السجن هو إصلاح أم تأديب

فدى المصري

2008 / 6 / 10

إن الثواب والعقاب ضروريان في تركيبة المجتمع ؛ إذ تلجأ إليه المؤسسات الاجتماعية المختلفة كسبيل لها لتقويم آدء أفرادها وتعزيز سلوكهم السوي ، ومنع أي سلوك خارج عن القواعد الاجتماعية العامة أو منافي للقواعد والآداب العامة داخل المجتمع الواحد ، إذ نجد أن لكل مجتمعه قواعده وسلوكياته المتعارف عليها وفقا للقيم والعادات والتقاليد الموروثة ، إلا أن ثمة عنصر مشترك بين المجتمعات هو محاربة كل سلوك فردي خارج عن القوانين ، أي كل سلوك إجرامي يتم ممارسته من قبل الأفراد أثناء تبنيها السلوكيات تستهدف التعدي على الآخر ، بشتى الوسائل والطرق الممارسة ، ويكمن القانون هو الحد الفاصل لمعالجة مثل هذه السلوكيات ، وفقا لتطبيق المبادئ والقوانين المرعية الإجراء وذلك حسب نوع الجرم والعقوبة المناسبة له ، وغالبا ً ما يكون السجن هو الأسلوب المعتمد لمعالجة السلوكيات الإجرامية للإنسان داخل المجتمعات كافة . إلا أننا هنا ، نشير هل أن السجن هو تأديب أم إصلاح ؟ أم يخرج المجرم الصغير بإجرام أكبر وأعظم من ذي قبل ، تبعا ً للآداء المعتمد من قبل القائمين على السجون ، وهيكليتها وبنائها ، والإدارة المعتمدة من قبلها . ما هي أنواع السجون المناسبة للحالات الإجرامية وللحالات الإنسانية كافة ؟ وما هو الأسلوب المعتمد من قبل الهيئة الإدارية تجاه المسجون ؟ وهل يكمن تدخل اجتماعي مناسب لتقويم سلوكي لدى المسجون ؟
أولاً تعريف السجن :
إن السجن هو المكان الذي ينفذ فيه العقوبات التي تتخذها المحاكم بحق الإنسان الذي أرتكب جرم ما بحق مجتمعه عبر الخروج عن القواعد القانونية والقواعد الاجتماعية المتعارف عليها ضمن المجتمع الواحد وذلك لحفظ الأمن وحماية الأفراد من أي تعدي عليها وعلى ممتلكاتها في سبيل تنظيم العلاقات بين المواطنين، عبر تطبيق القوانين وحفظ العدالة فيما بينهم ، وعبر تطبيق القوانين القضائية التي اتخذتها بعد تداول القضاة لواقع الجرم واتخاذ قرارها بحق المجرم بالسجن عدد من السنين وفقا لنوع الجرم وطبيعته .
والسجن هو عبارة عن مكان مغلق يتألف من بناء متعدد الأقسام بشكل مغلق تماما ومنعزل عن المجتمع ، حيث يتكون من الغرف المخصصة للإدارة المشرفة عليه ، من عنابر فوق الأرض وتحت الأرض مختلفة المساحة والأحجام، ومن غرف صغيرة مظلمة للحبس الإفرادي التأديبي ، عدا عن المرافق الحيوية للمساجين ، وكذلك يطال أقسام متنوعة ترفيهية حسب نوع السجن ونوع إدارته ؛ وهيكلية نظامه الداخلي ونمط الإدارة ، وطبيعة آداءها تجاه المساجين والخطوات المعتمدة من قبلهم تجاه إعداد سلوك المسجون وتقويمه ، حيث الغاية من هذا المكان هو تقويم سلوك المسجون وتأهيله اجتماعيا وسلوكيا ً ، من فرد متعدي على القوانين إلى فرد سوي يتماثل مع القوانين الاجتماعية المعتمدة داخل مجتمعه.
ثانيا ً واقع السجون في لبنان:
تخضع السجون اللبنانية الحالية لوزارة الداخلية بموجب مرسوم رقم 1431 الصادر بتاريخ 1949 ، في جميع شؤونها : النظام الداخلي ، القيادة ، الحراسة ، الاهتمام بشؤون المساجين . والسجون في لبنان تقسم إلى قسمين : سجون مركزية ، وسجون مناطقية ويبلغ عددها 22 سجنا ً وتبلغ قدرة استيعابها 2000 سجين بينما يبلغ عدد المساجين أكثر من 5000 سجين ، ويبلغ عدد سجناء سجن رومية المركزي وحده أكثر من 3500 سجين ،مع العلم أنه مؤهل لإحتواء 1500 سجين فقط .
من هنا نشير إلى الواقع المزري الذي يطال واقع السجون ، بسبب الظروف السيئة المحيطة بالمساجين ، والكامنة بسبب واقع البناء من جهة ، وطبيعة الإدارة وآداءها ثانيا، في ظل واقع بنائي سي غالبا ما تكون أماكن ضيقة يحشد فيها أضعاف قدرتها على الاستيعاب في ظل أوضاع صحية سيئة وظروف معيشية لا تطاق في كثير من الأحيان لا تطابق مع أبسط شروط الإنسانية وحقوق الإنسان.
مما لا جدال حوله ، أن السجون اللبنانية بحالتها الراهنة ، تنظيماً وواقعاً ، بحاجة لإعادة نظر شاملة وجذرية ، نظراً لحالة التردي التي تعانيها في مختلف المجالات . هذا ما لاحظته ولحظته كل من وزارتي العدل والداخلية ومختلف اللجان والهيئات والجمعيات والمنظمات الحقوقية المعنية ،ابتداءً من لجنة حقوق الإنسان النيابية ونقابة المحامين والجمعية اللبنانية لحقوق الإنسان . . . وصولاً إلى منظمات دولية من بينها المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي . لهذا الغرض جرى عقد العديد من المؤتمرات المحلية والدولية ، وجرت بنتيجتها دراسات وأبحاث لمعالجة الواقع (1)
وتتنوع السجون في لبنان بين معاهد للإصلاح والتأديب موجهة للفئات البشرية القاصرة أي الأحداث ، وسجون مخصصة للنساء ، وسجون مخصصة للمدمنين على المخدرات ، وسجون للرجال ، وسجون مخصصة للمصابون بالأمراض المعدية والسيدا ، عدا عن سجون مخصصة للمساجين السياسيين . ولكن الواقع هذه السجون بسبب ضيقها وضيق مساحتها ، فغالبا ما نجد الأحداث مسجونين مع البالغين ، والمحكوم عليهم بجرم طفيف ، يسجنون مع المحكوم عليهم بالمؤبد ، أي يجتمع المجرم الصغير مع الكبير في نفس الزنزانة ، وهنا نجد آلية التعلم بينهما وبناء أواصر العلاقة فيما بينهما . عدا عن حشود الموقوفين منتظرين الحكم عليهم ؛ عبر أقسام النظارة المختلفة والموزعة على الأراضي اللبنانية.
ومما يزيد من كثرة ازدحام السجون وجود الأعداد الكبيرة من الموقوفين الذين ينتظرون المحاكمة لمددٍ طويلة ، بسبب بطء التقاضي ، وخلافاً لشرعة حقوق الإنسان ، ويقتضي توقيفهم في أماكن خاصة بهم . إن هذا الوضع يشكل انتهاكاً لكرامة المساجين ، وهم أناس اذنبوا فعوقبوا بحكم قضى بسجنهم . لكن في الواقع انه نتيجة هذا الوضع سوف يتعلم المساجين ما نقصهم من اساليب المخالفات والرذيلة بالإضافة الى الحقد الذي سوف يمتلكهم نتيجة الظروف المريرة التي يعيشون فيها . وحقدهم سينصب على المجتمع والدولة وكل ما هو محيط بهم بحيث يتحول البعض منهم الى محترف جرمي ما إن يخرج من السجن حتى يعود ليدخله بجرم اكبر. .إن أي معالجة لوضع السجن والمساجين من منطلق حقوق الإنسان يعني ايضاً بالإضافة للسجناء رجال الأمن والمواطنين نظراً لعلاقة الإرتباط والتلازم بين الفئات المذكورة ، ويفترض بالمعالجة ان تأخذ هذا الأمر بعين الإعتبار . (2)
من هنا ، وبسبب هذا الواقع المزري نجد حالات تمرد مختلفة من قبل المساجين كرد فعل على ما يتلقوه من معاملة سيئة ،ومن بناء أسوء ومن حرمان حق الأدنى للحفظ كرامته وإنسانيته من رعاية غذائية وصحية ونفسية وترفيهية؛ كرد فعل سلبي على واقعه الغير إنساني ، ويعمدون بشتى الوسائل لإحداث هذا التمرد من إضراب عن الطعام إلا إحداث حالات شغب ، إلا عصيان ؛ ونجد أكثر هذه الحالات تأثيرا ً هو في سجن رومية ، وآخرها ما حدث في تاريخ 26 - 4- 2008 ، حيث " أعلن المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي الساعة الثانية من فجر أمس أن التمرّد الذي كان قد بدأه سجناء محكومون الساعة الرابعة من بعد ظهر الأول من أمس في سجن رومية انتهى وأُفرج عن العسكريين السبعة الذين كان المتمردون قد احتجزوهم رهائن. وصدر عن مديرية قوى الأمن بيان جاء فيه شرح أوّلي للشرارة التي أشعلت التمرّد" (3)
ولكن هذا العمل ليس آني وقد تم إخماد شرائره ، ولكن لم يتم معالجة المشكلة من جذورها طالما أن أسباب المشكلة واقعة وممتدة من الظروف السيئة المحيطة بالمساجين إنسانيا وإيوائيا .ويشير بصعوبة معالجة المشكلة بسبب التعطيل في المؤسسات الرسمية أولا ً ، ولعدم توفر القدرة المالية من رصد الأموال الازمة لتنفيذ مثل هذه المشاريع التي تستهدف إصلاح السجون وواقعها .
من هنا يجب أن يتم إعداد آلية علاجية لمعالجة الواقع ، وتغير الظروف السيئ لدى السجن والمساجين ، وذلك عبر تبني الإجراءات اللازمة ، لتخطي الظروف وواقع المساجين من حيث البناء ، وأقسامه ؛ وطريقة المعاملة ، والنظام الداخلي ، وبرامج التدخل الاجتماعي ، وبرامج تنموية لتمكين السجين من مهنة معينة تعينه اجتماعيا بعد انتهاء مدة فترة الحكم عليه ؛ وكل ذلك يتطلب رصد الأموال اللازمة ، لإعادة إحياء هذا الواقع .
ثالثا التدخل الاجتماعي داخل السجن
المقصود بالتدخل الاجتماعي هو عبارة عن دور الناشط الاجتماعي والأخصائي النفسي الفاعل داخل السجن ؛عبر إجراءات وسلوكيات موجهة إلى المسجون نفسه ،عبر تحضير المحكوم بشكل تدريجي لتقبل واقع السجن ذاتيا ً ،من ثم تأهيله وتنميته بشكل تدريجي لإعادة انخراطه في المجتمع من خلال تنمية قدراته الذاتية فكريا ونفسيا ومهنيا وعاطفيا وجسديا، عبر إحداث تغيير نوعي في سلوكه وإحياء مبادئ القيمية المتعارف عليها في وسطه الاجتماعي المحلي المباشر ، وإكسابه مهارات نافعة له ولمجتمعه ، عبر تأمين تواصله بالمجتمع الخارجي وتهيئته ليوم تسريحه ، وهذا يتم عبر دور منظم للتدخل الاجتماعي من خلال التعاون مع الجهات التالية:
مع السجين نفسه ، مع عائلة السجين ، مع الهيأة الإدارية من ضباط ومسؤولين القائمة على السجن ، مع الإطار البشري والعمال المتواجدين في هذا السجن ، مع المؤسسات الاجتماعية والهيئات الإنسانية ، مع المجتمع ككل .
ولا بد من تهيئة المحكوم نفسيا ومهنيا وذهنيا لاندماجه في المجتمع عبر تعزيز رأي عام بشري تجاه المسجون ؛وذلك عبر إعادة استيعابه كعنصر ناشط قويم في مجتمعه، وذلك من خلال البرامج التنموية التي تعتمد داخل السجن ، من خلال برامج محو الأمية ، برامج تعزز الهوايات لديه من مطالعة موسيقى ؛ رسم، برامج حرفية ويدوية تعزز لديه مهنة ما يمكن أن يعتمدها بعد خروجه من السجن ،مع العلم أن أفضل وسيلة لمكافحة الإجرام هو الوقاية منه عبر نشر وتعزيز السلوك الجيد وتلبية مطالب الأفراد من معيشة و خدمات ومستلزمات مادية تغني عن لجوئهم للسلوك الملتوي أو لسلوك الإجرام ؛ كون المجرم هو أبن مجتمعه ؛ أي يولد الإنسان من نفس خيرة ؛ من ثم يحدث في المجتمع العوامل المتعددة من اضطهاد وظلم و تدني مستوى المعيشي ، وإفقار وتجويع عبر سياسات دكتاتورية ، فتشكل عنصر ضاغط نفسي واجتماعي مما يدفع الإنسان إلى ارتكاب جرم ما .

في النهاية في ظل هذا الواقع المتردي فإن السجن هل هو إصلاح وقويم أم تفعيل الفعل الإجرامي لدى المساجين ؛ حيث انم هناك إشارات بأن المجرم الصغير يصبح مجرم كبير بعد انقضاء محكوميته .فهل هذا هو إنعكاس للواقع المزري في السجون أم ماذا؟..........................

1-http://www.aldhom.org/dirasat/prison.htm
2-المرجع أعلاه
3- http://www.al-akhbar.com/ar/node/71782



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن