أي أثر ترك ناظم حكمت علي الشعر العربي ؟

حلمي سالم

2002 / 6 / 2


 

(العنوان: أي أثر ترك ناظم حكمت علي الشعر العربي ؟ )
(الكاتب: حلمي سالم )
(ت.م: 02-05-2002 )
(ت.هـ: 21-03-1423 )
(جهة المصدر: )
(العدد: 14318 )
(الصفحة: 19 - آداب وفنون )

إن كاتبَ هذا الكتاب شاعرٌ تركيٌ عادي يعتز بأنه أعطي قلبه وعقله وعمره كله لشعبه. من جهة أخري فإن هذا الشاعر دأب بواسطة الشعر علي تمجيد جميع نضالات كل الشعوب مهما كان اسمها وموقعها الجغرافي وقوميتها وعرقها، في سبيل الاستقلال القومي والعدالة الاجتماعية والسلم، وقد اعتبر انتصارات هذه الشعوب انتصارات لشعبه هو، وهزائمها هزائم له، كما اعتبر أفراحها وأتراحها أفراحاً وأتراحاً لشعبه بالذات .
هكذا كتب ناظم حكمت عن نفسه، بتواضع، حينما أجبره بعض الأصدقاء ذات يوم علي كتابة مقدمة لبعض أعماله، وهو الذي لم يحب الحديث عن نفسه يوماً.
عام 2002 هو عام ناظم حكمت كما قررت اليونيسكو، لأنه العام الذي يوافق مرور مئة عام علي ميلاد الشاعر التركي العظيم. لهذا فقد شارك المجلس الأعلي للثقافة في مصر في احتفال العالم بحكمت عبر ندوةٍ وكتاب. أما الندوة فقد عقدت يوم 8 أيار (مايو) تحت عنوان الشاعر العالمي ناظم حكمت ، نظمتها لجنتا الترجمة والشعر في المجلس، وشاركت فيها نخبة من المثقفين والمترجمين والشعراء، منهم: جابر عصفور، عبدالقادر القط، فاطمة موسي، أحمد الخميسي، أنور ابراهيم، عبدالقادر حميدة، إدوار الخراط، مرسي سعد الدين، أحمد عبدالمعطي حجازي، محمد ابراهيم أبو سنة، وذلك علي أربع جلسات نقدية وشعرية.
وأما الكتاب فهو إعادة طبع ديوانه أغنيات المنفي الذي ترجمة الشاعر محمد البخاري. وكتب تصديراً للطبعة الجديدة المترجم طلعت الشايب، وكانت الطبعة الأولي منه صدرت عام 1971 عن الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر. والحق أن هذا الكتاب كان - حينذاك - واحداً من أهم المصادر الثقافية والشعرية لجيل كامل من الشعراء المصريين، الذين صاروا يُعرفون في ما بعد باسم جيل السبعينات إذا تغاضينا عن انزعاجنا - في ما بعد - من ترجمته موزوناً علي تفاعيل الخليل، إذ كانت قلوبنا تدمع ونحن نردد:
يا حبي الأوحدَ في هذا العالم
كيف كتبتِ إليّ:
رأسي يتمزق، قلبي ينفطر
سأموتُ إذا شنقوك
سأموتُ إذا كنتُ سأفقدك إلي الأبد
لا زوجي ستعيشين وتتبدّد ذكراي
كدخان أسود تذروه الريح
فأناس القرن العشرين
لا يشغلهم موتاهم أكثر من عام .
وكانت أرواحنا - نحن الطلبة الثائرين إبان الحركة الطالبية أوائل السبعينات - تشرق بالتفاؤل والأمل في المستقبل حينما كنا نردد معه، في التظاهرات والمؤتمرات ومجلات الحائط:
أجملُ أنهار العالم لم نرها بعد
أجملُ أطفال العالم لم تكبر بعد
أجملُ أيام العمر لم تشرق بعد
وأنا لم أهمس في أذنك
أجمل ما أتمني أن أهمس لك به .
عرف الشعب التركي - كما يقول البخاري في تقديمه - اسم ناظم حكمت من خلال شعر بالغ البساطة والرقة والصدق في التعبير عن مآسيه، في أيام كانت الثورة فيها تحتدم في أعماق الشعب، وتنداح علي الأرض التركية، موقظةً عصراً جديداً، عصر الجمهورية، التي أعلنت عام 1923. وقدم كمال أتاتورك لفتةَ تقدير إلي الشاعر الشاب الذي شارك في معركة الحرية بتفان مذهل، وبعث به إلي الاتحاد السوفياتي في منحة علمية لدراسة علم الاجتماع. وفي موسكو تفتح وجدان الشاعر علي نبع جديد من منابع الإبداع الإنساني، والتصق باثنين من أهم الشعراء السوفيات وهما ماياكوفسكي ويسنين، وتشرّب تقاليد الشعر الأوروبي مضيفاً بذلك ثراءً جديداً إلي حصيلته الخصبة من تراث الشعر التركي، الذي يمثل أحد روافد الشعر العربي الأصيل.
بدأ ناظم حكمت نشاطه السياسي - كما يقول طلعت الشايب في تصديره - عام 1918، مسؤولاً في تحرير المطرقة والمنجل جريدة الحزب الشيوعي التركي الذي انضم إليه في العشرينات، ودرس الاقتصاد والاجتماع في جامعة موسكو (1921 - 1924)، وبعد أن عاد سراً إلي بلاده عام 1928، اعتقل، ولم يطلق سراحه إلا في عفو عام سنة 1935، ثم حكم عليه بالسجن مرة أخري عام 1938 لمدة 28 عاماً لقيامه بنشاط معاد للنازية وفرانكو، قضي منها 12 عاماً في سجون مختلفة قبل أن يطلق سراحه إثر موجة احتجاج عالمية وحملة واسعة للإفراج عنه نظمتها لجنة في باريس كان من بين أعضائها بيكاسو وبول روبسون وسارتر. كانت التهمة المباشرة الموجهة إليه هي تحريض جنود البحرية التركية علي التمرد من طريق قصائده التي وجدوها معهم.
أثر ناظم حكمت - شخصاً وشعراً - في الشعر العربي الحديث تأثيراً بالغاً. إذ صعد إلي الحياة الشعرية التركية والعالمية في لحظة مؤاتية: علي المستوي العالمي كانت حركة المد الثوري الاشتراكي في أوجها، مع ازدهار الاتحاد السوفياتي، وتوهج الواقعية الاشتراكية، وحيث ذروة السريالية في الفن والأدب، ونجوم مبدعون يشكلون سماء زاهية في العالم كله: نيرودا، لوركا، إيلوار، آراغون، ماياكوفسكي، سارتر، غيفارا، غارودي، ألبير كامو، أندريه مالرو، خيمينيث، ماتشادو، أونامونو، بيكاسو، أندريه بريتون، وغيرهم. وعلي المستوي العربي كانت حركة التحرر الوطني العربية في عنفوانها، إذ تحررت أكثر من بلد من نير الاستعمار، وصعدت نغمة الاشتراكية العربية في أكثر من دولة، كما ظهرت حركة الشعر الحر حاملة لواء التجديد والالتزام والحرية والنزعة الإنسانية الكونية (أو قل الأممية)، وبروز شعار التضامن مع الشعوب المقهورة والمناضلين في كل مكان وشتي المعذبين في الأرض . (زار ناظم حكمت مصر عام 1962 ضمن وفد من أعضاء مؤتمر كُتاب آسيا وافريقيا، والتقي كُتابَها وشعراءها، قبل وفاته بعامين).
في سياق حار عارم كهذا، كان طبيعياً أن يكون حضور هؤلاء الشعراء الإنسانيين العالميين في ثنايا الشعر العربي الحديث حضوراً ساطعاً، وفي قلب هؤلاء ناظم حكمت. فكتب صلاح عبدالصبور عن لوركا، وكتب أحمد عبدالمعطي حجازي عن نيرودا، وكتب حسن فتح الباب عن ناظم، وكتب سعدي يوسف عن ايلوار، وكتب أدونيس عن بيكاسو، وكتب فؤاد حداد عن أراغون، وكتب بلند الحيدري عن لوركا. أما عبدالوهاب البياتي فكتب عن معظم هؤلاء، شعراً ونثراً ومذكرات لأن معظم هؤلاء الشعراء العالميين كانوا اصدقاء شخصيين للبياتي.
ومن القصائد النادرة في رثاء ناظم حكمت، أذكر قصيدة صلاح جاهين، ذلك أن كثراً من شعراء العامية المصرية كتبوا العديد من القصائد في رثاء ناظم، مثل عبدالرحمن الأبنودي وفؤاد حداد وسيد حجاب وسمير عبد الباقي وفؤاد قاعود. قال جاهين في قصيدته بكائية إلي ناظم حكمت : من سنة مش جيت ودورت هنا/ ع الولد اللي في قصيدتك بورسعيد؟/ قلبه كان تفاحة خضرا ومات شهيد/ مش لقيته من جديد؟/ ولقيت قلبه حديد؟/ ولقيت شعرك علي لسانه نشيد؟/ ولقيت شعرك بيتجسد علي مر الزمن؟/ ليه تموت يا عم ناظم/ قبل ما أزمير تغني لك كمان؟/ كنت عشت . في هذا الضوء يستطيع المتابع أن يرصد أثر ناظم حكمت علي الشعر العربي الحديث متجلياً في ثلاثة ملامح:
الأول: هو الاتجاه نحو البساطة في الأداء الشعري، بعيداً من الاغتراب والتصنع، من دون فقدان جوهر المستوي الفني الرفيع. ووجد معظم شعراء حركة الشعر الحر العربية في بساطة شعر ناظم حكمت سنداً قوياً يؤكد دعواهم إلي البساطة والعمق في آن، وإلي إنكار الاصطناع الشكلي الذي غرق فيه الشعراء التقليديون السابقون.
الثاني: هو عدم إهمال التراث السابق، رسمياً كان أو شعبياً، إذ أعطي انغماس ناظم في تراثه الرسمي والشعبي (مثله مثل نظيره الكبير لوركا) دفعة مؤثرة لشعراء حركة الشعر الحر العربية في الإقبال علي تراثهم العربي، الرسمي والشعبي، علي نحو ما نلحظ في شعر البياتي وأدونيس وأمل دنقل وحجازي وغيرهم، وعلي نحو ما تدلنا مذكرات بعض الشعراء العرب حينما كتبوا عن تجاربهم الشعرية.
الثالث: التوجه الي التعبير عن هموم البسطاء وأشواق الفقراء وآلام المقهورين في الوطن وفي شتي بقاع الأرض، وكان لهذا التوجه مساهمة كبيرة في ابتعاد حركة الشعر الحر العربية عن الهموم الذاتية الضيقة إلي هموم الجموع المغلوبة.
هكذا جسّد ناظم حكمت - بالنسبة الي الشعراء العرب المجددين في أواسط القرن العشرين - نموذجاً للشاعر المناضل الذي يرتبط كفاحه بشعره، وشعره بكفاحه، ارتباطاً متيناً لا تنفصم عراه، حتي إنه صار - لا سيما أثناء سجنه وبعد رحيله - رمزاً من رموز الشعر العربي الحديث ومادة من مواده النابضة.
وأشهد أنني ما زلت أذكر كيف كانت فقرته التالية خيطاً أساسياً من خيوط قصائدنا في النصف الأول من السبعينات، نتناص معها أو نلمّح إليها إيحاءً أو تصريحاً، كلها أو بعضها، نستكملها أو ننقصها، نؤيدها أو نعارضها، تقول الفقرة:
أنا لا أملك ما أعطيه لشعبي المسكين سوي تفاحة هي قلبي/ والذبحة لا تفتك بي لتصلب شريان أو قسوة سجن/ فأنا أنظر عبر القضبان إلي الليل/ ورغم الجدران القائمة علي صدري/ يخفق قلبي مع أبعد نجم .
ہ ہ ہ
في عام ناظم حكمت سنرثيه بكلماته، هو الذي قال في قصيدة مراسيم جنازتي :
نافذة مطبخنا
ستودعني بنظراتها
وشرفتنا سترفع الغسيل المنشور قليلاً حتي أمر،
لقد عشتُ سعيداً في هذه الدار .
نعم يا ناظم: المنفي حرفة شاقة ، لكن الموت حرفة أشق .


ہ شاعر مصري.


http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن