عزمي بشارة يعرج الى السعودية

سامية ناصر خطيب
samian@maan.org.il

2002 / 5 / 19



ما يميز آراء بشارة ليس افتقارها للعمود الفقري فحسب، بل تضمنها للشيء ونقيضه في آن معاً. فحرصا منه على ارضاء جميع الاطراف تراه ينتقد الانظمة العربية ثم يمتدح المبادرة السعودية. ويهاجم السلطة ويعتبر عرفات حاجزا امام اسرائيل، ويطالب في القرداحة بتوسيع حيز المقاومة، ثم يكتب ان الانتفاضة تفتقد القيادة وتحتاج الى استراتيجية جديدة، دون تحديدها.



سامية ناصر خطيب



في محاولة لتحليل الانتفاضة الفلسطينية وتداعياتها نشر النائب عزمي بشارة عدة مقالات باللغة العربية في صحيفة "الحياة" اللندنية وبالانجليزية في "الاهرام ويكلي" المصرية. كما اجريت له مقابلات في عدة محطات تلفزيونية، كان اهمها اللقاء في محطة ابو ظبي.

ما يميز آراء بشارة ليس افتقارها للعمود الفقري فحسب، بل تضمنها للشيء ونقيضه في آن معاً. فحرصا منه على ارضاء جميع الاطراف تراه ينتقد الانظمة العربية ثم يمتدح المبادرة السعودية. ويهاجم السلطة ويعتبر عرفات حاجزا امام اسرائيل، ويطالب في القرداحة بتوسيع حيز المقاومة، ثم يكتب ان الانتفاضة تفتقد القيادة وتحتاج الى استراتيجية جديدة، دون تحديدها.

بقدرة قادر ينقل بشارة ولاءه من سيد الى سيد جديد. فالنائب الذي يمتدح الآن المبادرة السعودية-الامريكية كطريق لحل القضية الفلسطينية، هو نفسه من جلس في القرداحة في سورية بين حسن نصر الله واحمد جبريل في حزيران 2001 في الذكرى السنوية الاولى لرحيل حافظ الاسد، مطالبا بتوسيع حيز المقاومة ضد اسرائيل، مادحاً بذلك نموذج حزب الله، وجالبا على نفسه رفع الحصانة عنه ومحاكمته.

بشارة هو نفس الشخص الذي اعلن معارضته لاتفاق اوسلو، ثم عاد وصوت على اعادة الانتشار في الخليل الذي كرّس الاستيطان في قلب المدينة بتوقيع رئيس حكومة الليكود، بنيامين نتانياهو. وهو نفس الشخص الذي تنازل عن ترشيح نفسه لرئاسة الحكومة كيلا يضر باحتمالات فوز براك في انتخابات 98.



الموقف من الانتفاضة
في مستهل مقالة في الاهرام (17/4) يكتب بشارة: "ان المقاومة الفلسطينية تفتقد القيادة الموحدة القادرة على صياغة التكتيك المطلوب لتحقيق اهدافها السياسية… على المقاومة ان تخدم استراتيجية سياسية موحدة، وعليها ايضا ان تكون واضحة وان تأتي في التوقيت المناسب… على حركات المقاومة السعي لتوفير قوتها لنضال طويل الامد. هذا النضال يجب ان يكلف القوة المحتلة، اسرائيل، غاليا". وينادي بشارة الفلسطينيين لخلق "اطار لمواصلة المقاومة وتحديد استراتيجية سياسية. يجب ان يكون بايديهم برنامج سياسي واضح يقترحوه على اسرائيل والمجتمع الدولي".

ما هي هذه الاستراتيجية الصحيحة؟ لبشارة نفسه لا توجد اقتراحات. وما هو موقفه من القيادة الحالية للانتفاضة التي تفتقد، في رأيه، الرؤية والبرنامج المنشود؟ هل يجب خلق بديل لها؟ هذا السؤال يبقى ايضا دون جواب واضح. النصيحة الملموسة الوحيدة التي يملك بشارة اسعافنا بها "ان هذا البرنامج يجب الا يتناقض مع المبادرة السعودية التي تبنتها قمة بيروت".

المبادرة السعودية بالنسبة له افضل فرصة مطروحة نحو الحل. وفي هذا تناقض كبير مع دعوته الشعب الفلسطيني لمواصلة الانتفاضة والنضال. فدور المبادرة السعودية الامريكية تهدئة الامور وانهاء المقاومة واي شكل من اشكال النضال. المفارقة ان المبادرة السعودية تسدد ضربة قاصمة لسورية، اذ تحصر النزاع في القضية الفلسطينية ولا تتطرق لقضية الجولان السوري. غريب ان يأتي هذا الدعم من بشارة الذي يدعم في نفس الوقت نظام بشار الاسد.

ان مطالبة النائب بان يأخذ تكتيك المقاومة بالحسبان كل المعطيات الدولية وميزان القوى الدولي، لا تنسجم تماما مع خطابه في القرداحة الذي نادى فيه للمقاومة، ودعم بذلك المناخ العام الذي ايد عمليات التنظيم وحماس والجهاد الاسلامي، التي ادعت تقليد حزب الله، وجرت بقصر نظرها الشعب الفلسطيني لصدام غير متوازن مع اسرائيل، دون ان تقيم أي وزن لموازين القوى، فجلبت على نفسها الهزيمة وعلى شعبها المزيد من الدمار.



عن السلطة الفلسطينية
في مقالة اخرى نشرتها "الحياة" اللندنية التابعة للسعودية (10/2) بعنوان "بين راعي البقر وراعي الغنم - كي لا نتحول الى قطيع" يوجه بشارة نقدا شديد اللهجة للسلطة ومؤسساتها اذ يقول: "لقد عجزت السلطة الوطنية الفلسطينية عن التحول الى دولة تحكمها سيادة القانون نحو الداخل، الوجه الآخر للسيادة الوطنية نحو الخارج، بحيث يقوم نظامها القانوني الذي ينظم العلاقة بين الفرد والسلطة على اساس مبدأ المواطنة".

وفي مقاله بالاهرام (17/4) يجزم بان عرفات وسلطته فقدا السيطرة على الشارع الفلسطيني. ولكنه، بجرة القلم نفسه، يقول ان عرفات هو الحاجز الرئيسي داخل السلطة في وجه الاملاءات الاسرائيلية. أي الموقفين هو موقف بشارة من عرفات؟

هل عرفات حاجز فعلا امام اسرائيل؟ نستغرب هذه المقولة من النائب الذي انتقد اتفاق اوسلو الذي وقع عليه عرفات، رغم انه لا يلبي الحد الادنى من طموحات الشعب الفلسطيني. بموجب هذا الاتفاق دخل عرفات فلسطين، واصبح رئيس سلطة وضيفا محترما في البيت الابيض، ولذلك قام بقمع أي معارضة له في الداخل، خاصة في صفوف حماس والجهاد. هذا هو الدور الذي تحدد له في اوسلو.

نظرية الحاجز امام اسرائيل نابعة من فقدان عرفات القدرة على القيام بدوره الامني. الغضب الذي جرف الشارع الفلسطيني تعبيرا عن عميق استيائه مما جرّه عليه اتفاق اوسلو، اخلّ بتوازن السلطة واقعدها عن امكانية وقف الانتفاضة. واضطرها هذا الوضع من جهة لتبني الانتفاضة حفاظا على نفسها من غضب الناس، ومن جهة اخرى لجأت لاستنكار العمليات الانتحارية لتجنب غضب اسرائيل. الا ان هذه الازدواجية جعلت عرفات عنصرا غير مفيد لاسرائيل بعد ان ثبت عجزه عن مواجهة شعبه وقمعه حماية لامنها.

باستخلاصه العبر من انتقاد السلطة، لا يصل بشارة الى ضرورة تبديل السلطة بل يرى الحل ضمن اطارها، الامر الذي يفرغ انتقاداته من أي مضمون حقيقي.



المبادرة السعودية
في مقاله في الاهرام يكرر بشارة تحليل الكثير من الصحافيين العرب الذين رأوا ان الاجتياح الاسرائيلي جاء ردا على المبادرة السعودية التي تبنتها الدول العربية في قمة بيروت في آذار (مارس) 2002. ولكن الحقيقة ان هذه المبادرة التي تطرح مؤتمرا دوليا او اقليميا لحل القضية الفلسطينية مقابل التطبيع مع اسرائيل، لا تتعارض مع اقتراح رئيس الحكومة الاسرائيلية، اريئل شارون، نفسه لعقد مؤتمر اقليمي.

في مقالته لصحيفة الحياة (13/3) بعنوان "حول الافكار السعودية" يقول: "تكمن ايجابية التحرك السياسي السعودي في هذا الظرف في انه يتجرأ على تجاوز افكار تينت–ميتشل". ويضيف: "تبقى المهمة الاساسية امام مؤتمر القمة ايجاد السبل العملية لدعم الانتفاضة وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني. وهذا هو الاساس. ويتم تبني الافكار السعودية عربيا بقدر ما تساهم بذلك على المستوى السياسي الدبلوماسي وعلى مستوى تغطية خيار المقاومة سياسيا".

ان وصف بشارة المبادرة السعودية بالجرأة على تجاوز خطة تينيت-ميتشل، فيه تمويه لحقيقة ان هذه الخطط جاءت اصلا للضغط على عرفات لقمع الانتفاضة كمقدمة للتفاوض. ولكن بما ان عرفات عجز عن تنفيذ هذه الخطط لتعارضها مع الطموحات السياسية للشعب، فقد جاء القرار الاسرائيلي بتقويض السلطة كخيار استراتيجي، بعد ان استنفذت كل الخيارات الاخرى. لقد سقطت خطتي ميتشل وتينيت بفعل الاحداث على ارض الواقع.

تحية المبادرة السعودية ودعم المقاومة في آن تبدو غريبة، لان المبادرة جاءت اصلا بطلب من الرئيس الامريكي، جورج بوش، بهدف اجهاض الانتفاضة وتهيئة الظروف لشن الهجوم على صدام حسين. السعودية تتجند للعملية الامريكية ضد العراق نظاما وشعبا، وبشارة يسارع للتأييد.



اين البديل
نبدأ من الحقيقة التاريخية التي تقول انه لا خير يرتجى من امريكا الامبريالية او من شريكاتها من الانظمة العربية الرجعية وبضمنها سلطة عرفات. ان الحلول التي تطرحها امريكا لا يمكن الا ان تخدم حليفتها اسرائيل لضمان تفوقها العسكري والاقتصادي على باقي دول المنطقة حفاظا على النفط الذي توظف عائداته في امريكا نفسها.

يستهتر بشارة نفسه بالانظمة العربية التي تواجه "العواطف الجياشة في مظاهرات الشارع العربي تضامنا مع الشعب الفلسطيني، ودعوة بعض القادة العرب لفتح الحدود مع اسرائيل من الدول المتاخمة لها للاستشهاد في فلسطين"، ويقول: "ان النداءات الرنانة من اجل المستحيل هو الوجه الآخر للعجز وكلاهما يمنعان تحقيق الممكن". (الاهرام)

ان بشارة نفسه هو جزء من هذا العجز. فهو يتميز عن باقي النواب والمحللين العرب بانتقاداته الكثيرة مرة لاتفاق اوسلو ومرة لسلطة عرفات ومرة للانظمة العربية. ولكن ما قيمة هذه الانتقادات اذا لم يستخلص العبر من كلامه وواصل بافعاله تأييد اوسلو والانظمة العربية وتحديدا النظام السوري وسلطة عرفات والمبادرات السعودية الرجعية؟

عندما لا ترتكز الانتقادات على عمود فقري يهدف لبدء صياغة برنامج بديل، فان دورها يقتصر على ان تمهد الطريق للقبول بالحلول التقليدية للانظمة العربية وامريكا، وتصب في نهاية المطاف بسياسة الامر الواقع التي اوصلتنا للوضع الذي لم يسعفنا بشارة في كيفية الخروج منه.

Al sabar 152 May 2002



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن