ريم00 امرأة فلسطينية

أشرف بيدس

2008 / 6 / 1

لأنها حالة استثنائية في زمن اعتيادي 00
ولأنها نغمة حالمة في زمن صاخب
ولأنها تمسك بيدها جمر الحقيقة في زمن التقاليع
ولأنها00 ولأنها 00 ولأنها
ستظل «ريم» خارج التصنيف المنطقي والقواعد المتعارف عليها، فهي في حاجة إلي معايير جديدة خاصة بها وبتفردها وبما تملكه من مقومات فاقت المطروح00 وقفزت علي كل ما هو مأمول00
«ما أسعد الأمهات اللواتي يسبقن أولادهن إلي القبور، وما أشقي الأمهات اللواتي يسبقهن أولادهن إليها، وأشقي منهن تلك الأم المسكينة التي تدب إلي الموت دبيبا وهي لا تعلم هل تركت ولدها وراءها، أو أنها ستجده أمامها»0
(المنفلوطي)
الأسطورة هي الشيء المحال00 غير القابل حدوثه أو فعله00 أو حتي تصديقه، لكن «ريم» الأغنية الفلسطينية العذبة حطمت كل القيود المفروضة، وكتبت علي جدار الحقيقة القصيدة الباقية في دواوين شعرنا 00 وسطرت سطورا خالدة ستبقي تاجا علي رءوس كل النساء00
فأقرانها في أوطان عدة مازلن يحلمن بثوب الزفاف، وبفارس الأحلام الذي سيخطفهن علي حصان أبيض00
أبت «ريم» أن تكون كلمة في جمل منسية لا تحمل معني أو قيمة00 وأعلنت عصيانها علي المفردات السفيهة00 وكتبت بنفسها شهادة ميلادها وتألقها00ولم ترض أن تكون رقما في أعداد مجهولة00 بوجه مريمي يحمل دفء وطمأنينة الدنيا واجهت شلالات الغضب وهيستيريا العنف 00 وأتسعت عيناها الدائرية السوداء فبدا الإنسان والأرض والحياة في خطوط متوازية ومتشابكة 00 لا تقبل الانفصال أو التباعد00 فالتصقت وانصهرت وتوحدت مع المكان00
احتضنت الأمل وسقت بذور الحلم من دموعها وفقدان أطفالها وشقائهم 00 ما أفدح الثمن في الزمن الفقير00
تكحلت بتراب الأرض وتزينت بطينها، وحنت يديها بدمائها00 تركت أطفالها ومضت في رحلة حب الوطن00 لتنفجر وتتناثر في وجه الظلم00 أطلقت صرخاتها الأخيرة لتفزع الوجوه المتحفزة والقابضة علي المدافع تلتهم الأعمار والأحلام00
تركت أطفالها ومضت دون رجعة00 ذهبت إلي الموت دون وداع أو بعض الكلمات القليلة التي ربما تكون عوضا عن أيام الفراق00 أو حتي أدامة النظر لوجوه أطفالها00
ينتظر الأطفال أمهاتهم00 فلا تعدن 00 يدوم الانتظار 00 وتدوم معه عذاباته00يمر عام وراء عام 00 ومازال الغائب لا يعود00
فمن سيوقظ الأطفال في الصباح00 ويعد لهم الفطور والشاي؟!
ومن سيمشط للصبايا شعورهن ويضفر أحلامهن بالشرائط الحريرية؟
وإذا تشاجروا مع رفاق الطريق وتعاركوا فلمن يشكون الحكايات؟
ومن سيخفف عنهم عناء الأيام ووحشتها؟ ويهنهنهم إذا ما زارتهم الكوابيس ليلا وأقلقت نومهم00
ليسوا محبطين أو منكسرين، لكنهم مؤمنون صابرون متيقنون 00 تطول الأيام وتصحب معها الحسرة والحرمان والحاجة والخوف00 وتجرجر معها بقايا العمر00
يا أبنائي
إذا صحوتم يوما ولم تجدوني بجانبكم00 فلا تفزعوا ولا تخشوا شيئا 00 واقرأوا الفاتحة وترحموا علي00 فأنا في السماء انتظر لقاءكم00 فأقدارنا يا أحبائي أن نتساقط كحبات الياسمين لنطوق الوطن بالرياحين، من تأتي ساعته سيمضي 00 لم أترككم ولم أفرط فيكم00 بل ذهبت لأجلب لكم الحرية، وهي أبقي من كسرات الخبز وثمار الفاكهة00 لا ترتعدوا وتماسكوا، فما عهدت فيكم الخوف 00 وناموا ملء العين فغد يوم طويل00 وإذا عم البيت الصمت وزالت عنه الضحكات التي كنا نطلقها يمينا ويسارا00 فلا تبتأسوا فغد مشرق وجميل00 ستتفتح الزهور في عيونكم00
« أمي الحبيبة
لك مني مئتا قبلة
ابعثها00 من بيتنا العالي علي التله
0000
والبيدر الضاحك من دغدغة الغلة
في نصبه الزيتون والسدرة، والملة
والموقد الصائم00 والعيدان00 والحلة
من كرمة00 في كل صيف تملأ السلة
وتوتة شامية00 بيضاء، معتلة
وهاجس : يسألني00 عن آخر الليلة
توفيق زياد»
لا تحزنوا إذا رأيتم الأطفال يلقون بأنفسهم في أحضان أمهاتهن00 فحضن وطنكم مازال يتسع لكل أطفال الدنيا وهو أرحم وأحن وأكثر دفئا 00
وعندما تحضرون لقبري00 استحلفكم ألا تبكوا 00 وقصوا علي أيامكم 00 فأنا لم أمت00 رغم الجرح الغائر في قلبي00 لم أمت00 رغم دمي المخضب به الأرض00 لم أمت00 رغم أشلائي المتناثرة 00لم أمت00 رغم غيابي عنكم وفقدانكم لي00 لم أمت 00 تذكروا جيدا أنني لم أمت00
زرعنا ما بين ثنايا الصخر القمح، ورويناه وحصدناه وطحناه وخبزناه وأكلناه، ولم نقبل أن نقف في طوابير الجوعي وعلي قوائم المشردين0
علمتكم أن الطيور لا تطير بغير جناحين، وأن الأرض لكي تنبت لابد لها من بذور 00 وإن غروب الشمس يعقبه شروق00 وإن تاريخ أوطاننا لكي يكتب لابد له من مداد00 فاجعلوا من أنفسكم مداداً للوطن 00 وللخلود0



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن