البسيط والهيئة العليا -14- سيرة

ناس حدهوم أحمد

2008 / 6 / 17

حي للامريم بالبيضاء حي فقير يسكنه من تقطعت بهم السبل . مديرة المدرسة سيدة من عائلة عريقة من أصل فاسي ( السقاط ) سيدة في منتصف العمر تتمتع بقسط
غير قليل من الجمال . مهذبة . أسندت إلي القسم التحضيري للذكور والإناث كان يضم تلامذة كرروا السنة الدراسية لعدم توفرهم على نقط النجاح . كنت أتناوب على
تدريسهم مع معلم أصله من شمال المغرب إسمه الأستاذ - أشندير - . أول شيء قمت به نحو هؤلاء التلاميذ هو محبتهم . والتفاني في خدمتهم ومساعدتهم . وأصبحت أجتهد من أجل تكوينهم إلى أن جعلتهم من أحسن تلاميذ الأقسام التحضيرية على الإطلاق. حولتهم من تلاميذ فاشلين إلى تلاميذ نجباء ناجحين . ورغم هزالة
أجرتي بصفتي معلم مجند فقد خصصت قسطا من هذه الأجرة لمساعدة الأكثر ضعفا منهم . أحببت هؤلاء الأبرياء حبا جما فبادلوني نفس الحب . عرفت ذلك من خلال
ذات صباح تأخرت عن موعد الحضور لعملي بسبب انعدام المواصلات بطريقة مفاجئة فكان علي أن أقطع المسافة مشيا على الأقدام فوصلت متأخرا بربع ساعة أو
أكثر . كل التلاميذ دخلوا أقسامهم إلا تلامذتي فقد كانوا ينتظرون بساحة المدرسة صامتين والحزن يملأ قلوبهم الصغيرة البريئة وما أن ولجت باب المؤسسة ورأوني
مقبلا حتى قفزوا كلهم فرحين مبتهجين بمجيئي محدثين جلبة وضجيجا يعبر عن سرورهم بي . ورأيت مديرة المدرسة تخرج من مكتبها لتتحرى سبب هذا الإنفعال
واستغربت للأمر لأن ذلك لم يحدث مع معلم آخر طوال مشوارها التربوي حسب اعترافها . فاجأني الموقف وانهمرت الدموع من عيني سعادة بما حصل وأنا أقف مع السيدة ملقيا عليها تحية الصباح . ثم قالت لي ( ماالذي يحدث معك أيها الرومانسي الكبير؟ ) دخلت القسم وأحسست أنني مع من يحبني فأديت واجبي بشكل مبالغ فيه
كان لدي تلميذ بدون أب يسمى ( سعيد ) في الغد قدمت لع هدية حداء رياضي . وأخرى ببشرة سوداء أهديتها بذلة بيضاء مدرسية لأنها كانت تلبس واحدة بهتت
وفقدت لونها لأقدميتها . ذاع صيتي لذى بعض أولياء التلاميذ وكان منهم من حضر للثناء علي . أيضا كان لدي تلميذ رغم ما بذلته من مجهود للرفع من مستواه
بقي على حاله وكان يتغيب بكثرة فتم طرده . جاءت والته الأرملة تتوسل إلي كي أعيده للدرس . فلبيت طلبها . شكرتني - وكانت لازالت شابة - قالت لي
( أين ألتقي بك ؟ ) كان هدفها غير بريء وظنت أن الخدمة لابد لها من مقابل . فرفضت هذا النوع من السلوك وصرفتها بأدب دون أن أجرح مشاعرها وكرامتها .
كانت علاقتي بباقي المعلمين علاقة طيبة لكن علاقتي بالصديق - كويندي سالم - الناقد المسرحي حاليا . كانت علاقة خاصة ومتميزة . كنا نحمل فكرا ثوريا منا معا
معجبون بالثائر ( تشيغي فارا ) وكان هو أيضا يحب تلامذته ويجتهد في خدمتهم . وكان معلمو المدرسة يجتمعون أحيانا أثناء أوقات الدرس لشرب المونادا
والدرد شة وكانوا يبعثون في أثرنا لمشاركتهم فكنا نعتذر بدعوى انشغالنا بالدرس وكان هذا الإمتناع عفويا منا لأننا لم نكن قد إتفقنا على ذلك مسبقا .
كنت متحمسا للأفكار الثورية وكانت جولتي في أوربا قد فعلت فعلها في نفسي . وكنت لا أخفي أفكاري عن باقي معلمي المدرسة . وخلال شهر رمضان من تلك السنة
كنت أجتمع بمعلم الفرنسية كان إسمه على ما أظن ( صالح ) وهو من وجدة . كنا نتوارى عن الأنظار بقسم من الأقسام ونتناول وجبتنا وكان كل المعلمين على علم
بذلك لأنني كنت أفتخر بتصرفي ذاك . وكان ( سالم ) لا يشاركنا الأكل لأنه كان يواضب على الصيام رغم أفكاره الثورية . لكنني كنت أحترم شعوره واختياراته .
وقد انتشر خبر تمردي وتفشى .
ذات صباح وأنا داخل القسم أستعد للدرس وبعد تنشيط تلامذتي كي أدخل في الدرس - وكانت هذه طريقتي في التدريس - سمعت طرقا على الباب كدت لا أنتبه له
ودخل سيد عليه علامات الواثق من نفسه أشرت على التلاميذ بالوقوف احتراما . صافحت السيد وقدم لي نفسه كمفتش تربوي حضر ليقوم بعمله . رحبت به . وناولته الكرسي ليجلس عليه . ووضعت بين يديه محاضر دروس اليوم وكان كل شيء لدي منظما وعلى أفضل حال .
كان لدي درس التلاوة لكن السيد المفتش أمرني بأن أدخل في درس القرآن الكريم . وفهمت الرسالة . مسحت درس التلاوة الذي كنت أكتبه قبل دخول التلاميذ للقسم
وكتبت بخط كبير وواضح ( مراجعة في مادة القرآن الكريم ) . ثم توجهت للتلاميذ بوابل من الأسئلة المكثفة بخصوص سور عديدة كنا قد اعتمدناها خلال
شهور خلت . وقمت بمسح للدروس السالفة لأعطيه جوابا على رسالته التي وصلتني بالفعل وعليه أن يفهم الحقيقة .
أردت أن ألمح له بأن أفكاري هي أفكار خاصة بي . أما ما أدرسه لتلامذتي فهو بالضرورة ما حددته الوزارة وليس شيئا آخر. بعد ذلك إقترح علي السيد
المفتش أن أدخل في درس التلاوة . فعدت من جديد لكتابة الدرس الجديد . فقام هو وناب عني في توجيه الأسئلة للتلاميذ فكانوا كلهم عن بكرة أبيهم يرفعون
أياديهم يتهافتون على الأجوبة . أحسست بالإنتشاء والنصر . كان كل التلاميذ في مستوى عالي من الحيوية والنشاط والتجاوب مع السيد المفتش .
في الأخير قادني نحو ركن من أركان القسم بينما دخل التلاميذ في وشوشة خفيفة ساعدتنا على التفرغ للحديث في الموضوع الذي أتى من أجله . ثم وجه إلي هذا السؤال
( كم معلم بهذه المدرسة ؟ ) قلت - كذ ا - قال ( بدون مجاملة أنت أحسن معلم بهذه المؤسسة . ينقصك فقط أن تعدل من طبيعة سلوكك حينها سوف يعانقك
التعليم ويحضنك بكلتا يديه ) شكرته وأثنيت عليه وعلى شهامته وسلم إلي تقريره حول الزيارة فكان تقريرا رائعا ينوه بمقدرتي وكفاءتي بصدد التبليغ وتنشيط
الجو التربوي داخل القسم . وصافحني مودعا .
- يتبع -



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن