ثرثرة حول الأديان

نادر قريط
n.kraitt@yahoo.de

2008 / 6 / 1

في البدء كانت دعابة ( مزحة)
بهذه الجملة، افتتح الإيطالي فرنسيسكو كاروتا كتابه المثير للجدل ( هل كان يسوع قيصرا؟ صدر عام 1999م)، ومن البديهي أن تكون هذه الدعابة إشارة لمطلع إنجيل يوحنا ( في البدء كان الكلمة ) وعلى مايبدو فإن بداية المسيحية لكاروتا قامت على مزحة، أو سوء فهم. فالمسيح بالنسبة له شخصية شبحية وهمية، نشأت بإزاحة مكانية لقصة يوليوس قيصر الأمبراطور المعروف. وعبر خمسمائة صفحة يحاول كاروتا أن يعقد مقاربات ومقارنات بين سيرة القيصر الروماني ( قُتل حوالي 30ق.م ) كما إستقاها من شذرات كتاب مفقود، للكاتب الروماني غاسيوس آبوليو الذي عاصر الحدث، أو كما وردت في كتاب تاريخ الرومان للمؤرخ الإسكندري آبيان ( القرن الثاني م). أو من خلال بحثه عن طقوس عبادات المتأله ( نصف إله ) ديفوس يوليوس كأساس لجوهر المسيحية، وأيضا من خلال تعرضه لفكرة القيامة ( بالإغريقية: آبوتيوس) بإعتبارها جزء من التصورات الميثولوجية اليونانية، التي كرست فكرة صعود العظماء والأبطال إلى السماء، وفكرة الصعود هذه تظهر جلية في معظم أعمال الكوميديا الإغريقية، التي تنتهي عادة بأبطال يرتفعون نحو سماء الألهة كما في: طيور أرستوفان وغيرها. ويُلاحظ تأثيرها بقوة على الفنون التشكيلية في عصر النهضة الأوروبي. أما الشق الثاني فهو دراسته لحياة المسيح وصلبه كما ورد في إنجيل مرقس. وخلاصة القول يرى الكاتب بأن إنجيل مرقس اليوناني، كُتب بداية الأمر باللاتينية كقصة أو سيرة تحكي حياة ومقتل يوليوس قيصر، ثم إنتقلت القصة إلى المستعمرات الهلينية( سورية) لتصبح هناك ميثولوجيا فلسطينية، ترتدي ثوبا قصصيا جديدا، سببه ركاكة الترجمة أحيانا، أو سوء الفهم الذي وقع به بعض حاضري مراسيم تشييع القيصر، من أجانب المستعمرات. صحيح أن الكتاب تم رفضه في الأوساط الأكاديمية، لكنه أثار ضجة إعلامية، والأهم أنه ترك تعاطفا من القراء، الذين سحرهم أسلوب كاروتا الممتع وفكاهته الذكية، وقدرته على إثارة دهشة القارئ، ورسم الإبتسامة على محياه.
في الحقيقة، هذا الكتاب لايهمني كثيرا ( شخصيا قرأت عنه بعض الملخصات ) إنما أردت أن ألج من خلاله إلى فضائنا اللغوي والثقافي، فكاروتا هذا مازال يعيش ويكتب في فرايبورغ الألمانية، وكان قد ترترع على مرمى حجر من الفاتيكان مركز السلطة والأبهة المسيحية، ومازال يحظى بالتقدير والإعجاب والإحترام. فتخيّلوا لو أن كاتبا في مملكة آل سعود، راودته نفسه وكتب عن مزحة إسلامية مشابهة، سيما وأن التاريخ الإسلامي هو الآخر قد دثر( غطّى) قصته منذ أن قال محمد لخديجة دثروني دثروني؟ ( أعتذر عن زلة اللسان هذه) فالتراث الديني عموما لايقبل المزاح، بل يحبذ الجدية والتجهم والوجوه الساخطة التي يتطاير من عيونها الشرر وهو يشبه وجوه السيّافين في المملكة الوهابية، وما المقارنة في هذا السياق إلا ضرب من العبث والسخف، لهذا سأتوقف عن الكتابة في هذا الشأن وسأكتفي ببعض التأتأة والفأفأة ( فقد أخبرتكم سلفا بأن المقالة ثرثرة لا أكثر )
الألماني غوندولف يرى أن التاريخ برمته عبارة عن نسيج من خيوط سائبة تم جمعها كيفما إتفق، أو صدى بعيد لأحداث ضبابية غائبة، ويرى أن نواته المركزية تشكلت بفعل روح الفخر والخطابة والشعر، فهو بأحسن حالاته لايعتبر تسجيلا لأحداث حقيقية، ويلخص نظرته بمقولة ذهبية مفادها أن : أبطال التاريخ لم يكونوا أبطالا ( في زمنهم )، بل أصبحوا كذلك( فيما بعد). أتذكر هذه الكلمات وأتخيل كم من الوقت والمداد والقرطاس بعثر الكتاب، وهم يدبجون كتبهم التي تناولت المقدس. آلاف من الكتب والمصنفات، تملأ رفوف المكتبات، وتسمى (علوم الكتاب المقدس)، وآلاف أخرى مازالت تتجول بين صفحات القرآن، والسنة الإسلامية جيئة وذهابا. والسؤال الساذج الذي يتبادر للذهن لماذا!! الإجابة عسيرة، لأنها مزيج معقد يختصر وجودنا وكينونتنا، كحيوات تاريخية، وُلدت داخل رحم اللغة وتغذت من مشيمتها وتصوراتها ورموزها ومنظومة قيمها السائدة، فما نسميه ( ذاتا فردية ) هو وجود مشروط بالمخيال الجمعي و مكنونات الوعي التاريخي، وكل ذلك يُولّد الطاقة التي تدع المسلم يثور عندما يتناهى إلى سمعه خبر رسوم كاريكاتورية، تنال من مقدسه، وهي الطاقة التي تدع اليهودي يحفر أرض فلسطين بحثا عن قطعة فخار، أو حجر ينسبه إلى الهيكل الثاني، أو حائط البراق ( جدار هيرودس) ، ولنفس السبب يقف اليوناني الأرثودوكسي، أمام آيا صوفيا في إستنابول محمر العينين، تخنقه الغصة والحسرة، ويبكي العربي المسلم وهو في أحضان ساحة الأسود بحمراء غرناطة أو بين غابة أعمدة (موسكيتا ) قرطبة .. أي سحر ذلك الذي يربطنا بالتاريخ! ما شأنك إن كان عمر عادلا أو ظالما ( قلت لصاحبي ) وما أهمية أن يكون بولس رسولا مبشرا، أو أن يكون نفسه ساولوس الروماني النبطي (المصاب بنوبات صرع حادة) وما المشكلة إذا كان عليّ بطلا حكيما ( نهجه البلاغة ) أو طائشا متهورا ( خسر رهانه أمام الأمويين، وخُلع كخاتم أبي موسى الأشعري ) إن حضورنا الممسرح على خشبة الحياة يجبرنا غالبا على إصطناع الإحترام والتقديس، فعلي ( شئت أم أبيت ) ترك مأثورا من الحكمة والشجاعة والزهد؟ وهل ننسى سؤاله عن جاره اليهودي، الذي أقعده المرض، بعد أن إعتاد يوميا على رمي زبالته أمام بيت الإمام. ليس مهما أن يكون ماجرى قد جرى حقا، الأهم أننا نملك القصة التي تطوف على ألسن الناس.. التاريخ يا صاحبي هو محمول رمزي على الورق، يقتات من مداد الحبر وزخرف الكلام وخيال القصاصين. وإذا كنتم مهتمين بمعرفة الحقيقة، فلن تجدوها، لأنها تشبه صاحبي هذا الذي أحدثكم عنه. فسواء كان وجوده حقيقة، أو كان شبحا يفترش أزقة الحكاية، فالأمر سيان، ولن يتغير الحال .. صديقي هذا هو أحد المؤمنين الطيبين وبالطبع لم يستسغ حديثي قال:
لقد أوتينا الكتاب، وأمرنا بنصرة الله ورفع راية الإسلام وإقامة الحدود والفروض والشعائر. قلت بداخلي : مسكين أنت ومسكين ذلك الإله التي ينتظر نصرتك، وكيف تنصره وأنت لا تستطيع فكّ رجل دجاجة؟ وماذا تجني إذا إرتفعت راية الإسلام ؟ المهم يا صاحبي أن لا ترتفع أسعار الخبز!!
إيه أيها الخبز، بك وحدك أحيا ( مع قليل من الحماقة ) .. أجل أقولها لأني غارق بها حتى الثمالة. أوليس الإنشغال بتاريخ الأديان تواطؤا ضمنيا معها؟ ومشاركة لإثبات أن الحياة متوالية هندسية من الغباء .. أوليست تلك المجلدات الكثيرة، أشبه بموسوعة ( إنسكلوبيديا ) كرسها كتابها لدراسة (أغنية الواوا) .. كيف يمكن للبشرية أن تظل أسيرة لإثني عشر سبطا بدويا نصّبوا أنفسهم أوصياء على التاريخ، وكيف التهم الأذكياء هذه الوجبة العسيرة الهضم ؟
إن إثبات قيمة وأهمية حدث ما يحتاج على ما يبدو إلى كتابات نقيضة، وشهادات يسطرها الأعداء قبل الأصدقاء، هذا ما إكتشفته الكنيسة الأوروبية في القرون الوسيطة، فالأيمان لاتكفيه الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل، فإختلقت كتابات الهراطقة، وتحوّلت أديرة مثل ( مونت كازينو في وسط إيطاليا )إلى مراكز لتزوير التاريخ، (هل تعلمون أن أول مطبعة إستخدمها الفاتيكان في القرن الخامس عشر كانت تطبع بحروف عربية ؟؟لماذا ياترى؟ )في الحقيقة لا أملك إجابة شافية، لكن المعلوم أن الكنيسة الناشئة كانت بحاجة لشهادات الهراطقة وبحاجة إلى الإناجيل المنحولة ( برنابا وغيره) وإلى إختراع لغة وأبجدية في أرض القرم النائية، لتثبت حقيقة وأصالة إحدى مخطوطات الإنجيل (الفولغاتا) فعندما تملك شهادة من خصومك فأنت موجود ( أنا أكذب أنا موجود) الإسلام بدوره ضرب حول نفسه عزلة ( دار الإسلام) واكتفى بما غنمه من جواري وقيان وحسان!! لكن هل يُعقل أن أوروبا لم تشعر بهذا الإسلام ولم تكتب عنه إلا في القرن العاشر تقريبا، أي بعد ثلاثة قرون من حصاره الأول للقسطنطينية، أيام معاوية، إذا تجاوزنا طبعا بعض الكتابات القليلة التي نسبت ليوحنا الدمشقي وغيره؟؟ لماذا ظل الإسلام شبه مجهول في الغرب لحين إندلاع الحروب الصليبية عام1096م .. العلامة غونتر لولينغ يرد سبب العزلة إلى خشية الخلفاء المسلمين المبكرين من التراث الكتابي المسيحي ومن سطوة الفلسفة الرواقية، التي كانت سلاح الكنيسة الإمبراطورية الرومانية المقدسة ؟
أتذكر عندما إندلعت حرب حزيران 1967 حينها كانت دار الضيافة لجدّي، تغص بأقرانه من الفلاحين الأميين، الذين كانوا يدخنون بشراهة، وينصتون إلى المذياع بتحفز وعصبية، وأتذكر دوي قذائف المدافع، في هضبة الجولان المتاخمة لبلدتنا. حينها قال جدي: يا جماعة سوف نُهزم؟ أمتعض الرجال، من هذه النبوءة السوداء، رغم تقديرهم له فهو يجيد القراءة وعادة ما كان يسليهم بقصص وحكايا الكتب . أضاف : سوف يُهزم العرب لأنهم لم يقرأوا التوراة؟؟
بعد يومين عاد أحد أقاربي من الجبهة مع نفر من الجنود الهاربين، سيرا على الأقدام. كانت أرجلهم متورمة، وأحذيتهم متشققة وذات رائحة كريهة تزكم الأنوف. علق جدي: قلت لكم كل من لايقرأ التوراة حمار ؟ لهذا السبب ومحاولة للخروج من الحمرنة التاريخية، أخذت بنصيحته، وعكفت على بعض النصوص والترجمات الحديثة في البحوث التوراتية والإطلاع على آخر مستجدات التنقبب الأركيولوجي في أرض فلسطين، إضافة إلى أطروحات ودراسات عديدة لمدرسة النقد التاريخي( أعمل على نشرها قريبا) . فالتوراة ( أو العهد القديم ، أو الكتاب العبراني، أو السبعينية ) هي برأيي المتواضع، من أكثر الكتب تأثيرا في التاريخ البشري، ومن أكثر النصوص الأدبية عبقرية. ( يكفي أن المسلمين مازالوا يشتمون الأخ (فرعون) ويشمتون بغرقه ، ويهللون لموسى، رغم أنه إحتل أرضهم وشردهم، وأقام الجدار وأغلق معابرغزة) عام 1615م إضطر غاليليه المسيحي أن يقف أمام محاكم التفتيش متهما بالهرطقة، حيث واجهه الراهب توماسو كاسيني بسفر يوشع ( من العهد القديم ) الذي يقول بأن الله أوقف الشمس في كبد السماء، وهذا يعني أن الشمس هي التي تدور حول الأرض، وبهذا الدليل الدامغ فإن موديل غاليليه الفلكي كفر بواح؟ وبنفس الطريقة زمجر مارتن لوثر بوجه كوبرنيكوس قائلا: إسمع يا هذا إن يوشع أمر الشمس أن تقف في كبد السماء، إذن هي التي تدور!!(عام 1978م وبعد قرون من النوم والشخير، حاول العالم الإسلامي الإستيقاظ فإذ به يرى فتوى الوهابي إبن الباز، التي تحرّم القول بكروية الأرض!!فعاد وغط في نومه ثانية، ومازال يشخر للآن رغم كل الضجيج حوله وتكسير البورسلان على رأسه )
أخيرا وبعد هذه الثرثرة، لابد للمرء أن يقر بأهمية أسئلة الوجود الميتافيزيقية وبكونها صنوا ملازما لتاريخ الوعي فالتصورات الدينية، ذات بعد انطولوجي يضرب عميقا في أسس وجودنا الواعي.. هذا على الأقل ما أثبتته دراسات الجملة العصبية مؤخرا، التي إكتشفت علاقة بين الموجات الكهرمغناطيسية ونشاط المخ الأوسط، الذي يبدو وكأنه المسؤول فعلا عن تغذية التصورات والرؤى والإنفعالات الدينية والتجليات الصوفية والهلوسات والأراجيف ونوبات الصرع



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن