هادي العلوي و عصرنة (المشاعية)-

وديع العبيدي
wdobd14@yahoo.com

2008 / 9 / 24

من الماركسية إلى التصوف

آثار المشاعية في النظام المعاصر..
استمرت المشاعية كقيمة اجتماعية وأخلاقية، حتى بعد ظهور الملكية الفردية. وفي مقابل الملكية الجماعية للأرض [القبيلة / الدولة] ، استمرّ نظام (التكافل) كعلاقة اجتماعية اقتصادية بينية داخل الجماعة المتعايشة. وفي إطار العوائل الكبيرة كان البعض يتزوج ويهرم دون أن تكون له ملكية فردية أو يفكر بمدخول خاص، حيث الايرادات والنفقات يتم تنظيمها من قبل (رأس) في الأسرة أو الجماعة. في ظل هذا النظام (التكافلي) كان الترشيد الاقتصادي/ الاستهلاكي سمة بارزة لحياة العائلة أو القبيلة. لكن هذا النظام [منظومة اقتصادية مغلقة] تضرر جوهرياً بعد امتداد نفوذ (الدولة) التي قصمت (استقلالية) الجماعة [الأسرية/ القبلية] عبر قوائم التجنيد للحروب المستمرة من جهة وقوائم مدفوعات الجزية والضريبة والخراج الدورية. علاقة التضادّ الحادّة هذه بين مصالح (القبيلة) ومصالح (الدولة) كانت وراء نظرة العرب الـ[سلبية] منذ البدء إلى فكرة الدولة، ووقوفهم بالمرصاد لكل محاولة سياسية (تجميعية)، حرصاً للمحافظة على استقلالية سلطة القبيلة ونظامها التكافلي. انتهى الولاء القبلي لصالح الولاء للدولة ونظام الحكم ، وانتهى النظام التكافلي إلى نظام الأجور والأعطيات، القائم على نوع الخدمة ودرجة التزلف.
في هذا الاطار ، يمكن القول، أنه إذا كانت الدولة استحلت مكان القبيلة، كعملية تصاعدية متدرجة لحلول القبيلة مكان العائلة، فأن من الممكن، اعتبار نظام (المعونة الاجتماعية) في الدولة العصرية [الاشتراكية الثالثة] من آثار التكافلية القبلية/ الأسرية. بمنظور غير بعيد من مقابلة المفهوم البعيد لـ(الاشتراكية) [Socialism] مع المشاعية* المتطورة. أن (بيت المال) أو خزينة الدولة (البلدية) التي تجتمع فيها حصيلة الضرائب والايرادات العامة، تخصص سقفاً سنوياً لدعم البرامج الاجتماعية العامة للسكان ودخول المعدَمين وذوي الدخل المحدود. مع فارق نسبي، أن الفرد يقدم كلّ مدخوله لصندوق العائلة أو القبيلة في النظام المشاعي، الذي يكفل له تلبية كل احتياجاته، بينما يقدم الفرد نسبة محددة من دخله لصندوق (ميزانية ضرائب) الدولة، لتغطية جانب النفقات العامة، ويستمر الفرد في الاعتناء بحاجاته الشخصية والمعيشية.
*
(المشاعية) وبوادر الفكر الاشتراكي
المفارقة هنا أنه بينما وقعت (المشاعية) في صلب دراسات انجلز وهيجل الاشتراكية، واهتمام المؤرخين الألمان بدراسة (البداوة) التي مثلت صلب دراسة ابن خلدون في (مقدمته)، لم يرد الربط بين البداوة والمشاعية داخل شبه الجزيرة أو (شرق العربيا) كما لدى هادي العلوي. ذلك أن البحث الأكادمي في مجال الاقتصاد العربي أو التاريخ الاقتصادي العربي بقي نادراً ومنحصراًً (مرتبطاً) بظهور الدولة أو ما دعي من بعدُ (الاقتصاد الاسلامي). والذي لا يعدم الصلة بالمرتكزات الاقتصادية للنظام الاقتصادي للقبيلة (قبل الاسلام)، والأطر الاجتماعية المنظمة لحياة الجماعة البشرية. كذلك تم اغفال الربط ما بين نظام (المشاعية) وحركات الزنج [255هـ] والقرامطة [264هـ] ذات الملامح الاشتراكية المبكرة، إزاء تعاظم نفوذ الدولة وتفاقم (إفقار) الأهلين نتيجة ازدياد موارد الخزينة والمبالغة وإسراف حاشية الحكم مقابل انتشار (الشحاذة) في المدن (سوء توزيع الدخل والفساد الاداري). هذه (الردّة) نحو (المشاعيّة) القبلية - إذا أمكن تسويغ مصطلح (الردّة) بهذا الصدد-، لا ينفصل عن مدرستي البصرة والكوفة الفكريتين في فجر التأليف والتصنيف العربي. ففي تلك المرحلة المبكرة، وجد العرب أنفسهم أمام مرحلة من الانفتاح والمغايرة، لا تختلف من حيث الأساس عن بواكير القرن العشرين أو أعتاب العولمة الراهنة. ومنذئذ، تمّ تحديد خياري الأصالة أو الحداثة، النقل أو العقل. وفشل صيغة الدولة يومئذ، - (كما اليوم)- عن تلبية مصالح وحاجات المجتمع، كان وراء تيار (التأصيل). هذا التيار، المولود داخل بيئة فكرية ثقافية متقدمة لم يقلب عجلة التاريخ نحو الخلف، وانما أعاد تشكيل الملامح الرئيسة لنظام [التكافل الاجتماعي] السابق في أطر معاصرة. فحفلت هذه الحركات بكثير من مظاهر (المشاعية) وحياة (المشاركة والتكافل) بين أفرادها. مع علاقتها ببعض الحركات الاجتماعية المحدودة في بلاد فارس وجانب من أفكار المتصوفة وتسلكاتهم.
*
هادي العلوي و (المشاعية) العربية..
يستحق هادي العلوي الإشارة هنا، باعتباره أحد أكبر (المغرَمين) و (المغامرين) المعاصرين بـ(الفلسفة) المشاعية، متحدياً أي رأي يشكك في (واقعيتها)، أو إمكانية تحقيقها على أرض الواقع (المعاصر). وهو في هذا المجال المتفرد، يستحق (وقفة) متأنية عميقة. نظرته للمشاعية تجعله في مصاف (الأخلاقيين) على صعيد الفكر والفلسفة. إذ وجد فيها - مخرجاً- للكثير من المغالق الفكرية والظواهر السياسية والاجتماعية المنحرفة. لذلك حاول تأسيس دعائم فكرية تاريخية لها عبر حفرياته في التراث العربي والصيني القديم. ففي قراءاته للتاريخ السياسي العربي، يستخدم مصطلح [اللقاحية] للدلالة على (البداوة)، المصطلح المحيل على (البدائية)، كمرحلة سابقة لظهور التمدن. في محاولة لتأصيل عروبية المصطلح لعصر ما قبل الدولة. وهو إذ يرفع (معيارية) البداوة عند العرب جرياً على مذهب عمرو ابن عثمان الجاحظ وفكر ابن خلدون، يمهّد لحسنات (نظام) المشاعية، أكثر من إعجابه المجرّد لما يسمى القيم البدوية عند ابن خلدون وغيره، أو قيم (الأصالة) - الشعرية- عند الجاحظ وأتباعه.
*
نشأ العلوي في بيئة اجتماعية مسيّسة، يسودها تياران رئيسان، يرتبط كل منهما بمرجعية فكرية ودعم خارجي، وهما يومئذ [الحركة الشيوعية والحركة القومية]. ورغم وجود حركات سياسية وطنية كالأهالي والاستقلال والحزب الوطني، في صفّ المعارضة، أو حزب الأمة والاتحاد الدستوري لرجالات السلطة، فأنها ما كانت لتستطيع منافسة الحركتين الرئيستين، لا من ناحية الاغراء ولا الدعم العالمي والاقليمي. ولم تكن الانتلجنسيا العراقية – أمس كما اليوم-، من النضوج والتلاحم ما يجعل لها مكاناً في المشهد الوطني. كانت الحركة الشيوعية أقرب إلى واقع الطبقات الكادحة في خطابها، بينما تدين الحركة القومية للخطاب البرجوازي السياسي المحدود. فوجد العلوي نفسه– شأن عموم الطبقة المثقفة خمسينياتئذ- أقرب للشيوعية من غيرها. لكنّ هادي العلوي، ليس سياسياً، - قارئاً أو مقروءاً-، وحسبي أنه تأثر بقيم العائلة والبيئة البغدادية الدافئة، أكثر من الشعارات السياسية الطنانة التي استجلبت المزيد من المصائب، وزادت من تعقيد الظروف وفرص الحياة، بدل معالجتها وتيسيرها. زاد من وطأة ذلك، تعلق الشيوعية العراقية بفضائها الأممي، وشعاراتها العالمية ضد الفاشية والامبريالية، مغفلة بناء الصلة بينابيعها المحلية والعمل على تجذير حركتها و(تعريقها) أو تعريبها للتمكن من لحمة الواقع وفكّ الالتباس مع المجتمع والهوية. عبر هذا المنظور وجد هادي العلوي، - الشخصية القلقة والفكرية المتشككة-، في مشاعية البداوة والعائلة، جذوراً لأفكار هيجل وانجلز، يدعم (مرجعيتها) الشرقية والبدوية القديمة على حساب مرجعيتها الجدلية الغربية. وسوف تتجلى هذه الأفكار بشكل أكثر وضوحاً في قراءته للمشاعية (الصينية). بهذا الحلّ (السحري) يحصل العلوي على (طمأنينة) روحية وفكرية، ولكن غير - ناجزة-. أنه ينتصر للشرق الحضاري الأصيل ضد الغرب وانحلاله الخلقي، وينتصر للشعوب المستعمَرة ضد الفاشية والامبريالية؛ من جهة، كما ينتصر للشيوعية الصينية ضد الشيوعية الروسية (الماركسية- اللينينية)، والجذور العروبية للفكر الشيوعي بدل الخطاب الشيوعي السائد. يقول في هذا الصدد، [الشيوعية الصينية (1)- نمط آسيوي، أخذت من الماركسية تنظيمها للاقتصاد، ومن اللينينية تنظيمها الحزبي و(2)- لم تأخذ منهما الفكر الشيوعي الذي تعيشه الصين وتصارع حوله منذ أكثر من ألفي سنة، و(3)- هي تعرفه أكثر من الغربيين، وتتماهى به حضارتها (4)- شأن غيرها من أقاليم آسيا.]/135. وفي نفس الصفحة من كتابه (فصول عن المرأة) يستخدم مفردة (الشيوعية) بمعنى (المشاعية) [استخدم الشيوعيون (الخلص) في آسيا القديمة..] و[هكذا رآها الشيوعيون المسلمون بدء من أبي ذر الغفاري وروزية الأصفهاني ومن بعدهم قرامطة العراق وشرقي العربيا. وقبلهم جميعاً حرمت الشيوعية اليسوعية..]. ان هادي العلوي، بتسويغ المراوغة اللغوية (العربية) والتركيز على أولوية القيمية (الاجتماعية) بدل القيمية (المادية)، يقلب الفكر الشيوعي والنظرية الماركسية على رأسها. فالمشاعية هنا ليست مرحلة نائية تفرزها سلسلة معقدة من التطورات الاقتصادية، كما يلغي تقاطع الماركسية مع الدين الذي كان (القشة) القاصمة لظهر البعير في البيئة العربية تحديداً. ان (الشيوعية) هنا لا تعني - الالحاد- كما شهّرت بها التيارات القومية، وانما قيم (التكافل والأصالة) الاجتماعية والتاريخية الضاربة في بيئة الشرق والعرب. ان الدلالة الرئيسة لمفردة [شيوع] في اللغة العربية، تعود للفعل الثلاثي المجرد (ش ا ع)[شاع يشيع شيوعاً وإشاعة] وهو خاص بالمعنى والخبر كما يفهم منه، ومعناه (الانتشار= الذيوع والشيوع). أما (المشاعية)، فبناء مصدر لا يوجد له أصل فعلي حسب فقه اللغة، وربما كان له أصل في اللغات القريبة كالعبرية والآرامية أو السريانية. المعنى العام لمفردة (مشاع) بضمّ الميم أو فتحها بمعنى (مباح)، ضدّ (خاص) ذات دلالة (العائدية/ الحيازة/ الملكية) الخاصة بالمادة أو الشيء. وليس من السهل تسويغ المقاربة اللغوية العربية بين (مشاع- شيوع) لصالح (المناورة) الفكرية. ناهيك عن تذبذب العلوي نفسه في استخدام (المصطلحات) التي يقوم نفسه بـ(تخريج) بعضها، استجابة لنزعات فكرية أو نفسية معينة. كما يقترن موقفه الضدّي من [الفاشية/ الامبريالية/ النازية]،- وكلها من منتجات الفكر والمجتمع الأوربي الغربي-، بالمضمون الاجتماعي لفكره المناهض للتحلل الخلقي والاستغلال الاقتصادي والهيمنة السياسية. والحلّ، يتلخص في فكرة (المشاعية/ الشيوعية). أرضية فهم (فهم أرضية) هادي العلوي هذه مهمة في التمهيد لفهم فكر مظفر النواب، الشاعر السياسي الحاذق، في تقديمه رؤية عروبية جديدة للشيوعية في قصيدته (عروس السفائن) في أوائل السبعينيات، والتي تقدم حفراً جريئاً في الفكر الاسلامي والقومي العربي. وعلى قدر العلاقة بهذا الموضوع ترد الاشارة [أولئك قالوا بمشاعة المال ومشاعة السلاح ولم يقولوا بمشاعة النساء] في القصيدة، والمقابلة نصاً لعبارة العلوي المتكررة [ تحرم شيوعية النساء وتتمسّك بشيوعية الأموال] و [التمييز قائم بعمق في الشيوعية الآسيوية ما بين شيوعية الأموال وشيوعية النساء]/ ص135، و[قوة التقاليد الشرقية التي تميز بين شيوعية النساء وشيوعية الأموال فتتشدد في الأولى وتتسامح في الثانية]/ 134. وبينما يصف العلوي (أبي ذر وروزية الأصفهاني/ القرامطة) بأنهم (الشيوعيون المسلمون)، يقول النواب في قصيدته الآنفة مخاطبا رابع الخلفاء علي ابن أبي طالب [لو عدت اليوم لسمّوك شيوعياً]. لا شكّ أن قصيدة النواب أكثر تغلغلا في وجدان المتلقي عبر زخم (الشحنات) العاطفية والانفعالية التي تطغى على جوّ القصيدة متماهية لديه مع المأساة الذاتية في شقيها السياسي الخاص بهروبه(1964) من سجن (نقرة السلمان) في الصحراء العراقية، إلى قرى (الأحواز) العربية جنوب غرب ايران ؛ والشق الفكري [تعب الطين تعب الطين.. تعب طينك يا الله!]. وقد عاد النواب واستخدم بناء جديداً على حساب المصطلح الأصلي، انسياقاً مع مستلزمات ايقاع لغة القصيدة، وهو (مشاعة) باختزال (ياء) المصدرية من (مشاعية)، والمختلفة عن (شيوعية) التي الواردة صفة لشخص، (المسلمون الأوائل) كما عند العلوي.
*
خطوط متقاطعة..
1- تأثر هادي العلوي بمراسم الحياة البغدادية وطقوسها البسيطة، حيث كانت (المحلّة) منظومة تقريبية للتكافل والحياة المشتركة. تركت لديه صورة (يوتوبيا حلمية) أجّجتها حالة عدم استقرار الصلة بالمكان وافتقاد الحميمية، المنعكسة في حالة (نوستالجيا) عارمة، تحولت في منظومته النفسية من المستوى (العاطفي) إلى صعيد العقل لتجد ترجمتها الفكرية في التقاطاته التراثية. وهذا ما يجعل كتابات هادي العلوي عامة مشوبة بمسحة من العاطفية والانفعال، في انحيازه الشرقي والعربي، أو نفوره العام من الغربي (!). ان هادي العلوي –إنساناً وباحثاً-، تحكمت فيه جملة عوامل تركت بصمات محددة على حياته وفكره وطروحاته، وليس في مجال (المشاعية)، التي حسمت لديه المشكل الاقتصادي الجدلي، كما حسم (التصوف) المشكل الروحاني الذي غاب عن الفلسفات (المادية) أهميته العميقة كعنصر مكمل للذات الانسانية. هنا اندفع العلوي للتشبث بأية حالة تتوفر على درجة من خصائص (المشاعية)، بدء من تقاليد القبيلة، إلى تكافل (المسلمين الأوائل) وحركة الزهد إلى تيارات التصوف والزنج والقرامطة، وصولاً لتراث الصين القديم.
2- الجانب الآخر الذي قدّم له حافزاً مغريا، تمثل في خصيصة الصرف في اللغة العربية وتقارب مبنى وايقاع (مشاع) و(شيوع)، ما ينطوي على درجة من التحميل والمبالغة في التأويل.
3- ان المشاعية (الشيوعية) وفق المفاهيم الماركسية كمرحلة متقدمة معقدة، أو مستحيلة التحقق كما يصفها البعض، من [الملكية المشتركة لوسائل الانتاج وانعدام (ضرورة) النقد]، تحقق مستوى من التكافؤ والمساواة والحياة الكريمة، تعتمد حالة موجبة من الانتاج الاقتصادي، تجعل (الترف) الرأسمالي في متناول الطبقات (الكادحة)!، لا تلغي أولوية الانتاج المادي كمحرك للتاريخ.
4- بينما تمثل (المشاعية) العربية أو الشرقية، ما يمكن اعتباره مرحلة ما قبل الاقتصاد، كتعبير أكثر دقة من وصفها بمجتمع ما قبل الدولة أو التمدن. وإسلوب (المقايضة) البديل –أو السابق- لظهور العملة في الفكر الاقتصادي غير قادر على تلبية الاحتياجات المتعددة للمجتمع. والأهم منه، انعدام (وسائل) الانتاج الاقتصادي في المجتمع المشاعي القديم، المعتمد على (الكرّ والفرّ) عند العرب، أو نظم الزراعة البدائية في الصين، أو (الزهد) في صدر الاسلام. المجتمع (المشاعي) هذا غير قابل للتطور أو التحول من غير التخلي عن خصائصه المشاعية، والذي فرضته أولويات التطور الاجتماعي لاحقاً.
5- تفتقد الحياة (المشاعية) الشرقية لحالة (الاشباع) التام أو مقاربات (الترف). فـ(الزهد) و (الكفاف) بالمفهومين الديني والاقتصادي هي السمة العامة لحياة (المشاعية) الشرقية. هذا المستوى والصنف من الحياة حالة اضطرارية خاضعة للظروف وشحة الطبيعة، ولا يمكن تصور حالة (فائض اقتصادي) يعزف عنها المجتمع محتمياً بخصاصة (الزهد) و(الكفاف). وهنا يبرز أثر (القناعات) الذاتية للكاتب بالميل للزهد، كحالة يسوّغ تعميمها على سواد المجتمع.
6- في غمرة الاندفاع (العاطفي) للفكرة، تجاوز العلوي، تاريخ معاناة الشرق طيلة التاريخ جراء تخلف الاقتصاد وانعدام وسائل الحياة اللائقة. ناهيك عن أثر (القنانة) وتاريخها وطقوسها التي كانت سائدة في مجتمعات الشرق حتى أيام القيصرية في روسيا. وتتضمن (القنانة) من مظاهر (الاذلال) الاجتماعي إلى جانب حياة (السحت) والكفاف ما يندى لها الجبين. ان القنانة، كمرحلة ارتبطت بالمجتمعات الزراعية، في الشرق، قابلتها (تجارة العبيد) الأمريكية بعد بدء الثورة الصناعية وبناء مستوطنات البيض في الأرض الجديدة، وما سجلته من ممارسات وحشية واجرامية في الغرب. تحدث العلوي عن (المشاعية) الصينية متجنباً لفظ (الاقطاع) الصيني، أو مظاهر الاستبداد و(التأليه) في حكم الامبراطور المقترنة صفاته بالشمس ومظاهر الطبيعة غالباً.
7- لقد كانت (المشاعية) مرحلة في ظل محدودية وسائل الحياة وبدائلها، لكن تعقد معدل الحياة وتعدد مستويات الحاجات، وانتشار وسائل الاتصالات الحديثة، وضع أمام الفرد خيارات متعددة للتحرر من (دائرة) القبيلة أو القرية ومتطلباتها القسرية . كما أن من غير المعقول بقاء القرية والقبيلة بعيداً عن مظاهر الحياة الحديثة في الانتاج والاستهلاك المفرطة.
8- كان لنمط العلاقة مع الأرض وظروف المجتمع الزراعي أثر في جعل الشرق بيئة تغلبها سلطة الغيبيات ونفوذ رجال الدين، والذي زاد من الهوّة بين المجتمع ومراتب التقدم. في هذه النقطة أيضاً يبدو أثر العامل الشخصي في نبذ (المادة) وراء انحيازه لـ(المشاعية) كنظام تلتغي فيه (المادة) وتتغلب فيه القيم الاجتماعية. ولكن مصير هذا المجتمع، لن يختلف عن مسيرة العلوي نفسه، المنتهية إلى رهبانية التصوف. بعبارة أخرى، عبودية الشرق المتعارفة.
9- لا تنعزل طروحات هادي العلوي هذه، عن انقلاب معايير الصراع الدولية وانتكاس التجربة (الشيوعية) الاشتراكية في العالم، وعودة (الدين) لتصدر الصراع العالمي كقطب مقابل للأمبريالية والعولمة. ان مساعي العلوي هذه، في أدلجة نزعاته الذاتية الخاصة، ومواقفه الفكرية المسبقة ضد (الغرب المادي) التقت بشكل مطابق، مع حركة معطيات الواقع العالمي والميداني للألفية الثالثة، سواء كان يعني ذلك أم لا. فهل جاءت هذه الطروحات متأخرة نوعاً ما؟..
10- لقد فات العلوي، في ظل انهماكه في جدلية [المادي / الروحي]، الخلوص إلى خدمة منظومة قيمية تنسجم فيها عناصر التراث والمعاصرة، تحفظ للانسان (إنسانيته) التي تمتهنها (الآلة) الرأسمالية، ولا تمنع عنه استنشاق هواء الحداثة والتقدم. ان هادي العلوي، في خضمّ توقه التوصل إلى بديل إنساني عادل ومشرف، لم يتحرر من ربقة الفكر الاقتصادي الماركسي، في جانبي المادة والاستغلال. ولذلك تخذت المرأة وتحرير جسدها وكيانها من استغلال الرجل والتعسف الاجتماعي والاقتصادي أولوية على صورة المجتمع الانساني. فالمهر وتقسيم العمل المنزلي وعدم إباحة الجسد، لا تخرج عن منظومة المفاهيم الاقتصادية العالقة بالاستغلال، ويبقى فراغ القيم الاجتماعية فاغراً في فلسفة العلوي، والذي لا يكفي (توجهه) الروحي لشغره.
11- هنا تنعقص رؤيته المشاعية بالفراغ القيمي الاجتماعي أولاً، والعجز عن التطور وتلبية الحاجات المتزايدة ثانياً، والعودة إلى عبودية الدين والاقطاع ثالثا. فليس غريباً إزاء ذلك عودة العلوي إلى عتبات الفكر الديني عبر بوابة الزهد والتصوف، والاقتصاد الاسلامي عبر انشائه (جمعية بغداد المشاعية)، الصورة القريبة لبيت الزكاة.
*
جمعية بغداد المشاعية ..
تأسست هذه الجمعية خلال التسعينيات، بمبادرة من الباحث هادي العلوي وكترجمة حية لفكره الاقتصادي والاجتماعي في أفضل ميادينه، العمل الوطني المباشر لمساعدة (فقراء) العراقيين في ظلّ ظروف الحصار الامبريالي الغربي. وكان مركز الجمعية في هولنده قريباً من تجمعات العراقيين في أوربا. قامت فكرة (الجمعية..) على جانب من أسس (بيت الزكاة) في الفكر الاسلامي القائمة على جمع تبرعات (الفِطرة) من المقتدرين بنسب محددة حسب دخولهم وتوزيعها على المعوزين والفقراء والمساكين بنظام ونسب محددة. لا يعرف الكثير عن تفاصيل نشاط الجمعية في أوساط المهاجرين في الخارج، أو منافعها في الداخل. ولكنها تبقى إلى جانب أفكار وبحوث هادي العلوي خطوة جريئة نحو تأصيل فكر معاصر، أو عصرنة فكر تراثي ووضعه على محك التطبيق وملامسة الحاجات المباشرة لأبناء الراهن.
على صعيد الواقع.. يمكن القول، أن الجمعية وقعت ضحية اتجاهين خاطئين من الاعتقاد، فمن جهة نأى كثيرون بأنفسهم عنها بدعوى علاقتها بجهة سياسية معينة (الحزب الشيوعي العراقي)؛ وبالمقابل، قوبلت الجمعية بتجاهل تام ونشاط مضادّ من قبل أوساط (الحزب) على خلفية مواقف العلوي الخاصة. وما يدعم هذا الاتجاه، بالاضافة لمحدودية الدور الانساني للجمعية المشاعية ، اعلان عدد من الجمعيات والمنتديات العاملة في الخارج كواجهات اجتماعية لجهات سياسية معينة قيامها بحملات جمع مساعدات وأدوية وإيصالها للداخل، وهو ما تكرر من قبل جهات وواجهات اقليمية ودولية، رسمية وغير رسمية، لا يعرف مدى صحتها وأثرها في صيانة أهل الداخل، ولا يخفى حجم الفساد المالي والكسب غير المشروع الذي يتردد حول منظمات وجهات غربية معروفة، يقابلها كتمان تام في الجانب العربي والعراقي. لا شكّ أن الجمعية وضعت كثيرين على محكّ مسؤولياتهم الاخلاقية تجاه الانسان والوطن، كانت هي نفسها بنتيجة ذلك، ضحية منافسة غير عادلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• هادي العلوي (1932- 1998) ولد ببغداد (كرادة مريم)، ومات بدمشق. مجاز في الاقتصاد من جامعة بغداد (1954). عاش مرحلة سياسية مضطربة وعدِمَ الاستقرار، فانعكست على حياته وفكره. اتجه للشيوعية ومال منها للتراث العربي والمشارقي، منتهياً إلى التصوف. عاش زاهداً في المال والدنيا، منقطعاً للبحث والتأليف. توزعت حياته بين العراق وسوريا وانجلترا والصين. ترك عدداً كبيراً من الأبحاث والمؤلفات الجديرة بالدراسة والتقصي، مضمنها قراءات جديدة في الفكر والتراث. أسس (جمعية بغداد المشاعية) مترجمة فكره الاقتصادي خلال مدة الحصار الدولي على العراق.
• يستخدم هادي العلوي لفظة (الشيوعية) كمقابل لغوي للمشاعية. / 135- كتابه- فصول عن المرأة- دار المدى- 1996- سلسلة الأعمال الكاملة.
• أتحفظ هنا إزاء المصطلح الغربي الذي يصف المشاعية بالأنارخية [anarchy] المقابلة بالتضاد مع [monarchy] أي السلطة أو النظام السياسي. معتبراً أن (المشاعية) مرحلة سبقت ظهور السلطة أو النظام، القائم على الملكية ورأس المال، حسب المفاهيم الغربية. بينما مثلت المشاعية نظاماً متوازناً حظت فيه القيم الاجتماعية والخلقية ممثلة بالمساواة والتكافؤ والتكافل بالدرجة الأولى، وكان العمل من أجل الأهداف الاقتصادية وتوزيعها مسؤولية جماعية متكافئة لا أثر فيه للملكية الفردية وسلطة الفرد [ملك/ قيصر/ امبراطور/ فرعون/ أمير] الذي يستحوذ على حصة الأسد من الناتج الجماعي وتتبعه منظومة تراتبية أرستقراطية في النفوذ والملكية، تعتاش على حاصل منتوج أفراد الجماعة أو الدولة. ومنذ تنبه رواد الثورة الفرنسية إلى قيم [حرية- إخاء- مساواة] وحتى اليوم، عجزت الأنظمة المختلفة، اشتراكية او رأسمالية في مقاربة تلك الشعارات.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن