وجه آخر للأبنودى: الانتحال على طريقة الأبنودى

أحمد شمس الدين الحجاجى

2008 / 5 / 16

الشاعر الشعبي جابر أبو حسين
والانتحال على طريقة الأبنودي
لقد دار حديث طويل حول العقلية العربية واتهامها بأنها ذات خيال موحش، وأنها عقلية جزئية لا تملك النظرة الكلية، وكان أحد الأدلة التي يستند إليها أصحاب هذه النظرة العنصرية هو عدم وجود ملحمة في الأدب العربي. والغريب أن كثيرًا من المفكرين العرب ساروا هذا المسار في الحكم على العقلية العربية. لقد حكم الغرب علينا ثم صدَّر حكمه إلينا.
والشيء الملفت للنظر أن هناك أكثر من رواية شعرية كاملة تروى في صعيد مصر لسيرة بني هلال. وهذه السيرة تحفل بتنوع شعري خلاق. لم يلتفت إلى هذه الرواية أحد من أدباء مصر ومفكريها حتى الأربعينات من هذا القرن حين درس محمد فهمي عبد اللطيف سيرةَ "أبو زيد الهلالي"، كما درس عبد الحميد يونس نفس السيرة، وقدَّم فؤاد حسنين بعض نصوصها في كتابه: قصصنا الشعبي. وجميع هذه الدراسات اتجهت إلى النصوص المدونة ورواية الوجه البحري، وتَرَكَتْ روايات الهلالية الشعرية الصعيدية مهملة حتى الخمسينات؛ حين بدأ باحثون مصريون في مركز الفنون الشعبية يتجهون لجمع بعض من هذه النصوص.
وفي صعيد مصر هناك أكثر من رواية لأكثر من راوٍ؛ ففي منطقة أسوان تُرْوَى رواية مبنية على المُخَمَّس أي أن تكون وحدة الرواية هي المقطع المكون من أربعة أبيات ثلاثة منها بقافية واحدة، ثم يتبعها بيت الختام وهو على قافية مغايرة تلزم جميع مربعات السيرة التي يرويها الشاعر. وقد يتغير بناء المقطع إلى مربع يشبه المُخَمَّس أي أنه يتكون من ثلاثة أسطر على قافية واحدة، والرابع وهو القفل يمثل بيت الختام. ويُكرَّر اللفظ الأول من بيت الختام في مطلع البيت الأول للمربع التالي؛ ففي رواية عوض الله عبد الجليل وهي من الروايات التي كانت سائدة في منطقة أسوان وعرف بها الشاعر حسن ياسين وابن أخيه مصطفى النوبي من مدينة دراو، كما في هذا المقطع من قصة عالية العقيلية وهي أحد فصول سيرة بني هلال:
لم فصيح ولم رجيح إلا ابن رامه
يا كنزنا نرتجوه يوم القيامة
الحبيب ظلت على راسه الغمامة
يا كريم لأني أزور المصطفى باهي الجمال
كريم نزور المصطفى ونرجع برايه
بإذن ربي خلاق البرايه
يأتي كلامي في النبي ومعنى الحكاية
صغتها بالفن من فكري وبالي
صغتها بالفن من فكري وذكري
عشان مشهدي ويبان ذكري
كانوا فرسان جودهم تيار يجري
كان تناهم مسك ولاَّ تبر عالي
كان تناهم مسك ولا تبر ديمه
كل ما يقدم يزيد مقدار وقيمه
قوم ودوَّر ع الأساسات القديمة
تلتقيهم في التراب والجسم بالي

وهذه الرواية صعبة على الراوي، فإذا لم يكن متمكنًا من حفظها فقد تهرب منه بقية أبياتها إذ إنها متتابعة، يركب المربع على بنية المربع السابق. وكان جابر أبو حسين يروي هذه الرواية في بداية احترافه للسيرة ثم تركها، ولهذا فإن هذه الرواية توقفت وليس بين شعراء السيرة الشبان مَنْ يرويها.
وهناك رواية السيرة المبنية على المُسَبَّع، وهو المكون من سبعة أشطر، الثلاثة الأولى بقافية تختلف عن الأشطر الثلاثة التالية لها. والبيت السابع وهو بيت الختام وهو القفل يعود للقافية الأولى مستمرًّا طول رواية الفصل. يروي الشاعر النادي عثمان من قرية الطود مركز الأقصر عن حديث خليفة الزناتي لابنته وهو يشكو من شدة مواجهته لأبي زيد:
طلع خليفة الزناتي يشوط على جمع العرب ولو فات
لقيهم مقادم متعددين ولوفات
روح خليفة الزناتي لا هني له غموز ولا فات
قال يا سعده يا بتي الهلايل أنا معاديهم
ماسكين حرب طرش عمتلمع معاديهم
والغلب والبين أنا عندي معاديهم
ياك حلت معاديهم جات عندنا ولفات

واستخدام القافية بهذا الشكل يعطي للشاعر القدرة على التنويع في القافية، وإذا ضاعت من حفظه جملة بقافيتها استطاع أن يركبها دون أن يخل بالمعنى. وعلى كل فهذا النوع من الرواية قد تَوَقَّف ولم يبقَ منه إلا بقية محفوظة لرواية ضائعة تُغَنَّى آخر الليل في حفلات الأفراح.
وهناك الرواية التي تعتمد على المُرَبَّع القائم على تلاقي قافية الشطر الأول مع الثالث والثاني مع الرابع.
يروي الشاعر سيد الضوي، من مركز قوص، واصفًا الجاز على لسان الزناتي خليفة:
الجاز زايد جلعها
ومتبغددة في المريه
كمركب وفارطه قلوعها
بتعوم على شبر ميه

من هذا المُرَبَّع تشيع بين الرواة روايتان؛ رواية قديمة يرويها مَنْ يُعْرَفُون باسم: أبناء السيد أو المساليب، والرواية الثانية هي رواية جابر أبو حسين، وقد سيطرت هذه الرواية على معظم رواة الوجه القبلي؛ حتى إن أبناء السيد أنفسهم قد تركوا الرواية القديمة وأخذوا يروون رواية جابر أبو حسين.
والشاعر جابر أبو حسين ابن فلاح مصري من أبَّار الوقف مركز إخميم، وبعد مولده ترك والدُه قريتَه وذهب إلى مدينة المراغة للبحث عن مورد للرزق، ومات ولما يبلغ جابر أبو حسين من العمر أحد عشر عامًا، وكان على الصغير أن يقوم برعاية أمه وأخيه الأصغر زكي. ترك جابر المراغة بعد أن حفظ كل ما سمعه من السيرة الهلالية وذهب إلى الإسكندرية ليعيش عند أخ له غير شقيق، وهناك عمل كناسًا. ولم ينسَ الطفل السيرة الهلالية؛ فقد كانت تروى في بعض مقاهيها. واستمع الطفل إلى الشاعر الراوية محمد الطباخ يؤدي السيرة الهلالية في أحد المقاهي على مدار عام قمري كامل. يبدأ السيرة في أول رمضان ويختمها في آخر شعبان، ليعود بعد ذلك يؤديها بنفس الكيفية استمع له الطفل خمس سنوات أي أنه كبر وهو يستمع إليه. بعد ذلك سأله الشاعرُ محمد الطباخ أن يعمل معه في بطانته فقبِل. وبعد أن شعر جابر أبو حسين بأنه قد حفظ السيرة عاد إلى المراغة، ولكنه لم ينجح في أن يجذب إليه جمهور المستمعين، فأخذ يعمل مع الفرق الجوالة التي تروي الهلالية. لقد حفظ كل ما يقدمه التراث الصعيدي والبحراوي عن الهلالية وهو يحتاج إلى من يفتح له الطريق ليقدم روايته، ولم يحالفه النجاح الذي يريده حتى استُدْعى إلى الإسكندرية لإحياء بعض الليالي هناك، ويبدو أن ذلك قد تم بعد وفاة شاعرها محمد الطباخ. وعاد من الإسكندرية وقد أخذت الأساطير تُحَاك حوله؛ فقد جاء لأهل الصعيد رجلاً جديدًا. قالوا: "إن الخضر عليه السلام تفل في فمه" وأهل الصعيد دائمًا ما يَرُدُّون الفتوة والقوة وجودة الفن في الشخص إلى الخضر عليه السلام.
لقد كان جابر أبو حسين يعرف كل دروب رواية بني هلال مما يروى في الشمال والجنوب. وكان بداية شهرته الكبيرة في قنا؛ فلقد ذهب لمولد سيدي عبد الرحيم ليفي بنذر له، وهناك قابله رجل من الأشراف يسمى سيد الرشيدي، وقد عرفه الرجل فأقسم عليه بالبقاء، وذهب لزيارة السيد وبعدها مكث في المنطقة المجاورة لمقام سيدي عبد الرحيم والتي تسمى البورة. وأخذ جابر يغني حتى صلاة العشاء. وبعد ذلك أخذه الرجل إلى بيته وقد وعد الناسَ الذين استمعوا إليه أنه سيغني السيرة غدًا. ومن يومها سارت شهرته في آفاق قنا وأسوان فضلاً عن سوهاج وأسيوط.
وجمهور أهل الصعيد يعرفون السيرة ويتابعونها؛ فالسيرة بالنسبة لهم تاريخهم الاجتماعي والإنساني، فكثير من عائلات الصعيد تنتسب إلى أبي زيد أو إلى الزناتي خليفة، فمن كان قيسيًّا يعد نفسه قريبًا لأبي زيد، ومن كان من أصل يمني يعد نفسه قريبًا لدياب بن غانم والزناتي خليفة، وهنا لا بد من أن نتعرف على السيرة.
السيرة هي تاريخ حياة فرد أو تاريخ حياة جماعة، ولقد تعددت أنواع السير فمنها القبلي والقومي والإسلامي. وسيرة بني هلال سيرة قبلية في شكلها الأوَّلي، وهي سيرة جماعة؛ تحكي عن قبيلة بني هلال وحلفهم مع قبائل العرب في نجد والحجاز، وتروي لكل بطل من أبطال السيرة فصلاً أو أكثر خاصًّا به، وإن كان أبو زيد الهلالي هو المسيطر على حلقاتها. والسيرة تتكون من أربع حلقات، الأولى وهي المواليد وما يتبعها؛ فهي تأخذ فصل تَكَوُّن الجماعة ومولد أبي زيد وصراعه في سبيل إثبات وجوده، ثم مقتل الجيل الأول على يد حنظل العقيلي، وبعدها تنتقل إلى زواج الأبطال أبي زيد وحسن السلطان ودياب وفرسه التي فتحت له تونس.
والحلقة الثانية هي الريادة وفيها يرود أبو زيد وأبناء أخته الثلاثة يحيى ومرعي ويونس أرض تونس ليواجه الرجال الأربعة مغامرات عدة يعود بعدها أبو زيد وحيدًا في رواية تقول إن يحيى ومرعي قُتِلا وأُسِرَ يونس ورواية أخرى تقول إن الثلاثة أسِروا. وبعودة أبي زيد من تونس تبدأ الحلقة الثالثة وهي التغريبة، وفيها يقف العرب الهلالية أربعة عشر عامًا على أسوار تونس محاربين لخليفة الزناتي، وتنتهي هذه الحلقة بمقتل الزناتي خليفة. لتبدأ الحلقة الرابعة وهي ما يسمى بالأيتام وفيها يأخذ الصراع بين قبائل حلف الهلالية لينتهي الأمر باستقرارهم في الصحراء الكبرى.
كان جابر أبو حسين هو الصوت الذي ارتفع يروي الهلالية ويوقف نمو كل رواية فيها ما عدا روايته. فهي رواية سهلة تعتمد على المربع الناعم الذي يُبنى من كلام الناس وأمثالهم؛ فليس من السهل أن تجد له بنية شعرية ليست مأخوذة من أفواه الناس. لقد رُكِّبَت هذه الرواية من كثير من الروايات المعروفة، هضمت وشكلت في بنية كبرى هي ما نعرفه الآن برواية جابر أبو حسين.
ولم يكن جابر أبو حسين معروفًا للجمهور بروايته فقط، وإنما كان معروفًا أيضًا بحفظه لكل ما يقوله المنشدون الدينيون في المنطقة؛ فالهلالية تبدأ دائمًا بالصلاة على النبي ومدحه، ثم بكاء الدنيا وذمها بمربعات عرفت عند العامة بأنها مربعات ابن عروس وقد أضاف إليها جابر أبو حسين الكثير، وعُرِفَ أيضًا هذا الشاعر العظيم بخلقه الجَمِّ وحيائه، وقد كان يذهب إلى حفل قد لا يأخذ من صاحبه مليمًا؛ لأنه يعرف أنه فقير. كما أنه كان يؤدي لأبناء السيد حفلاتهم دون مقابل وهي القبيلة التي اشتهر أبناؤها بغناء السيرة. لقد أحب الجمهور رواية جابر أبو حسين وعشقه إنسانًا فنانًا.
لقد حاول كثير من المهتمين بالتراث الشعبي أن يأخذوه إلى القاهرة ليقدم الهلالية في الإذاعة فرفض، كان منهم المرحوم زكريا الحجاوي. ولم تنجح من هذه المحاولات غير محاولة فهمي عمر مدير إذاعة الشعب سنة 1977. وهو من أبناء نجع حمادي من أسرة عريقة تنتسب إلى همام الهواري أحد أمراء الصعيد في العصر العثماني، ولقد أرسل له رسالة مع الأبنودي الذي زار جابر أبو حسين مع الفنانة عطيات الأبنودي وعبد الرحمن قيقة من تونس، ولم يقبل الرجل الذهاب إلى القاهرة بسهولة حتى تدخَّل عمدة القرية. كانت إذاعة الشعب في ذلك الوقت تقدم برنامجًا عن السيرة الشعبية يقدمه عبد الرحمن الأبنودي قدم فيه الضوي الكبير وابنه سيد الضوي. وكان البرنامج في حاجة إلى تطعيم، ومن هنا اتجهت الإذاعة إلى جابر أبو حسين الذي حضر إلى القاهرة والتقى بالأبنوي، وأخذت إذاعة الشعب تسجل له لمدة شهر كامل خمس ساعات منها ساعة راحة. وبعد ذلك سافر جابر أبو حسين إلى بلدته فهو لا يحب مغادرتها طويلاً.
ولقد ذهب إليه الأبنودي مرة ثانية في بلدته وأقام في استراحة وزارة الزراعة بسوهاج مدة سبع وعشرين يومًا سجل فيها لجابر بقية السيرة الهلالية.
ولقد أخذت الإذاعة تذيع ما قدمه جابر في التسعين ساعة الأولى التي سجلها له في القاهرة، ولم تُذِع الجزء الذي سجله الأبنودي في مدينة سوهاج. وكان الإعلان اليومي الذي تذيعه الإذاعة لرواية جابر أبو حسين: السيرة الهلالية، يرويها عبد الرحمن الأبنودي، غناء جابر أبو حسين.
عندما كنت أستمع إلى هذه التقدمة كنت أتصورها سقطة غير مقصودة؛ فعبد الرحمن يصبح الراوي وجابر أبو حسين يصبح المغني وهذا بداية الخلط. وإن كان البرنامج يوهم بذلك، فعبد الرحمن بدوره يحكي ما سجل لجابر ويأخذ في نثره أو إلقاء بعضه، وبعد ذلك يأتي دور جابر في الغناء. على كل لم يتوقف عند ذلك. ونشر عبد الرحمن الأبنودي ثلاثة أجزاء من السيرة الهلالية تحت عنوان: عبد الرحمن الأبنودي يقدم السيرة الهلالية. وفي وسط السطر من صفحة العنوان: الشعر الشفوي للشعراء الشعبيين. وبعد ذلك مقدمتان يتحدث فيهما عن جهده في جمع السيرة، وفي صفحة 46 من الجزء الأول مربعات عن الصلاة على النبي وذم الدنيا دون أن يذكر مِمَّن جمعها حتى يأتي إلى صفحة 56 وهنا تكون بداية نص السيرة الهلالية.
وكانت المفاجأة التي لم أتوقعها أن القص من هذه الصفحة وحتى نهاية الجزء الثالث هي رواية جابر أبو حسين، لم يُضِف إليها حرفًا من رواية راوٍ آخر؛ وإنما حذف منها الجزء الخاص بجايل العقيلي ملك القطيفين الذي قتله أبو زيد وأخذ منطقته التي لعبت دورًا مهمًّا في أحداث السيرة بعد ذلك. فهذه المنطقة كانت تحوي خدامًا من الجن يخدمون من يمتلكها. ودخل النص مباشرة دون ربط ما بين قتل أبي زيد لملوك بني عقيل ودعوة الهلالية ليحاربوا الغلام البطل. لقد كان الحذف في ذاته إساءة للنص لأن الأمانة تقتضي من جامع النص أن يكون أمينًا عليه؛ فالنص تعبير عن واقع الجماعة وفنها ومعتقداتها ومكونها الإنساني. وعلى كل فلن نقف عند هذا إنما المهم أن النص الذي بين أيدينا هو رواية جابر أبو حسين نفسها وهذا يؤدي بنا إلى وقفة مع العنوان ومع المقدمة حتى نتعرف على ما صنعه الأبنودي بالرواية.
لقد مات جابر أبو حسين سنة 1981 ولقد تصور الأبنودي أنه ليس هناك شاهد إثبات يثبت أن رواية السيرة الهلالية التي ينشرها في كتبه لجابر أبو حسين فجعل نسبة النصوص لمجهول بكتابته "النصوص الشفاهية للشعراء الشعبيين". وليس بين علماء الفولكلور من يقبل من جامع لنص أن ينسبه لمجهول ويجعل من هذا المجهول جماعة؛ فالشعراء الشعبيين هنا ليسوا إلا شاعرًا واحدًا هو جابر أبو حسين – ولو أن رواة العصر الجاهلي ذكروا لنا في مروياتهم أن الشعر الجاهلي للشعراء الجاهليين لضاع علينا رصيد كبير من المعرفة، ولكن رواة الشعر الجاهلي مع كل ما يقال عنهم من انتحالهم للشعر كانوا أكثر أمانة في هذا الشأن. ولقد حاولت أن أبحث في المقدمة عن تصحيح لما صنع الأبنودي فلم أجد إلا محاولة مقصودة للتعمية ليجعل من رواية جابر أبو حسين رواية لمجهولين وأنه رَكَّب من روايات هؤلاء المجهولين روايته الخاصة بالسيرة الهلالية.
كان أول ما يطالعنا في صفحات المقدمة الإهداء، فهو يهدي هذه الرواية للعديد من الشخصيات. يبدأ سلسلة الإهداءات بقوله "إلى روح شاعرنا الشعبي العظيم جابر أبو حسين وإلى الشاعر الموهوب سيد الضوي فقد علماني صغيرًا وكبيراً.. أي أن الأبنودي يهدي ما لا يملك لمن يملك ويضم إليه اسم سيد الضوي زيادة في إخفاء الحقيقة. ويدعي الأبنودي أنه قضى عشرين عامًا منذ بداية اتجاهه لجمع أشلاء بدن سيرة بني هلال (ص7) ساعة نشره لهذا النص. يحاول الأبنودي أن يوهم بذلك أن السيرة الهلالية قد ماتت وتفتَّتت، وأنه بنشره لهذا النص إنما يكون قد جمع أشلاء متناثرة ليصنع منها وحدة واحدة، ولم تكن العشرون عاماً سوى المدة التي جلسها مع جابر أبو حسين وهي 57 يومًا سبقها حوالي شهرين من تقديم الضوي الكبير وابنه سيد، وما قدمه في هذا النص لا يعدو أن يكون حصيلة يومين من رواية الهلالية أي مدة ثماني ساعات من تسجيلات الإذاعة قدمت كل ربع ساعة منها في حلقة بالإضافة إلى ربع ساعة من تعليقات الأبنودي، أي أنها أخذت تقدم عامًا كاملاً.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يعلن الأبنودي بوضوح أن هذه روايته فيذكر "وأعتمد في روايتي على روايات عدة لشعراء عديدين لكل منهم موهبته التي تتألف في أجزاء دون أجزاء" أي أنه هنا يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها روايته وأنها لرواة عديدين. وليس هذا بصحيح؛ فهي رواية جابر أبو حسين. ويستمر الأبنودي في الادعاء بأنه هوميروس العصر فهو يقول "إني لا أفعل إلا ما فعل هوميروس نفسه حين جمع متفرقات الإلياذة وقدم للبشرية نصه الأمثل وهكذا فإني لا أبتدع شيئًا خارج العلم". وهو بذلك يحاول أن يصور لنا وللأجيال القادمة أن هذا العمل من صنيعه وأنه جمع متفرقات الهلالية وقدم منها نصه الأمثل.
ويضيف الأبنودي أنه تحمل عبء الجمع منفردًا، بينما الذي تحمل العبء كاملاً هي الإذاعة؛ فهي التي قامت بتسجيل النص وجعلت الأبنودي مقدمًا للبرنامج كما جعلت له مخرجاً من مخرجي الإذاعة وهو الأستاذ محمد علام.
وسأتغاضى عن كثير من الدعاوي التي ادعاها الأبنودي فخرًا بنفسه وبعمله في مقدمته الأولى إلى المقدمة الثانية في نفس الجزء، والتي ملأها بالكثير من الادعاءات التي تمس صلب الرواية، والتي أريدَ بها التضليل على قارئ النص بأنه إنما يقدم نصه الأمثل من عدة روايات. لقد ذكر أسماء شعراء ليس منهم من يعرف رواية الهلالية... لقد ذكر اسم عطا الله، وهو منشد شاعر من قرية المعنى بقنا يتغنى بالموال ولا يغني من الهلالية سوى مربعات غنائية عن عزيزة ويونس آخر الليل. وهي لا تمس الموضوع الأساسي للسيرة الهلالية بقدر ما تتحدث عن الحب والجمال. كما ذكر اسم شوقي القناوي وهو مغنى صعيدي يحفظ أجزاء بسيطة من الهلالية لا علاقة لها بما يرويه جابر، إنها مجرد مقتطفات من الرواية القديمة ولا تلتحم برواية جابر. وكذلك ما يحفظه فوزي جاد. أما حديثه عن سيد الضوي التلميذ البكر لجابر فقد كان يقارن نص جابر بنص جابر.
ولقد التقى سيد بجابر ولما يبلغ الحلم فأعجب به وأخذ يتبعه في كل مكان يعرف أنه سيؤدي فيه الهلالية. يقول سيد إن روايته للهلالية قد أعجبته عن رواية أبيه الضوى. لقد حفظ سيد كل ما استمع إليه من جابر أبو حسين بالإضافة إلى بعض الفصول التي كان يرويها عن أبيه. ولكنه حين ينشد الهلالية لا يروي سوى السيرة التي حفظها عن جابر. ولقد وضع الأبنودي سيد الضوي في مقابل جابر أبو حسين أي وضع الراوي الأستاذ في مقارنة مع الراوي التلميذ، وفي هذه المقارنة يفرق بين مقطوعات جابر ومقطوعات سيد فيقول "من مقطوعة جابر نأخذ المعلومة، ومن مقطوعة سيد يهزنا الشعر وبساطة التعبير عن الموقف وعمقه، ونقترب من خلق الأبطال ونتعرف عليهم بشكل أفضل" (ص43).
والمقارنة في غير محلها، إذ ليس هناك مجال لها؛ فسيد لا يروى سوى رواية جابر فكيف يقارن بين رواية هي في الأصل تكاد تكون نسخة طبق الأصل من رواية جابر.. الأبنودي في ذلك يوهمنا أنه يتعامل مع راويين مختلفي الرواية حتى نتصور أنه يغربل نصوصًا قد جمعها وقدم نصه الأمثل منها كما يقول. ولا يتوقف الأبنودي عند هذا الحد بل يذكر أن سيد الضوي لا يستطيع بلغته البسيطة أن يرتاد أجزاء من الملحمة الخاصة بجابر مثل مقتل عامر الخفاجي. ولقد دعوت سيد الضوي في حفل الأوبرا في 25 من يوليو عام 1990 فغنى مقتل عامر الخفاجي حتى إن بعضاً من جمهور المستمعين دمعت عيناه من التأثر وما غناه سيد في هذه الليلة هو نص رواية جابر أبو حسين.
ويستمر الأبنودي في خلق تكوين خاص به في المقدمة لا يمثل الحقيقة، فهو يذكر أن شاعراً مثل سيد الضوي وجابر أبو حسين لا يغني قصص الحب الخاصة بالسيرة مثل عزيزة ويونس أو الجازية والعلام لأنها لا تليق من وجهة نظرهما بفكر العرب أو تاريخهم أو حكمتهم. ولسيد الضوي شريط يباع في الأسواق يغني فيه قصة حب عزيزة ليونس.
والغريب أن الأبنودي كان يكتب عن تجربة لم يعشها بما فيه الكفاية، فقد أراد أن يصور لقرائه أنه أمضى أكثر من عشرين عاماً في جمع سيرة بني هلال بينما هو لم يمض أكثر من بضعة أشهر يأتيه الراوي، فيسجل له في الإذاعة أكبر كم ممكن من الرواية ثم يعلن "أنه كان يتابعها في كل مكان". ولما كانت خبرة الأبنودي بالجمع قد تمت في مكاتب الإذاعة واستديوهاتها فهو يتصور كما يذكر في المقدمة أن رواية جابر أبو حسين لم تتعاقب عليها أجيال بعد أجيال ولم ترثها أفواه عن أفواه. ولو أن الأبنودي خرج من استديوهات الإذاعة إلى محافظة قنا وسوهاج لوجد أن رواية جابر أبو حسين قد أصبحت هي الرواية السائدة للهلالية. لقد رأيت رواة في أخريات العشرينات وبداية الثلاثينات يحفظون رواية جابر أبو حسين ويروونها ولا يجدون رواية تستحق أن تروى مثلها. لقد أصبح لجابر أبو حسين تلامذة هو نفسه لم يعرفهم. كانوا يستمعون إلى جابر بحب ويتبعونه في كل مكان يذهب إليه ويعودون منه وقد حملوا روايته. وهؤلاء الرواة هم شاهد إثبات قوي على أن ما نشره الأبنودي لا يعدو أن يكون رواية جابر أبو حسين، وهذه الحقيقة يعرفها كل رواة السيرة في جنوب مصر كبارًا كانوا أم صغارًا، هذا فضلاً عن الشرائط التي سجلها الأهالي لجابر أبو حسين وهي تدين الأبنودي.
ولأنه لا يحترم العلم ولا يقدره ولم يحاول أن يستخدمه فهو لم يدرك أن الراوي الشعبي خالق مبدع وأن الدراسات الحديثة الآن تحاول أن تتعرف على دور الراوي الشعبي ودور الجمهور في عملية الإبداع الفني؛ فالراوي ليس مبدعًا لنص فقط وإنما هو مبدع في كل عملية إنشاد يكون فيها الجمهور متلقيًا للنص، وتحاول دراسات كثيرة أن تتعرف على كيفية تكوين الراوي للنص وما يضيفه له من خلال المخزون الكبير للتراكيب الشعبية التي يستعيدها حين يطلبها جمهوره، فيقدم له ما يعرفونه وكأنه يقدم لهم عالمًا جديدًا من لغتهم ومن تراثهم. وهناك محاولات دائبة لدراسة الأدب الجاهلي من خلال معرفة دور الراوي في بنية الرواية. لم يدرك الأبنودي كل هذا، وتصور أنه يستطيع أن يسطو على رواية الرجل الذي منحه طواعية روايته للهلالية، ولأن جابر أبو حسين مات فقد وجدها فرصة أن يقوم بعملية انتحال للنص بطريقة يعجز معها المنتحلون الذين حاولوا نحل بعض النصوص الجاهلية.
لقد كان الراوية المنتحل يضع اسم شاعر على نص من تأليفه، أو يضع اسم شاعر على نص ألفه شاعر آخر، أما الأبنودي فهو يحذف اسم الشاعر جابر أبو حسين ليستبدل به عبارة مجهولة "الشعر الشفوي للشعراء الشعبيين". ولو كان هذا صحيحاً -وهو ليس بصحيح– أليس من الأولى أن يذكر لنا بالتحديد الأجزاء التي أخذها من كل واحد منهم؟ هذا على افتراض أن الروايات المتعددة ذات بنية واحدة وهذا ليس صحيحًا. وجامع النص ليس صاحب رواية، وإنما الأبنودي يغتصب رواية جابر أبو حسين ليدعي أنها روايته، ويمعن في الإصرار على سرقة الرواية بأن يخدع جمهوره العربي بعملية انتحال كبيرة في أن يبيع شرائط كاسيت لرواية جابر أبو حسين ويطبع على غلافها عدة عناوين منها عنوان واضح كل الوضوح "السيرة الهلالية يكتبها عبد الرحمن الأبنودي ويغنيها جابر أبو حسين.
رواية السيرة الهلالية إبداع أمة لم يكتف الأبنودي بسرقته والادعاء بأنه صاحب رواية خاصة، بل يجعل من نفسه في هذا الشريط مؤلفًا للسيرة وكأنها أغانٍ إذاعية يكتبها الأبنودي لمغنين، ويجعل من جابر أبو حسين الشاعر العظيم هو المغني لما يكتبه الأبنودي.
إن سطوة الأبنودي على إبداع رواية جابر أبو حسين لا يمثل سقطة أخلاقية فقط، وإنما يمثل خيانة للأمة صاحبة هذا التراث؛ فهو لا يعتدي بذلك على فرد وإنما يعتدي على أمة يزيف لها تراثها بالأكاذيب التي يدعيها في مقدمته وبالشرائط التي يبيعها وهي تحمل دمغة الانتحال والتلفيق.
أنا أعرف أن الأبنودي نجم، وأنه صاحب سطوة وقادر على أن يحقق سلبه للنص بكل الأساليب الممكنة، ولكني أعرف أن الحق أقوى منه، وأن العلم باقٍ، وأن تراث الأمة لا بد أن يعود إليها، وأن ما حاول أن يأخذه من رواية شاعر عظيم يمثل بالنسبة لأهل الصعيد وللأمة العربية هوميروس الهلالية ولا بد من أن يعود اسمه إلى نص سيرته. إني أملك بيدي الحق مدعمًا بقوة العلم، ولن أسمح لأحد مهما كانت قوته وجبروته أن يستولي على تراث هذه الأمة، فنحن العلماء حفاظ التراث. وإني سأنشر نص رواية جابر أبو حسين لأعيد اسم جابر أبو حسين إلى روايته عن الهلالية.
د. أحمد شمس الدين الحجاجي
كتب هذا المقال بعد لقاء د. أحمد شمس الدين الحجاجي بأسرة المرحوم جابر أبو حسين، ودار حديث طويل بينه وبين شقيق جابر أبو حسين الأصغر زكي وابنه حسين في حضور بعض الجيران في أبار الوقف. وكذلك تم اللقاء في بيت الأستاذ محمد حسين الشريف في أخميم مع عدد من المثقفين وعشاق السيرة وعشاق المرحوم الشاعر جابر أبوحسين في يناير 1990.
ــــــــــــ
صاحب هذا المقال:
*الأستاذ الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي، أستاذ الأدب العربي والنقد الحديث بكلية الآداب - جامعة القاهرة.
وقد عمل أستاذًا في عدة جامعات منها:
- جامعة هانكوك بكوريا الجنوبية.
- جامعة يوتا وبنسلفانيا وأبلاشيا –نورث كارولينا- وويسكنسن بالولايات المتحدة الأمريكية.
- كما عمل فى الجامعات العربية: جامعة الملك فيصل وكلية البنات بالرياض وكلية البحرين الجامعية وجامعة الشيخ زايد.
ومن أعماله المنشورة:
- مولد البطل في السيرة الشعبية. القاهرة: دار الهلال، 1991.
- النبوءة بالبطل في السيرة الشعبية. القاهرة: هيئة قصور الثقافة، 1994.
- صانع الأسطورة الطيب صالح. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990.
- الأسطورة في الأدب العربي. القاهرة: دار الهلال، 1983.
- الأسطورة في المسرح المصري المعاصر. القاهرة: دار المعارف، ط2، 1985.
- المسرحية الشعرية في الأدب العربي. القاهرة: دار الهلال، 1995.
- العرب وفن المسرح. القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 1975.
- أصول المسرح العربي (باللغة الإنجليزية). الهيئة العامة للكتاب، 1981.
الأعمال الإبداعية:
- سيرة الشيخ نور الدين (رواية). القاهرة: هيئة قصور الثقافة، ط4، 2008.
- الخماسين(مسرحية). القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 1987.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن