حرية المرأة في العراق وأثرها في المنطقة

دياري صالح مجيد
diyary_mageed@yahoo.com

2008 / 11 / 27

تتسم منطقة الشرق الأوسط وخاصةً بجزئها العربي بتعقيد جيوبولتيكي كبير فهي كانت ولاتزال جزءً رئيساً من استراتيجيات القوى الكبرى والإقليمية الرامية إلى فرض الهيمنة عليها بشتى الوسائل، كما لاتزال هذه المنطقة تعيش حالة من التراجع المفرط في الحريات خاصةً المدنية منها، وكأن الأمرين متلازمين مع بعضهما فلا تنفك هذه المنطقة أن تكون جزءً من ستراتيجيات الهيمنة أو أن تعيش في ظل عوامل وعوالم للتخلف والتراجع في مختلف ميادين الحياة، إلا أن الأمر الآخر البارز هنا أن مايحصل من تقدم ما في مجال الحريات في أحد الأجزاء لابد وأن يجد له صدى في قطاعات واسعة من هذه المنطقة خاصةً بين شرائح الطبقة المثقفة منها.

نفترض في هذه المقالة أن الدعوة المتزايدة من قبل جهات مختلفة لحرية المرأة والتمتع بحقوقها في العراق سوف يكون له انعكاسات مهمة على صعيد علاقة المرأة بالسياسة والدين ليس في العراق فحسب وإنما في كل دول المنطقة، فهل ستسمح الفئات المتمترسة وراء أفكار الماضي بصيغته الجاهلية المقززة بمثل هذه التطورات؟ خاصةً وأنهم اليوم ينظرون إلى الدعوات المطالبة بحقوق المرأة ومناهضة كل أشكال الاعتداء والتعسف بحقوقها على أنها دعوات ذات أغراض مفسدة تهدف إلى إشاعة روح الإباحة والانحلال داخل المجتمعات، فهل حقاً الامر كذلك؟


لقد شهد تاريخ النظم الشمولية في العديد من الدول خاصةً في العراق بل وحتى في دولة عريقة مثل الاتحاد السوفيتي السابق تصاعد مخاوف النظم السياسية فيها من إمكانية إطلاع الشعوب التي تحكمها بقبضة حديدية على أنماط الحياة التي يعيش في ظلها الآخرون لذلك عملوا على إنشاء المحاجر الإعلامية التي حالت دون إمكانية إطلاع الفرد على حياة أقرانه في الدول الأخرى، أما الآن فلابد لنا أن نؤمن بأن العولمة الثقافية والإعلامية لها سلبيات ومخاطر عديدة إلا أن من إيجابياتها التي لابد وأن نحلم بها هي التعرف على كيفية عيش الفرد (ذكراً أم أنثى) في دول لاتملك موارد مشابهة لما تملكه دولنا العزيزة وهو ماسيقود إلى حصول ثورات كانت تخشى في السابق منها العديد من الحكومات كالثورة الصامتة أحياناً والمجاهرة أحياناً أخرى حيال حقوق المرأة التي اتضحت صورتها ناصعة في العراق عبر الفقرات الدستورية الخاصة بحقوقها في البلاد عبر مجمل فعاليات الحياة المختلفة. فقد ذكرت المادة 14 من الدستور العراقي "إن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس (...)" وهي فقرة تشير بشكل لا لبس فيه إلى أهمية القضاء على التمييز الجنسي أمام القانون وإشاعة مايعرف بـ"Feminism" أو المساواة بين الجنسين، إلا أن تلك الفقرة اصطدمت بحسب وجهة نظر العديد من المراقبين مع المبادئ الأساسية للدستور التي أشير في المادة الثانية منها أولاً "إلى أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي وهو مصدر التشريع" وهو ماأثار في حينه حالة من الفوضى والجدال حول تضارب المبادئ التي تعتمدها الشريعة الإسلامية مع قوانين الدولة الليبرالية، ولعل مثل هذا التضارب كان يقصد به بشكل خاص محاولة الإشارة إلى دورالبعض من المتطرفين الذين يريدون فرض قيمهم قسراً ضاربين بذلك عرض الحائط قوانين الدول المدنية التي تحمي حريات الأفراد ومنها المرأة لأنها مؤشر حقيقي لتطور المجتمع وتحضره. وقد جاء ذلك بمجمله من خلال اعتقاد البعض أن اعتماد الشريعة الإسلامية قد يقود إلى ولادة دولة ثيوقراطية على غرار الدولة الإيرانية مما سينعكس أثره سلباً على حقوق المرأة بشكل خاص، وسياتي ذلك الأمر كنتيجة حتمية للتطبيق الصارم لتفسيرات مغلوطة حول الشريعة الإسلامية. ويدلل البعض على ذلك التوجه بأن المرأة لم تحرم من النواح والندب لما فقدته من أعزاء عليها طوال سنوات الحرب الأهلية الطاحنة خلال السنوات الخمس الماضية، لكنها تحرم ويُحرم عليها أن ترفع صوتها مناديةً بحقها المسلوب بالحياة أمام تفسيرات دينية متشددة تصادر حقوقها وسعادتها وتقطف ثمار أيامها قبل أن تنضج لاستقبال الحياة بعيداً عن آلام فقدان الابن والزوج وآلام التهجير القسري لأسباب طائفية، وحكماؤنا مفسرو الشريعة الأفذاذ لا هَمّ لهم سوى التفكير بما إذا يحق للمرأة أن تتولى منصب القضاء أم لايجوز ذلك طالما لايوجد فيه نص شرعي واضح، والتفكير والتفسير الديني على أساس ذكوري عنصري بعيداً عن روح العصر وتطوراته المتسارعة، كما يشير البعض في خضم هذا الجدال إلى أن التجربة الدستورية في العراق أتاحت للمرأة حق التصويت كما إنها أتاحت من باب حفظ ماء الوجه أمام انتقادات دعاة الديمقراطية السماح لها بالدخول إلى البرلمان، لكنها لم تزل غائبة عنه بشكل فعلي طالما انها تأتمر فقط بأوامر مراجعها السياسيين ولاتجد السند الكافي لها في تشكيل تكتل سياسي خاص أو في اعتماد موقف خاص يعبر عن رؤاها ويخدم قضاياها، فهل العيب هنا في الإسلام، إذا ما أ’نتقص من حقوق المرأة؟ أم أن الموضوع يتجاوز هذه الحجة إلى ماهو أعمق، إلى مشكلة حقيقية تحتاج منا الوقوف بصرامة أمام أنفسنا لنقول أن مشكلتنا ليست في الإسلام وإنما في من يفسر الإسلام لصالح ماتشتهي نفسه بعيداً عن قدرته على تجديد أفكاره وبث الروح في ذلك العتيق منها ليلائم تطورات العالم المعاصر الذي لم يعد ينظر للمرأة على أنها مجرد عورة لابد من سترها ، وهي مصدر الفتن والمفاسد جميعاً فلابد من حرمانها من كل مانتمتع به نحن مجتمع الذكور من مفاتن الحياة التي لاتكتمل بلا امرأة!، لذلك جاءت الفقرة التالية في نفس النص الدستوري تؤكد على الآتي "لايجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية"، ورغم كوننا غير مختصين بالقانون والدراسات القانونية، إلا أننا نجد بأن تلك الفقرة جاءت رداً لكل أولئك الذين أثاروا شكوكهم حول دور الشريعة الإسلامية في صياغة الدستور العراقي، من أن هنالك إمكانية لرسم التصورات الخاصة بحقوق المرأة في ظل تواجد فقرة دستورية تضمن ذلك. وهنا تأتي الدعوة إلى ضرورة الترويج إلى النموذج الليبرالي الخاص بحقوق المرأة في الإطار الإسلامي الذي يملك الكثير من عناصر نجاحه في العراق بهدف كسر القيود التي ورثناها من الماضي والعمل على إعادة تفعيل الشريعة الإسلامية بما يواكب روح العصر وهو ليس بالأمر المستحيل على بعض الجماعات المتنورة داخل إطار المؤسسة الدينية العراقية، التي نأمل بأنها ستتيح "كما يجري الآن" حرية أكبر للمرأة في ممارسة ثقافة الحوار في إطار الشريعة بهدف تصحيح بعض مما لحق بها من آثام أخلت بدورها في المجتمع وألحقت بها شيئاً غير قليل من الغبن.

في الوقت الذي أدركت فيه بعض الجماعات المتطرفة إمكانية تنامي هذا الدور للمرأة مع وجود إمكانية تطبيق المبادئ الليبرالية داخل إطار المؤسسة الدينية نفسها، ولما لذلك الدور المتنامي للمرأة من مخاطر على مكاسبهم وشرعنة ذكورتهم المتسلطة سياسياً وثقافياً، فقد بدأت تحاول قدر امكانها وضع العصا في عجلة التقدم المتباطئة خشية من أن يمتد الطريق "رغم صعوبته" أمام عجلة التقدم تلك إلى دول المنطقة التي لازالت حتى يومنا هذا تخشى على سلطتها الذكورية من أن تهتز بأصوات أنثوية مطالبة بحقها في الحياة قبل حقها في السياسة وإدارة المجتمع. لذلك وجدنا من يرفع اللافتات مطالباً فيها عبر شعارات ظاهرها ديني وجوهرها سياسي، داعياً إلى إعادة المرأة إلى مكانها الطبيعي إلى العبادة وتربية الأولاد ودون ذلك فالكفر الزؤام، لذلك حاول البعض مجدداً شغلها بوظيفة بائسة تقربها إلى الله أكثر من ذي قبل عبر تنفيذ العمليات الانتحارية لتحظى المرأة مجدداً بعطاء ذكوري جديد يستحق منها أن تواجهه بالشكر والطاعة العمياء، فأي منح تلك وأي تفكير ذلك الذي ينظر للمرأة على انها مجرد وسيلة لشيء ما عادة مايفتقد إلى النُبل الإنساني!.

لقد تلاشت أحلام أولئك المرضى وجاء الوقت وسيأتي بقوة أكبر خلال المستقبل للمرأة أن تقول قولتها الفصل في كيفية النظر إلى حياتها بعيداً عن أوهام عالم الذكور (أقصد بهم الذكور المتزمتين بنظرتهم الذكرية لكينونتهم المتعالية). وهو ماسيترك أثره على نوع آخر من الإصلاح السياسي في مجتمعات العالم العربي، لكن نتمنى هذه المرة أن يكون إصلاحاً سياسياً داخلياً بإرادة الشعوب رجالها ونسائها بعيداً عن قوة الاحتلال الغاشمة القادمة من وراء المحيطات والبحار.
كم أتمنى أن أسجل في نهاية هذا المقال بعضاً من التوصيات إلى حبيبتي المرأة التي صنعت مني رجلاً/إنساناً في عالم بعد لايعرف قيمة الإنسان بشكل حقيقي فتحية إجلال واحترام لها ما حييت أبداً لكل امرأة تعمل بكدٍ لتقول أنها هنا موجودة في عالم الحياة لتصنع الحياة لمن يستحقها، لذا أتمنى عليها أن تنظر لما سأوصي به بعين الاعتبار:

1-على المرأة أن تنظر باحترام إلى أفكار المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية التي تنظر إلى القضايا الأمنية والعسكرية باعتبارها قضايا السياسة العليا وما عداها من القضايا الاجتماعية والثقافية هي موضوعات السياسة الدنيا. فعليها هنا أن تعكس هذه المعادلة لتصبح قضايا التعليم والثقافة هي القضايا الأولية لحياتها فهي الطريق الأقرب إلى قلب المجتمع وبالذات فيه الرجل لتعكس بذلك المرأة مقولة خاطئة انغرست في عقليتها رغم إرادتها القوية والصلبة وهي أن أقرب طريق إلى قلب الرجل وربما المجتمع هو معدته، فلم تعد المعدة أساساً لكل شيء في المجتمعات المتنورة وإنما الفكر ودونه الضياع والمتاهة.

2-كم أتمنى على المرأة أن تكف عن النظر إلى الرجل على إنه مجرد شيء للزواج بل هو شريك في الحياة ولابد أن تناضل وتتنافس معه في ميدان العلم والفلسفة وإعمال العقل في علاقتها مع الحياة التي ستجبر من خلالها الرجل على احترام دورها وعدم مصادرته لأنها كائن مساوٍ له في الإمكانات والطموحات ويستحق الاحترام وعليه أن يقوم بذلك إدراكاً لمثل هذا الدور وليس لكونها أنثى فقط تستمطر عواطفه بالشفقة والرأفة لها فهي أقوى من ذلك الأمر. وهو ما ذكرني بالكلمات الآتية للمبدع إحسان عبد القدوس "إن هذه البنت لا تحبني... إنها تريد أن تتزوجني... إن كثيراً منهن لا يعرفن الحب ولا يخلصن له... ولكنهن يعرفن الهدف... ويخلصن للهدف... والهدف هو الزواج" (من كتاب شفتاه ص209-213).

3-أن تنظر المرأة بعين الاحترام لحقوقها خاصةً في التقدم الفلسفي فهو الطريق الذي سيقودها إلى إمكانية طرح همومها بما يجبر الآخر على احترام تلك الهموم والمشاركة في إيجاد الحلول لها وبدون ذلك فإننا لن نتجاوز عقبة كأداء في طريق تقدمنا وهي إصلاح شؤوننا الداخلية التي ستبدأ بحرية المرأة ولن تتوقف عند حدود فهي النهضة التي يبحث عنها الجميع بإخلاص في مجتمعاتنا. ولعل لنا في مقولة المبدع أحمد فارس الشدياق مثالاً لذلك "لا نهضة للشرق إلا بنهضة المرأة".

4-كم أشعر بعظمة الحياة حينما أجد امرأة مثقفة تعطيني دروساً في الحياة لازلت أنا وملايين من الرجال أمثالي يحتاجون إليها. وهنا أود أن أسجل امتناني وافتتاني العظيمين بكوادر نسويه مبدعة في عراقنا الحبيب ضمن إحدى مؤسساتنا التعليمية في مركز تطوير الملاكات حيث حضرت هناك أول دورة أقيمت في العراق للتحضير لامتحان IELTS وكان كادرها نسوياً خالصاً يشع بكل آفاق الإبداع والتحرر الذي نبحث عنه في حياتنا اليومية، فكم كنت أتمنى حينها أن تكون نساء بلادي أجمعهن بمثل ذلك المستوى الباهر، لكي تجبر كل من لا يملك قلب أو بصيرة على احترام المرأة لأنها معنى حقيقياً جميلاً من معاني هذه الحياة القاسية.

وأختم مقالتي هذه مع الاعتذار للمرأة عن حقوقها المسلوبة أولاً ومع اعتذار آخر للإطالة ثانياً بمقولة المبدع جبران خليل جبران من إحدى رسائله إلى معشوقته مي زيادة قال فيها كما أود أنا أيضاً أن أقول لك امرأة عظيمة (منذ كتبت لك حتى الآن وأنت في خاطري، لقد صرفت الساعات الطوال مفكراً بك مخاطباً إياك مستجوباً خفاياك مستقصياً أسرارك، والعجيب أني شعرت مرات عديدة بوجود ذاتك الأثيرية في هذا المكتب ترقب حركاتي وتكلمني وتحاورني وتبدي رأيها في مآتي وأعمالي) الشعلة الزرقاء، ص59.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن