاد ويسعى لتأمين الاحتياجات اللازمة لذوي الدخل المحدود بأسعار مناسبة عن طريق مؤسساته وأسواقه الحكومية.

لاشك ان الغالبية العظمى في مجتمعاتنا النامية، ايضا العربية منها، تتمنى ان يسود النظام الديموقراطي فيها الى جانب نظام اقتصادي يحمي الضعفاء في المجتمع. فلقمة العيش هي الاساس وليس الجلسات البرلمانية الفاضية.

قال لي زميلي الدكتور يوخن شمت الذي يدرس الاقتصاد في جامعة بيليفيلد، لو ان الصين لم تكن موجه للنظام الاقتصادي وحددت النسل بطفل واحد لكان عدد الصينيين حاليا يتجاوز ال 4 مليارات نسمة يعمه الفقر والتخلف في كافة المجالات.

الغرب ينظر الى العالم من منظاره الضيق ولا يرى فيه الا سوقا لتصريف بضائعه. المهم ديموقراطية وسوق حرة بغض النظر عن تبعيات هذا النظام ومفرزاته الحقيقية على ارض الواقع.

في 6 اذار (مارس) الحالي أذاع راديو ال WDR5 تقريرا لمراسلته في الصين Ruth Kirchner تندد من خلاله بنظام تحديد النسل في الصين تحت شعار "عائلة الطفل الواحد"، واعتبرته مخالف لحقوق الانسان.

قال لي احد الزملاء، اذا كان الامر كذلك فما رأي الغرب بالسماح بتعاطي المخدرات لان ذلك حقا من حقوق الانسان، ان يتناول ماطاب له.

خلاصة القول، الديموقراطية ليست شكلا فقط بل هي وسيلة على طريق التقدم والرفاهية للجميع وليس فقط لقلة تمتطيها لتحقيق ماربها على حساب الاكثرية في المجتمع.

من خلال الازمة الاقتصادية والمالية التي تعصف بالغرب والعالم ككل، بدأ الغرب يدرك بأن نظام السوق لوحده لايكفي لحل مشاكل هذه الازمة والخروج منها.

بعد ان اعلن العديد من البنوك والشركات الغربية افلاسها هرعت الحكومات الديموقراطية الغربية الى تأميم هذه المؤسسات المالية ودعم الشركات المفلسة أي بدأت تتدخل في توجيه النظام الاقتصادي لانقاذه من الانهيار متجاهلة دعواتها في السابق الى تحرير السوق من اي تدخل حكومي والتنديد بالحكومات التي تتدخل في توجيه السوق وخاصة في الدول النامية.

مرة اخرى، الديموقراطية والحرية الاقتصادية ليست عقائد ثابتة على نمط "بالروح ، بالدم نفديك يا ديموقراطية". الديموقراطية تبق وسيلة من وسائل الحكم يجب ممارستها بمرونة تتماشى من متطلبات الواقع.

حين يوجه اللوم الى القيادة الصينية ووصفها بانها تحكم بشكل غير ديموقراطي يرد الصينيون بضرورة تطبيق المراحل التالية قبل الوصول الى الديموقراطية الحقيقية، الا وهي بحسب أهميتها: يأتي في المرتبة الاولى النمو الاقتصادي ، يتبعه الاستقلال الاقتصادي والفكري للفرد، عند اذن يصبح لممارسة الديموقراطية معنا حقيقيا.

اذ ماهو جدوى "الديموقراطية" في مجتمع يسسطر عليه الاثرياء وأصحاب النفوذ التقليديين؟ في معظم الدول النامية التي تمارس طقوس الانتخابات البرلمانية (حتى الحرة منها) نجد ان اصحاب النفوذ المالي هم عادة المسيطرون على وسائل الاعلام يوجهونها كما يشاؤون.

علاوة على ذلك غالبا ماتكون الحملات الانتخابية عمليات مكلفة تتطلب الكثير من المال يصعب على المستقلين والاحزاب المعارضة ذات البرامج السياسية والاقتصادية الاصلاحية تمويلها للوصول الى ناخبيهم.

في نهاية المطاف يصل عادة الى الفوز بالحكم اصحاب النفوذ الاقتصادي ويبقى الفقراء وأحزابهم مهمشين داخل وخارج قبة البرلمان. كل ذلك يحدث بأسم الديموقراطية.

لاشك ان كلا النظامين، الديموقراطي والموجه يمكن ان يتعرضا للفساد، ولكن المهم في نهاية المطاف هو تحقيق العدالة الاجتماعية وتأمين الاساسيات لاكبر شريحة في المجتمع.






http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن