شكرا لكل من ساهم في جعلنا شعبا من المتسولين !

ناصر موحى
m_nasser_ma@yahoo.fr

2008 / 9 / 20

طيلة أيام رمضان تتحول تلفزات حكام المغرب إلى منبر سلب العقول وتدجين الأفكار واغتصاب الكرامة.صور بكل ألوان الطيف تبث صباح مساء دون انقطاع .
هذا العام ثلاثة مشاهد كانت كافية كي أعرف أي نوع من الأوطان أنتمي إليه :
المشهد الأول :في حي شعبي يمكن أن يكون في أي مدينة مغربية تتجول الكاميرا على طابور نساء ورجال بوجوه متخفية أو هاربة من عدستها .في الوجهة الأخرى يتقدم الملك محاط بجيش من المخبرين والحراس والمسؤولين ,ثم تقدم موظفة جميلة القفة بإشارة من الملك لأحد الرعايا المحظوظين الذي يخر راكعا ليقبل يد جلالته تحت وابل من التصفيقات والزغاريد والهتافات .
المشهد الثاني :في قرية نائية أعيد طلاؤها وألبست لباسا لم تعرفه في حياتها بين ليلة وفجرها, غطت أعلام المملكة الجدران العصية عن الطلاء .تنتقل كاميرا التلفزة بين وجوه الأطفال البشوشة رغم أعراض فقر الدم والكساح والمصطفون تحت تهديد المدرسين ورجال الأمن وهم يرددون شعارات حفظوها عن ظهر قلب . يظهر الملك بلباس نقي من آخر صيحات الموضة العالمية ويعيد نفس المشهد بمنح محفظة مدرسية لأحد الأطفال الذين ألبسوهم لباسا يليق بمقام الملك .ثم عاصفة من التصفيق والهتاف يليها طقس تقبيل اليد بنمطية غريبة .ثم يغادر الموكب المكان .
المشهد الثالث :الصورة من القصر الملكي حيث يستقبل الملك مبعوث إحدى إمارات الخليج النفطية وهو يسلم لجلالته شيكا بملايين الدولارات كمساهمة في الحساب البنكي الذي فتحته الدولة للمحسنين الكبارالمتبرعين من أجل مواجهة الأزمة الخانقة التي وصلها أجمل بلد في الكون .

ثلاثة مشاهد لاتمل تلفزتي البريهي وعين السبع من إعادتها على المشاهدين الكرام بدون كرامة. ولكن دعونا نحاول فهم هذا السلوك من الجانبين المرسل والمتلقي .
يبدو أن ذكاء أو غباوة كل من يسهر على بث مثل هاته الروبورتاجات وكل من يأمر بإنجازها يريد إيصال رسالة مضمونها مايلي :
الحكومة المغربية وعلى رأسها الملك محمد السادس تشتغلبقوة وعلى جميع الأصعدة من أجل رفاه الرعايا وخاصة المعوزين منهم .وإدخال الإبتسامة إلى الأسر الفقيرة خاصة في هذا الشهر الروحاني من أولويات الدولة ومن الوسائل الناجعة في محاربة الفقر المذقع الذي يرزحه تحته 7 ملايين مغربي .وفي المشهد الثاني يروم جهابدة الإعلام والتواصل ترسيخ فكرة أن النظام السياسي المغربي يزاوج بين القول والفعل .فخطاب الملك الذي إعترف فيه أن التعليم من أولويات الدولة يجب أن يتبع بتدابير عملية ومنها توزيع مليون محفظة لمليون طفل .أما المشهد الأخير فهو موجه للخارج ولأعداء المغرب مفاده أن المملكة لها أصقاء وإخوة أغنياء يمكن أن يعتد بهم في اللحظات العصيبة وأن علاقات المغرب لها إمتدادات من الشرق إلى الغرب .
ومادام أي خطاب كان مكتوبا أو مسموعا أو مرئيا يحتمل التأويلات المختلفة عند المتلقي فلابأس أن نجتهد في قراءة مضامين ودلالات المشاهد الثلاثة .فإن أصابنا كان لنا نصيب وفير من الحسنات وإن أخطأنا رضينا بحسنة واحدة
في المشهد الأول نساء ورجال بوجوه تعلوها المهانة وعيون منكسرة تهرب من عدسة الكاميرا حفاظا على ماتبقى فيها من الكرامة والأنفة أمام الجيران والمعارف .فالمغربي لايقبل التسول وهو ماتنقله التلفزة بشكل رسمي إلا إذا سدت في وجهه جميع السبل لكسب قوته بكرامة ووصل إلى مستوى المجاعة .نفس الوصف ينطبق على الأطفال الذين لايستطيعون الذهاب للمدرسة إذا لم يتلقوا صدقات من حكام من المفروض عليهم أن يجعلوا التمدرس حق لجميع المغاربة وليس صدقة .
الدولة تعترف إذن بالصوت والصورأن ملايين المغاربة وصلوا إلى الحد الذي لايمكنهم الإستمرار في الحياة بدون مايفرق عليهم من حريرة وخبز وبيض في رمضان لكنهم لم يقولوا لنا من أين سيأكلون طوال الأشهر الأخرى من العام !!! ثم كيف سيذهب ملايين أبناء الفقراء الذين لن يستفيذوا من صدقات الدولة إلى المدرسة .وحتى المستفيدون لن يستمروا فيها إما لأنهم سيطردون بعد سنوات قليلة أو سيحتاجهم آباؤهم في عملية البحث عن كسرة خبز الضرورية للبقاء .
أما المشهد الثالث فيبدو أنه سيكون له مفعول عكسي على مكانة المغرب مع الخارج .فأي دولة ذات سيادة تطلب الصدقات من دول أخرى دون أن تتعرض لكوارث طبيعية ؟أي نظام هذا الذي يستنزف خيرات شعبه في المظاهر والبروتوكولات ثم يطلب الصدقات من الآخرين ؟ستظهر المفارقة العجيبة إذا نظرنا إلى ماوراء أحد المشهدين الأولين .لكي يفرق الملك حريرة وبيض وخبز لايتعدى ثمنه 1000 درهم حين ينتقل إلى منطقة نائية يكلف موكبه ملايين الدراهم عن كل كيلومتر واحد .مآت السيارات الفارهة ,طائرات المراقبة جيش عرمرم من مختلف الأجهزة ,المأكل والمشرب ,تعويضات التنقل للجميع ,توقف الحركة الإقتصادية في الطرقات التي يسلكها الموكب ,توقف الدراسة في المدارس ...
من سيؤدي فاتورة كل هذا العبث ؟ بالطبع جيب المغربي البسيط هو من ستقتطع الضرائب من قوته المتواضع .أما كبار الأغنياء فقد أعفوا من أدائها منذ البداية .أي منطق في الرياضيات سيقبل معادلة من هذا الصنف .للحصول على ألف درهم يجب أن تخسر عليه مليون درهم !!رحمة الله على كل نظريات الإقتصاد !!
في الأخير مايستفاذ من كل هذا أن النظام السياسي في المغرب جعل شعبه بسياسته الرشيدة منذ نصف قرن شعبا من المتسولين باعترافه وهذه خصلة تحسب له .فقد إعترف ضمنيا أن سياسته المنتهجهة منذ مايسمى بالإستقلال كانت فاشلة على جميع المستويات من منظور عموم الشعب الذي إكتوى بها . أما من منظور التحالف الرجعي الحاكم فقد حققت نجاحا باهرا في إذلال هذا الشعب الجبار وإغناء تحالف الخونة واللصوص حد التخمة .
تلكم بعض مجاهيل معادلة من الدرجة الأولي نتيجتها الحتمية الإفلاس...



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن